الثلاثاء 21 نوفمبر 2017 م - ٣ ربيع الثاني ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / رقابة البرلمان ..أمام سطوة الـ”فيسبوك”

رقابة البرلمان ..أمام سطوة الـ”فيسبوك”

محمد عبد الصادق

” إذا كانت المجالس النيابية تراجع دورها في رقابة ومحاسبة الحكومات في الديمقراطيات الناشئة, فإن هناك جهات رقابية أخرى تعاظم شأنها وأصبح الوزراء والمسؤولون يعملون لها ألف حساب ـ وهي مواقع التواصل الاجتماعي ـ التي أصبح لها الكلمة العليا في تشكيل الرأي العام , وأصبحت الأنظمة والحكومات ترصد وتتابع كل ما يطرح على صفحاتها ”
ــــــــــــــــــــــــــ
رغم أن الدستور المصري كفل لمجلس النواب كثيرا من الأدوات التي تمكن أعضاءه من القيام بمراقبة أداء الحكومة ومحاسبتها, عن طريق طلبات الإحاطة والاستجوابات وسحب الثقة من الوزراء أو الحكومة بأسرها حال قبول الاستجواب وموافقة البرلمان على ما جاء فيه, ولكن لائحة المجلس الجديدة وقفت عقبة ـ كما يقول النواب ـ وغلت أيديهم لاحتوائها على مواد تعجيزية لاستيفاء شروط الاستجوابات التي يتقدم بها النواب من الناحية الشكلية بحجة ضمان جدية الاستجواب وعدم عرقلة عمل الحكومة في هذه المرحلة الصعبة التي تمر بها البلاد , مما أعجز النواب عن التقدم باستجواب ولو وحيدا لمساءلة وزير أو مسؤول حكومي طوال ما يقرب من عامين هي عمر المجلس الحالي, رغم الأزمات وعلامات الاستفهام العديدة التي تحيط بأداء الحكومة, والمطالبات الشعبية المتكررة بمساءلة مسؤولين أو تغيير وزراء يشوب أداؤهم التقصير أوالإهمال, مما أعطى انطباعا لدى المواطنين بانعدام فاعلية المجلس وعجزه عن محاسبة الحكومة.
وأمام الهجوم على أداء المجلس, اضطر رئيس البرلمان لـ”تحمير عينيه” للحكومة واعترف في حوار مع جريدة قومية جرى مؤخرا بأن هناك تقصيرا في محاسبة الحكومة ووعد بتفعيل أدوات الرقابة في دورة الانعقاد القادمة للمجلس وأبدى عدم رضاه عن أداء كثير من الوزراء ولمح لإمكانية سحب الثقة من الحكومة في حال فشلت في تقديم إجابات مقنعة على طلبات الإحاطة واستجوابات النواب؛ التي ينوي الإفراج عنها من ظلمة الأدراج والسماح لأعضاء المجلس باستدعاء الوزراء والمسؤولين للرد على الاستجوابات دون تأخير, محذرا الوزراء من تجاهل المثول أمام لجان المجلس المختلفة وأنه ربما يضطر لسحب الثقة منهم تطبيقا لما جاء في دستور 2014م.
إذا كانت المجالس النيابية تراجع دورها في رقابة ومحاسبة الحكومات في الديمقراطيات الناشئة, فإن هناك جهات رقابية أخرى تعاظم شأنها وأصبح الوزراء والمسؤولون يعملون لها ألف حساب ـ وهي مواقع التواصل الاجتماعي ـ التي أصبح لها الكلمة العليا في تشكيل الرأي العام , وأصبحت الأنظمة والحكومات ترصد وتتابع كل ما يطرح على صفحاتها ؛ لدرجة أن مجلس الوزراء المصري أنشأ مرصدا حكوميا يصدر نشرة أسبوعية للرد على أهم ما ورد على منصات التواصل الاجتماعي.
أكبر مثال على الدور الرقابي المتعاظم لشبكات التواصل الاجتماعي ؛ ما جرى مؤخرا عندما نجح منتخب مصر لكرة القدم في الوصول إلى نهائيات كأس العالم بروسيا العام القادم, بعد غياب ثمانية وعشرين عاما, في مباراة درامية انحبست خلالها أنفاس المصريين حتى استطاع نجمهم محمد صلاح إحراز هدف الفوز في الثواني الأخيرة من المباراة, وسط فرحة هيستيرية اجتاحت اللاعبين والمشجعين في الاستاد وملايين المصريين في الداخل والخارج الذين خرجوا في مواكب احتفالية طافت شوارع وميادين القاهرة والمحافظات.
ولم تكد المباراة تنتهي إلاَّ وسارع رئيس الجمهورية بتهنئة الفريق وإعلانه تخصيص مكافأة قدرها مليون ونصف المليون جنيه لكل لاعب (85 ألف دولار أميركي), ورغم أن المبلغ أقل من المكافآت التي نالتها المنتخبات المثيلة التي وصلت لكأس العالم, إلاَّ أن ملايين المصريين سارعوا إلى منصاتهم على مواقع التواصل الاجتماعي للاعتراض على ما قام به الرئيس بمنح هذه المكافآت الضخمة من وجهة نظرهم والتي وصفوها بالمستفزة للسواد الأعظم من الشعب المصري الذي يعاني للحصول على دخل متواضع لا يكفي لسد احتياجات أسرته, نتيجة ما تمر به مصر من أحوال اقتصادية صعبة وقارن البعض بين مكافآت المنتخب , والتعويض الذي حصلت عليه أسر ضحايا حوادث القطارات وغرق العبارات التي تكررت خلال الشهور و السنوات الماضية والذي لا يتجاوز 20ألف جنيه ( ألف دولار أميركي).
وكان هناك من يرى أن لاعبي المنتخب يستحقون أكثر من هذا المبلغ جزاء الفرحة التي رسموها على شفاه المصريين, ولكنهم اعترضوا أن تكون المبالغ من ميزانية الدولة المثقلة بالعجز ـ كما تُردد على أسماعهم الحكومة ليل نهار ـ كما تحفظوا على قيام رئيس الجمهورية بالإعلان عن المكافآت بنفسه, في الوقت الذي طالما كرر فيه جملة ” أجيب لكم منين وبكام .. وأحنا فقرا أوي” في أكثر من مناسبة, وكانت وجهة نظرهم أن جميع اللاعبين محترفون في أندية غنية ويتقاضون مبالغ كبيرة, كما أن اتحاد الكرة يحصل على مداخيل محترمة بالعملات الصعبة مقابل عقود الرعاية وتسويق وبث المباريات المحلية والدولية.
وتحول العرس الكروي إلى معركة استمرت حتى الصباح على الـ”تويتر و فيس بوك” بين مؤيد لمكافآت السيسي وبين معارض , وعندما حان موعد لقاء رئيس الجمهورية لتكريم اللاعبين في صبيحة اليوم التالي للمباراة اكتفى رئيس الجمهورية بمصافحة اللاعبين وشكرهم على حسن الأداء, دون أن يتطرق إلى الحديث عن أي نوع من المكافآت, وخرج وزير الشباب والرياضة بعد اللقاء ليوضح للرأي العام ( سواء من تلقاء نفسه أو بإيعاز من الحكومة ) بأن المكافآت التي أُعلن عنها عقب المباراة ليست من ميزانية الدولة وإنما مبالغ تبرعت بها شركات القطاع الخاص ورجال الأعمال والجهات الراعية لاتحاد الكرة والمنتخب الوطني.
وسواء كان الوزير صادقا فيما قاله, أو قام بتعديل المصدر الذي تم من خلاله تمويل المكافآت, فما حدث يبين لنا إلى أي حد وصل تأثير مواقع التواصل الاجتماعي على مواقف وسياسات الحكومة, ورغم السلبيات والمصائب التي التصقت بمواقع التواصل الاجتماعي من نشر الأخبار الكاذبة وترويج الشائعات وإثارة الفتن والنعرات الدينية والطائفية وانتشار العنف اللفظي والانفلات الأخلاقي لدرجة إعلان مخترع “فيس بوك” مارك زوكربيرج أسفه لانتشار الأخبار “الفايك” وعزمه وضع آليات لمنع وصولها إلى الشبكة .. ربما الحسنة الوحيدة لشبكات التواصل الاجتماعي هي قيامها بالرقابة الشعبية على الأداء الحكومي في ظل حالة الانسجام والتعاون (غير المثمر) بين بعض المجالس النيابية والحكومات و غياب آليات الرقابة والمحاسبة بحجة مساعدة الحكومة في تسيير شؤون البلاد.

إلى الأعلى