الخميس 23 نوفمبر 2017 م - ٤ ربيع الثاني ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / شراع : خطبة ترامب ومعركة ما بعد “داعش”

شراع : خطبة ترامب ومعركة ما بعد “داعش”

خميس التوبي

كما كان متوقعًا، صبَّت خطبة الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن الاتفاق النووي مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية ماء باردًا على الرؤوس الحامية، سواء في الولايات المتحدة أو في كيان الاحتلال الإسرائيلي أو في المنطقة، ومضى مضمونه مع هواء ما تشتهيه سفن المرجفين في الأرض، ودعاة الحروب وتجارها، فهوت كلمات الخطبة مهوى أفئدتهم، ناظرين بفارغ الصبر إلى قادم الأيام، بل تتملكهم العجلة لرؤية ما سيتلو الخطبة العصماء لترامب من خطوات أطلق عليها مسمى “استراتيجية”.
أثبت الرئيس ترامب منذ حملته الانتخابية وحتى تربعه على عرش الولايات المتحدة أنه ليس فقط ظاهرة كلامية مصابة بالتورم فتدفع متلقيها إلى الاجتهاد والتفسير والتحليل، خاصة أولئك المتلقين الذين تذهب تفسيراتهم وتحليلاتهم إلى سياقات خارج النص، وخارج الأجندة السياسية الأميركية، وإنما شخصية تجيد الابتزاز متكئة إلى قوة عسكرية جبارة، يرى فيهما الحلفاء والأتباع كالفانوس وعفريته اللذين بهما تتحقق الأمنيات والأحلام. والخطبة العصماء التي دبَّج كلماتها عتاة التصهين وغلاته أو من يسمون بـ”اليمينيين الجدد”، بقدر ما تعبِّر عن عزلة دولية جديدة يضع فيها الرئيس ترامب الولايات المتحدة، بقدر ما تعبِّر عن تراجع كبير للدور الأميركي في المنطقة لصالح المحور المضاد؛ لذلك يحاول ترامب بجملة مواقفه التي ضمَّنها خطبته أن يوقف النزيف ويمارس لعبته المفضلة وهي “الابتزاز”، موظِّفًا في هذا الشأن الاتفاق النووي الذي وقَّعته المجموعة الدولية المعروفة بخمسة زائد واحد والجمهورية الإسلامية الإيرانية. على أن في عمق خطبة ترامب والمواقف هو المستعمرة الكبرى المسماة “إسرائيل” وتأمين بقائها. ومن بين ما دفع الرئيس الأميركي إلى محاولة السطو على الاتفاق النووي ما يلي:
أولًا: الأهمية التي تمثلها الجمهورية الإسلامية الإيرانية لكونها الحلقة الأهم في حلقات المحور المناوئ للمحور الأميركي، فإيران هي الحلقة التي تربط روسيا والصين والعراق وسوريا ولبنان؛ أي الحلقة الأهم في السلسلة التي بدت مفروضة على محور الولايات المتحدة، بل إنها آخذة في مراكمة القوة العسكرية والخبرة القتالية والقوة الاقتصادية، لدرجة أن الدولار رمز القوة والهيمنة الأميركية بات مهددًا بقوة من قبل المحور المضاد للمحور الأميركي؛ لذلك لا بد من كسر هذه الحلقة الإيرانية بمطرقة الاتفاق النووي.
ثانيًا: القوة الصاروخية البالستية الإيرانية يَنظر إليها الأميركيون بنظرة إسرائيلية ـ خاصة الأميركيين الموالين والممالئين لكيان الاحتلال الإسرائيلي ـ لجهة أنها تمثل تهديدًا وجوديًّا لمشروع الاحتلال الإسرائيلي في المنطقة، فضلًا عن ما تلعبه طهران من دور كبير ومشرِّف مع حركات المقاومة والتحرر في فلسطين ولبنان، سواء كان هذا الدور بدعمها ماليًّا أو قتاليًّا، وهذا في مجمله بمثابة رمح موجَّه إلى نحر مشروع الاحتلال الإسرائيلي وجرائمه. لذا يحاول الرئيس ترامب العودة إلى نقض الاتفاق النووي ليُضمَّن مراقبة البرنامج الصاروخي لإيران وليس البرنامج النووي وحده؛ أي تقليم الأظافر الإيرانية المتمثلة في القوة الصاروخية.
ثالثًا: اندحار تنظيم “داعش” الإرهابي وانهيار المشروع الصهيو ـ أميركي الذي وضع تحقيق أهدافه على عاتق هذا التنظيم الإرهابي، وهي تغيير الجغرافيا العراقية والسورية، وتجزئتها، بعد الإطاحة بالحكومتين العراقية والسورية، إلا أن هذا لم يتحقق، ولم ينجز أي هدف، بل تحول الرهان على الإرهاب القاعدي بذراعيه “داعش والنصرة” إلى عبء؛ لما يمثله من قلق ورعب في العواصم التي تبنت هذا الإرهاب ورعايته ودعمه، وذلك بقوة الصمود والاستبسال لدى المحور المستهدَف بالإرهاب القاعدي، وبالتالي لم يصبح بيد المحور الأميركي ورقة يمكن أن يبتز بها أو يلوح بها في وجه الجمهورية الإسلامية الإيرانية سوى الاتفاق النووي، نظرًا للدور الكبير الذي لعبته في حماية العاصمتين العراقية والسورية ومساعدتهما على التخلص من هذا المخطط الخبيث، لذلك من سمع خطبة ترامب وخاصة في الشق العسكري والحرس الثوري الإيراني يدرك حجم الألم الذي ينتاب المحور الأميركي.
رابعًا: يريد الرئيس ترامب من موقفه من الاتفاق النووي ومن إيران تهيئة الأرضية المناسبة التي تسمح له باستخدام كل الوسائل المتاحة في مواجهتها، وذلك ببناء رأي عام معادٍ للجمهورية الإسلامية الإيرانية، يكمل الخطوتين في العراق بدعم انفصال إقليم كردستان عبر التابع مسعود البرزاني، وفي فلسطين بعزل حركة حماس عن محور المقاومة تحت لافتة المصالحة الفلسطينية. حيث التوجه ـ كما يبدو ـ أن يكون إقليم كردستان العراق المنفصل منصة متقدمة لاستهداف إيران، سواء بالتجسس أو بالقواعد العسكرية، وهنا غير مستبعد أن تقام درع صاروخية موجهة ضد إيران في الإقليم الذي سيعمل الصهيو ـ أميركي على مواصلة العمل على فصله، حيث العبث بالجغرافيا وفصل محور المقاومة إحدى الخطوات المهمة لعزل إيران. أما في فلسطين فتبدو الإرادة تتجه إلى تحييد المقاومة في غزة وربما إنهاء مشروعها المقاوم في إطار ما سمي بـ”صفقة القرن”.
خامسًا: الهجوم العنيف الذي شنَّه الرئيس الأميركي في خطبته على إيران، يمكن أن يمثل ابتزازًا على جهتين؛ جهة شركاء الولايات المتحدة الموقِّعين على الاتفاق النووي، بهدف الحصول على نصيب الأسد من الكعكة الإيرانية، وجهة حلفاء وأتباع الولايات المتحدة عبر مزيد من صفقات السلاح، وتسخير البترودولار لتمويل الوجود العسكري الأميركي في المنطقة.
إذًا، نحن أمام معركة جديدة، معركة ما بعد “داعش”، ربما أعطى بعض إشاراتها وإرهاصاتها حسن نصرالله الأمين العام لحزب الله حين طلب من اليهود مغادرة فلسطين المحتلة قبل أن يفوت الفوت، وساعتئذ لن ينفع الصوت.

khamisaltobi@yahoo.com

إلى الأعلى