الجمعة 24 نوفمبر 2017 م - ٥ ربيع الثاني ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / الصراع الأميركي – الروسي على “داعش” في منطقتنا

الصراع الأميركي – الروسي على “داعش” في منطقتنا

كاظم الموسوي

” منذ توسع احتلال “داعش” في الأراضي السورية والعراقية وإعلانه دولة الخلافة أواخر عام 2014 أعلن على إثره تشكيل تحالف دولي (ايلول/ سبتمبر 2014) تقوده الولايات المتحدة الأميركية ودول عربية تُعرف بصلاتها المباشرة بالتنظيم ودعمه بالمال والرجال وباعتراف مبطن منها ومن قيادات رسمية في الدولة القائدة للتحالف ضد الارهاب،”
ــــــــــــــــــــــــــ
لم يخف الصراع الأميركي – الروسي على “داعش”، منذ بداياته، وامتداده في منطقتنا العربية، خصوصا في سوريا والعراق. يظهر هذا الصراع إلى السطح ويختفي حسب تموجات العلاقات بينهما، ويصطدم في كل مرة بما لهما من مشاريع وأهداف وتحديات ومصالح استراتيجية. والصراع على الأرض العربية يتمظهر بأشكال عديدة ومنها التنظيم نفسه، والتحديات والامتدادات المعروفة. ولعل ما حصل على الأرض يكشف أشكالا من هذا الصراع التنافسي الاستراتيجي بين القوتين النوويتين الأكبر في العالم اليوم.
منذ توسع احتلال “داعش” في الأراضي السورية والعراقية وإعلانه دولة الخلافة أواخر عام 2014 أعلن على إثره تشكيل تحالف دولي (ايلول/ سبتمبر 2014) تقوده الولايات المتحدة الأميركية ودول عربية تُعرف بصلاتها المباشرة بالتنظيم ودعمه بالمال والرجال وباعتراف مبطن منها ومن قيادات رسمية في الدولة القائدة للتحالف ضد الإرهاب، اسما معلنا يتضمن قواعد وعمليات وأعمال لا تتفق مع إعلانه واسمه. كما أن هذا التحالف الدولي الذي قيل عن ضمه لأكثر من ستين دولة، يزعم محاربته الإرهاب ولكن وقائع الحال تقول إن كل ما قام به خلال هذه الفترة كشف الكثير من التناقضات، بل أشار إلى تفاهمات واتصالات وتخادم مشترك بين هذا التحالف والتنظيم الإرهابي.
من جهتها أعلنت الإدارة الروسية نزولها الى الميدان السوري تحت الهدف نفسه، محاربة الإرهاب، وتفعيل اتفاقيات ثنائية بين موسكو ودمشق، عسكرية وأمنية، وتجديد مواقعها العسكرية على الأراضي السورية وتطويرها وتزويدها بما يمكن من معدات وأسلحة جديدة. وتم ذلك بموافقة الحكومة السورية ودعما لها.
في الوقائع دخلت الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الروسي بثقلهما في الشأن العراقي والسوري، وقامت أسلحتهما الجوية والمخابراتية في تنفيذ عمليات عسكرية مباشرة، عبر تنسيق بينهما في الفضاء واختلاف واضح في الأهداف والتنفيذ. ففي الوقت الذي تعلن فيه الولايات المتحدة وحلفاؤها قصف مواقع داعش في المدن السورية والعراقية، يتم معها قصف البنى التحتية الأساسية كالمصانع والمؤسسات النفطية والمستشفيات وحتى الكنوز الحضارية والتراث الإنساني. بينما تقوم القوات الروسية في تدمير مقرات معروفة تابعة للتنظيم الإرهابي ودعم القوات السورية في حربها على الإرهاب وتطهير أرضها من وجوده وتخريبه. وهنا بداية الصراع والاختلاف والتناقض بين استخدام الأرض في سوريا والعراق وطرق المحاربة للإرهاب والتفرج على دعمه وتسمينه وتوفير كل الخدمات اللوجستية له، بما فيها إرسال قوات خاصة وأجهزة استخبارية داخل الأراضي العربية دون موافقة رسمية أو تنسيق ضروري تقتضيه تضاريس الحرب والسياسة وما يتبعهما.
من البداية دخلت الولايات المتحدة وحلفاؤها ما سمته الحرب على الإرهاب بتنسيق مع دول عديدة إلا الدولة الرئيسية التي تجري على أرضها تلك الحرب، سوريا، على خلاف تعاملها مع العراق، وكذلك فتحت الأجواء لحلفائها أيضا، وادعى بعضهم بقيامه بعمليات متعددة بالطريقة ذاتها. وهذا العمل أفقد ما سمي بالحرب على الإرهاب شرعيتها القانونية والدولية، فلا قرار من الأمم المتحدة حوله ولا توافق دولي أو إقليمي أو مباشر مع الأطراف المبتلية بما حصل على أراضيها. وتلك الأعمال تؤشر إلى استفراد عدواني صارخ وتوجه إمبريالي للهيمنة والاستحواذ على المنطقة وثرواتها بطرق استعمارية. وسبق هذه الإعلانات الحربية، تشكيل غرف استخبارية متقدمة على الحدود السورية والعراقية من الجانب التركي شمالا وفي الأردن وجنوب العراق جنوبا. ضمت ممثلي أجهزة مخابرات كل الدول المتحالفة مع البنتاجون والكيان الإسرائيلي وبالشكل الذي عرى حقيقة العدوان والإرهاب من تلك الدول وليس كما يعلن أو يكتب في البيانات الإعلامية. حيث كانت مراكز لفتح أبواب الجحيم في المنطقة العربية، من تسهيل الخدمات إلى تزويد الساحات بالعُدد والأعداد من الأسلحة والمسلحين الإرهابيين.
مؤخرا تصاعدت الصراعات وبدأت الفضائح تعلن رسميا، فقد اتهمت وزارة الدفاع الروسية القوات الأميركية بأدلة مصورة لمرور مسلحين من جانب قاعدة أميركية في التنف السورية، قدروا 600 مسلح خرجوا على متن سيارات رباعية الدفع أمام أعين العسكريين الأميركيين من التنف باتجاه غرب سوريا. وطالبت موسكو واشنطن بتقديم تفسير هذه الحادثة، كما حذرت أميركا من نسف العملية السلمية في سوريا وشككت في الأنشطة الأميركية هناك، وفي النوايا الأميركية بشكل عام.. وسبق لها أن اتهمت أيضا بنقل قيادات من التنظيم بطائرات أميركية من الجنوب إلى الشمال في سوريا وكذلك في مدن عراقية حسب ظروف الحرب ومحاصرة التنظيم.
في محيط مدينتي الميادين ودير الزور. السوريتين، أعلنت وزارة الدفاع الروسية أن قواتها الجوية تساند الجيش في معاركه لطرد تنظيم «داعش» من أحد أهم معاقله في الميادين. بينما اتهم المتحدث باسمها، إيغور كوناشينكوف، قوات “التحالف الدولي” بتخفيض غاراتها ضد “داعش” منذ بدء عمليات تحرير دير الزور، مؤكداً أن هناك محاولات لدفع مسلحي التنظيم من العراق نحو الأراضي السورية، ما يسبب “تعقيداً” في تحرك الجيش السوري وحلفائه. وطالبت وزارة الدفاع الروسية، يوم 11 أكتوبر/تشرين الأول، أميركا بتقديم إيضاحات لما وصفته “العمى الانتقائي”حيال المسلحين الناشطين أمامها في سوريا. وأكد الناطق باسم الدفاع، أن الوزارة تمتلك صوراً تؤكد تمركز تعزيزات عسكرية للمسلحين قرب قاعدة التنف الأميركية في سوريا.
ردا على هذه المعلومات، وكالعادة المعهودة، صرح الضابط الأميركي رانكين-غالوي أن “الهدف الوحيد للتحالف هو دحر “داعش” من الناحية العسكرية، وأي تصريحات منافية لذلك لا أساس لها”. وأضاف أن الولايات المتحدة شنت عشرات الضربات ضد إرهابيي “داعش”، كما أنها ساعدت القوات العراقية في معارك تحرير مدينة الحويجة، أحد آخر معاقل التنظيم في العراق، إضافة إلى دخولها المرحلة الختامية لمعركة تحرير مدينة الرقة، “عاصمة داعش” في سوريا. وبحسب الضابط، وهذه الادعاءات الرسمية، فإن العسكريين الأميركيين وشركاءهم “يقومون بتصفية مسلحي داعش أينما تواجدوا”، في الوقت الذي توجه فيه القوات الروسية، وفقا له، ضرباتها ضد مجموعات لا علاقة لها بالتنظيم(!).
من جهتهما، أعلن الجيش العراقي والحشد الشعبي مرارا أن طيران التحالف الأميركي قصف أكثر من مرة قوات الجيش والحشد الشعبي زاعما أنه عن طريق الخطأ، وتوجد أفلام موثقة تؤكد أن طيران التحالف القى أسلحة ومواد غذائية لمسلحي “داعش” في العراق.
هذه التصريحات المتناقضة تكشف في وقائعها حقيقة الصراعات بين الطرفين الدوليين حول “داعش” في منطقتنا، والصور والأدلة والإثباتات تفضح حقيقة من يكافح الإرهاب ومن يستغله ويستثمر فيه، وتبين أن من أسهم في صناعته لا يمكنه التخلي عنه، سريعا ودون حصاد وفير. وأن من يسعى فعلا إلى التخلص منه يحتاج إلى جهود أكثر وقدرات أوسع وإلى حلول استراتيجية وقواعد عمل منتظمة وملزمة التنفيذ.

إلى الأعلى