Alwatan Newspaper

اضغط '.$print_text.'هنا للطباعة

صناعة السلام الدولي ” سلطنة عمان أنموذجا”

محمد بن سعيد الفطيسي

لذا نجد بصمات السياسة الخارجية العمانية اليوم واضحة على خريطة السياسة الدولية في مختلف مناطق الصراع والتوتر العالمي كلاعب رئيس تشد له الرحال لنزاهته وحسن نواياه، وقدرته على التعامل مع أشد القضايا السياسية صعوبة وتعقيدا وتأزما وحساسية. ولتلك الإمكانات الدبلوماسية التي تفتقدها الكثير من سياسات الدول حول العالم اليوم..

صناعة السلام، والعمل على التقريب بين الفرقاء حول قضايا تهدد الأمن والاستقرار الدولي, في عالم تعصف به رياح الفوضى والعنف وسياسات القوة الصلبة والتدخل في شؤون الآخرين, وارتفاع سقف العداوات والخصومات بين الأصدقاء قبل الأعداء. وتضارب المصالح السياسية بين مختلف أطراف المنظومة الدولية ليس بالأمر الهين.
إلا أن ذلك لم يمنع السلطنة العمانية من استمرارها المعهود في تبني هذا النهج السامي كاستراتيجية ثابتة ومبدأ من مبادئ السياسة الخارجية العمانية في عهد باني نهضة عمان الحديثة حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه . بالرغم من كل الظروف والعقبات التي يمر بها النظام العالمي, والتي يفترض أن تدفع إلى الابتعاد عن كل ما من شأنه إضافة المزيد من التحديات والإشكاليات والمشاكل السياسية والتكاليف المادية على كل من يتبنى مثل هذا النوع من المناهج والسياسات الأخلاقية والإنسانية, ولا يستبعد كذلك أن تناله بعض العداوات التي تتقاطع ومصالح بعض الخصماء على الساحة الدولية.
وبمعنى آخر، إن ما تقوم به سلطنة عمان في هذا السياق يعد أنموذجا عالميا لصناعة السلام وليس مجرد ردود أفعال أو مواقف تكتيكية أو مساهمات سياسية هامشية عابرة. فهو القائل “أعزه الله” (لقد أثبت النهج الذي اتبعناه في سياستنا الخارجية خلال العقود الماضية جدواه وسلامته بتوفيق من الله, ونحن ملتزمون بهذا النهج الذي يقوم على مناصـرة الحق والعدل والسلام, والأمـن والتسامح والمحبة, والدعوة إلى تعاون الـدول من أجل توطيد الاستقـرار وزيادة النماء والازدهـار, ومعالجة أسباب التوتر في العلاقات الـدولية بحل المشكلات المتفاقمة حـلا دائما وعادلا, يعزز التعايـش السلمي بين الأمم ويعود على البشرية جمعاء بالخير العميم).
فالمتتبع لواقع السياسة الخارجية العمانية منذ العام 1970م حتى يومنا هذا يؤكد نجاحاتها الطيبة على مختلف الأصعدة السياسية والعلاقات الدولية, خصوصا على صعيد تلك الملفات الساخنة والمعقدة التي ساهمت السياسة الخارجية العمانية ودبلوماسيتها المعهودة بالحكمة والهدوء في حلحلتها أو ساعدت في التخفيف من التوترات السياسية والأمنية أو تقريب وجهات النظر حولها منذ العام 1970م. وكذلك عبر وساطاتها الإنسانية ودورها في انقاذ المحتجزين بمناطق الصراعات والحروب. وكما قال جلالته (إننا ننتمي إلى الأسرة الدولية. نحدد سياساتنا بمنتهى الوضوح. يد تبني بالداخل. ويد تمتد بالخير والعطاء والمشاركة الفعالة في أحداث العالم وتطوراته).
على ضوء ذلك بادرت سلطنة عمان منذ بداية النهضة العمانية المباركة بدافع من حسن النوايا والواجب الأخلاقي الذي طالما تحدث عنه حضرة صاحب الجلالة ـ أعزه الله ـ في خطاباته ولقاءاته الإعلامية والصحفية للمساهمة في التخفيف من توتر العديد من الملفات الدولية والإقليمية, خصوصا في أكثر مناطق العالم توترا وسخونة. أقصد منطقة الشرق الأوسط, بغض النظر عن مستوى نجاح أو نتائج تلك المحاولات من عدمها, فعمان عندما تتحرك في هذا السياق لا تعمل من أجل أهداف أو مكاسب شخصية، بل بدافع من واجب يمليها عليها دورها السياسي والأخلاقي في رخاء واستقرار الحضارة العالمية وواجبها الإنساني ومواقفها الحاسمة والحازمة تجاه الأمن والسلام في عالم تدرك أنها جزء لا يتجزأ منه, وأن ما قد يقع من صراعات وحروب في أماكن مختلفة من العالم لا شك أنها ستتأثر به، سواء بطريقة مباشرة أو غير مباشرة في وقت من الأوقات.
وفي هذا السياق يقول د.هادي حسن (في تحليلنا لبنى فلسفة النهضة العمانية ومرتكزاتها الأساس. نصل إلى أن شعار “نعم للسلام .. لا للحرب” ما دام تجنب الحرب ممكنا, هو الشعار العماني الأصيل الذي أعلنه جلالة السلطان المعظم, في صياغات سياسية عديدة, في جميع نصوص النطق السامي, إذ إننا لا نكاد نجد خطابا ساميا واحدا إلا وهو يتضمن الكلام على الأمن والإيمان والطمأنينة والسلام والتعايش السلمي, ويدعو إلى الحوار والالتقاء والتفاهم بين الشعوب والأمم لإقامة السلام العادل والشامل في جميع أرجاء المعمورة, والقضاء على بؤر التوتر, والتعامل مع التطرف والإرهاب بما يزيد من وتائر التعاون الدولي, ويحفظ وحدة المجتمع الداخلي لكل دولة)(1)
لذا نجد بصمات السياسة الخارجية العمانية اليوم واضحة على خريطة السياسة الدولية في مختلف مناطق الصراع والتوتر العالمي كلاعب رئيس تشد له الرحال لنزاهته وحسن نواياه، وقدرته على التعامل مع أشد القضايا السياسية صعوبة وتعقيدا وتأزما وحساسية. ولتلك الإمكانات الدبلوماسية التي تفتقدها الكثير من سياسات الدول حول العالم اليوم, وعلى رأسها القدرة على صناعة التوازنات المعقدة بين نظرية المادية السياسية ونظرية السياسات الأخلاقية. وبواقعية سياسية كان لها سبق التقدم على الكثير من الدول الكبرى في تغيير الكثير من المواقف السياسية والتوجهات الدبلوماسية ولو بشكل مؤقت على أقل تقدير حيال العديد من القضايا الدولية التي كان يمكن أن تشعل منطقة الشرق الأوسط خصوصا, والعالم بوجه عام.
وهو ما يؤكده مدير مركز بلادي العراقي للدراسات والأبحاث الاستراتيجية في سياق حديثه حول السياسة الخارجية العمانية وما تملكه من الصفات والمقومات السياسية والدبلوماسية كالحكمة والهدوء وثقة الكثير من الأطراف الدولية, خصوصا الفرقاء أنفسهم. والتي ساعدتها على أن تكون الوسيط المثالي للحل الكثير من المواقف والقضايا المعقدة على رقعة الشطرنج العالمية, ولكنّ وكما يقول إن (أبرزها هو احترامها الواقعية بكلّ صُوَرها في مفاهيم علم السياسة الدولية، والبحث عن أبجديات التعاون والمصالح المُشترَكة عبر منهج التوازن؛ انطلاقا من زوايا عملية في علاقاتها الخارجية، وكما يقول الوزير المسؤول عن الشؤون الخارجية يوسف بن علوي: “الخلافات لا تحَلُّ إلا بالسِّلم”؛ ولهذا فإنَّ الواقعية في السياسة الخارجية العُمانية عبر وساطات ناجحة، وحيادية تضمن نجاح مساعي السلام، وكسب الأطراف المُتناقِضة)(2)


تاريخ النشر: 16 أكتوبر,2017

المقالة مطبوعة من جريدة الوطن : http://alwatan.com

رابط المقالة الأصلية: http://alwatan.com/details/221277

جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الوطن © 2014