الجمعة 24 نوفمبر 2017 م - ٥ ربيع الثاني ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / في الشعر، وملمَح من تجربة الشاعر فايز خضّور

في الشعر، وملمَح من تجربة الشاعر فايز خضّور

علي عقلة عرسان

” .. المبدع الحق، نسرٌ يعيش عمرَ نسرين،ووريدُه نبضٌ لا يكل، وحياته لا تقاس بسنوات عادية، كما تقاس حياة الناس. ونسرنا لا يحب أن يفتك بفرائسه إلاّ شعراً، ويالها من فتكات بكر، يصوّح بعدها المكان وهيكل الإنسان، وتبقى على مدى الرؤى آثارُ القاتل،وهو يجر جريحه نحو الشفاء، فالقاتل مقتولٌ، والمقتول قاتل، عند شاعرنا الإنسان، وشراكة الحياة والمصير، تسبب هذا الموت المشترَك، موت الجسد، أو موت الروح في الجسد.”

الشعر حياة، يجدّد فينا الرغبة في الحياة، ويدفعنا في تيارها إلى مزيد من الحب والعمل والتجربة والنضال والأمل، والشعر سيفٌ، وزهرةٌ، وحلمٌ، ونغم..إنه وهج أشعة الروح، في تفاعل خلَّاق مع الصدق والحق والحرية، واختمار للمعاناة في قلب الإنسان، ومجال للبيان في مدى الزمان والمكان. وإذا ملك سحراً، فهو عُصارة المعاناة، مسكوبة في أوعية العذوبة.. وإذا تاه في خُلَّب اللفظ، وهجر الصدق، واستهان بفن الشعر، وأصول البيان.. خاب،وغاب عن ساحة التأثير، وفقد القدرة على التعبير، وأصبح نوعاً من شعوذة، تتلبس سحر البيان، وإن من البيان لسحرا، وعبئاً على الشعر الحق، وعلى متلقيه بفهم وذوق وشوق.
الشعر حياة، وربيع الروح في الحياة..ولكل شاعر تجربة، واهتمام، ومشروع، وإبداع، وتنوعه لا مثيل له، إذ يكاد يكون لكل ثمرة طعم ولون، وما يبعث نشوة لا يكاد يحددها الكلام، إذ هي نفح ماقاله الشاعر، عن تجربته ورؤية، لكن في صور، وبديع بيان… إنه مثل فتاة بوشكين الرائعة، تلك التي”تقف في الغسق، تحت سقيفة الباب، منكشفة الصدر والعنق، والزوبعة الثلجية في وجهها!!”.. أو رؤية غارسيا لوركا:
“على ضفاف النهر
توقف الليلُ العابرُ ليغتسل
وعلى نهدي بيليزا
تذبلُ الزهور من غرامها”.
أو مما يدعو إلى المكرمات، ويشير إلى دروبها، كما قال أبو تَمَّام الطائي:
ولولا خِلال سنَّنها الشعر مادرى
بُغَاة النَّدى، من أين تُتى المكارمُ
أم مما يجيء في تعبير مدهش، أو مما يشق الثوب، كما قيل في مجلس، حضره أبو العتاهية، ومنصور النمري، قال فيه بكر بن النَّطّاح الحنفي، عن الشعراء:
أرانا معشرَ الشعراء قوماً
بألسُننا تنعَّمت القلوبُ
إذا انبعثَت قرائحُنا أتينا
بألفاظ تُشَقُّ لها الجٌيوبُ
فقال أبو العتاهية لمنصور، طَرِّفْنا بِمُلَحِكَ، فأنشد:
تعلمتُ ألوانَ الرّضا خوفَ عَتْبهِ
وعلّمه حُبي له كيف يغضَبُ
ولي غير وجهٍ قد عرفتُ مكانَه
ولكن بلا قلبٍ إلى أين أذهبُ
فقال أبو العتاهية: الجيوب من هذا الشعر على خطر.
وبين الشعراء، من يعيد إليك صوت الصحراء بصفاء، ويسقيك زلال الماء على ظمأ، ومن يذكِّرك بغزل الجاهليين، وبساطة البدائية، ومن ينقلك إلى حضن الطبيعة، ويجعلك تأنس إلى الينابيع، تنساب في الجداول، وتدغدغ قلبك الخضرة.
وبينهم من يركلك بقدم صناعية، من حداثوية ما بعد الحداثة، تلقِّنك درساً قاسياً، لقصورك عن فهم ما لا يُفهم، ولا يُقبَل، ولا يُهضم، ويكيل إليك تهماً شتى، إذا لم تأخذك الحماسة لما قال، ولم يتبدل فهمك للشعر، وفق ما ادعاه من “فاسد”المقال.. وكلهم.. يشد حباله إلى خيمة الشعر، ويشد خيمة الشعر إلى حباله.. حتى لو قال نثراً جميلاً،يفضَّل أن يسميَه شعراً. بل أن يرفض الشعر كلَّه، إلَّا نثرَه ذاك الذي يحتل أرض الشعر!؟.
وبينهم من للحب في أدائهم عرزال، ودفء، وتعلّق بالقمر والحلم والوهم.. ومَن للغضب القومي في أدائه شؤون وشجون وجذور تضرب في عمق الأنفس، وتأبى اقتلاعاً، ومن له أحلام وآمال وبقايا يقين، ويرفض تهافتاً وتآكلاً وهزيمة وضياعاً. ومَن لتقليد البؤس وبؤس التقليد، عنده حضوراً نوعياً في مواكب الشعر، يشي بما وصلت إليه ثقافة ما، من تبعية وهزال ومحْل واضمحلال.. وبينهم مَن سجل الحِكَم والبطولات، ومَن عظَّم الطغيان، وعَبَد الطاغوت والمال، ومَن يجيد النواح، مخلفاً وراءه النائحات المحترفات في العصر الجاهلي.. ولا يجوز، في هذا المجال، إغفال ما تركه شعراء، كُلِّفوا من أجهزة، كانت تموِّل مجلاتهم الشعرية، ومنشوراتهم، باعترافهم، وتنفخهم، في أثناء الحرب الباردة بين المعسكرين الرأسمالي والشيوعي.. كٌلِّفوا بهدم بنيان الشعر العربي واللغة العربية، وبأن يكونوا العصيَّ الغيظة، التي تُضرَب بها رؤوس، لأسباب منها الاستقطاب أو الإزراء .. التخويف أو الإغراء.
وتبقى لكل شاعر تجربته ومكانته، ويبقى له أسلوبه، وخياره، ودوره، وما شاءه.. والزمن غِربال.
وأود أن أتوقف عند ديوان شعر “قُدّآس الهلاك”، فيه ملمَح من ملامح تجربة الشاعر فايز خضّور، الذي له تجربته، وأسلوبه، ومواقفه، وخياراته.. وفايز له:
عمر من الشعر والقهر،
وآخر من الموت في الأسر،
ومثلهما، أو أكثر منهما قليلاً، نفيٌ في طوف الغربة،
وأكثر من ستة عشر، وعاءً، مملوءة بصادق الحب والمعاناة،
ترى أفلا يصنع ذلك تجربة تُذكر.؟!بلى ورب الناس، إنها تصنع ذلك وأكثر.
فالمبدع الحق، نسرٌ يعيش عمرَ نسرين،ووريدُه نبضٌ لا يكل، وحياته لا تقاس بسنوات عادية، كما تقاس حياة الناس. ونسرنا لا يحب أن يفتك بفرائسه إلاّ شعراً، ويالها من فتكات بكر، يصوّح بعدها المكان وهيكل الإنسان، وتبقى على مدى الرؤى آثارُ القاتل،وهو يجر جريحه نحو الشفاء، فالقاتل مقتولٌ، والمقتول قاتل، عند شاعرنا الإنسان، وشراكة الحياة والمصير، تسبب هذا الموت المشترَك، موت الجسد، أو موت الروح في الجسد.
إن شهيده لايجد مقبرة تؤوي ظله على الأرض، فيبقى مكابراً، يصول ويقول:”أظل إنساناً أرفع جبهتي لمجد الحرية، أقترف اللعنة، وأعرف كيف أفكر، حتى بعد الموت.”. والزمان لا يحتمل ألم الجرح والفَضح مرتين، في دنيا زيَّنها العَجز بتلاوين الفحولة، لنزدرد من جيفتها كل صباح، ما يبعث فينا نشوة يعقبها نُواح. ومن تعاف نفسه الجيفةَ، يتصوَّف في دهاليز الوقت، ومن يخرج على الشرعتين”نَهش الجيف والتصوّف”، شاهراً سيف الإبداع، تنزف شرايينه، لتغذي شجرة الروح فتزهر وتثمر، ولتقيم قصور الرؤية مدى الوقت، وتَتَشَمْرخ مواسمُه حتى التخمة، ألماً وحنظلاً آناً، ومودات ونَفَرات آناً، تفترش خلايا الأجساد، وعدلاً ينصب صواوين في مدى الجماجم والقامات، وظلالاً من حب وشوق، ورغبة وتوق،ينسج بردة العالم وينمِّيها، حتى تغدو قطفَ بساتين الغيب في الغيم السارح على هواه، موسمَعطاء، هي جَنى الشِّعر والشعراء.
“إنها محنتي المزمِنة “، هكذا يصرخ شاعرنا فايز، بعد كل صهيل على بوابات العتمة.. من منّا ليس المقهور يا أبا أداد ؟!لكنا نعتِّق قهرنا في أقبية النفس، ونلوكه ليسهل مضغُه، لكن القهر لا يُمضَغ يا أبا أداد.. ونجدنا معك نقول لزليخة:”مادام القهر خبزَنا الأزلي، فلماذا لا نظل أعزاء يازليخة”؟!!
في الثلاثين من عمر فايز خضّور مفصل حاد، جعله وجَعاً ممتداً، يصرخ :”تافه كلُّ شيءٍ، سوى الموتِ، ما عاد للخبزِ هيبة.”. وفي ذلك الوقت، المفصل، حداء يهيب بقطار المساء، كل مساء، أن “لُمَّ عظامي . راحل، في الرماد وجهي، وعمري من التشهّي يموت.!!”.. وقد أخذ ذلك فجاج الزمن عليه:
“آه مالي سوى الموت، أحيا به في النهار.
هات زندك يا موت،
خذني حليلك،
واقرأ بكفيَّ بخت السَّبايا.”.
ومنذ ذلك التاريخ، صار لقصائده طعم الدمع المركّز في الملح ودم الجرح معاً، ومعنى انفتاح الدروب على هاويات الهزائم، وصار صموداً يقاوم زحف الكآبة والموت، يلقي رداء المقاتل في وجه ثور الهياج. في الحلم يجوب مساحات الوطن، يدمِن طقس الهلاك، حتى الثلج عنده السَّواد وينذر بالهلاك، “في منتصف السبعينات تقريباً ولدت العبارة، وهو يرصد أعشاش السنونو التي أقفرت، وأخذت تنمو في الأعماق، وتتجلى طقساً للهلاك!!”. ومن نبض إلى نبض في الوريد، ومن لحظة في العمر إلى لحظة، تراه لا يكف عن الصراخ:
“أيها الناس
أقسمت بالموت،
أبقى أقاوم
أرفض
وأَقتُلُ
أُقتَلُ
كي تستمر الحياة.”.
أمرَعَ في رئتيه الوجد.. وكوَتَرٍ مشدود بين نهايتين، تعزف الريح على متونه،فتراه يرقص مذبوحاً من الألم، يعُبّ من خمر الحياة حتى يغيبَ، ولا يغيب، ويجر في حواريها صليباً بعد صليب، يوقد أصابعه، ويسير في دروب العشق، يستمطر رضا المحبوب، ويفيض حناناً وإخلاصاً، فترتد إلى صدره سهام الغدر، تجرّحه فلا يسقط، وتثقُل عليه فلا ينهار، وتقتله فلا يموت.. يسند مرفقاً إلى “قاسيون” وآخر إلى “المَدرَ حيَّة”، ويرفع جبهة فوق الأحداث، ويأبى السقوط. منذور جسده للهلاك، ومنذور روحه للقضية، يستعير من “صِنّين” صبراً، ومن تمّوز شجاعة أبدية. آه يا رفيق المسافات والقفر والقهر والخوف، متى تنتهي من جرجرة حَبْل دمائك في البرية ؟!ضاق بنا الدرب والركب.. أأنت الهوامش التي للحرف،النَّص، أم أنت منه المتن والهُوية ؟!ألا خبّر السالكين دروب الفَناء، فقد تهت سنيناً فيها، وقطّعت دروبها القصية، وتعلَّمت.. ألا خبِّر السالكين بسرّين:سرّ الرقاد على الغيم عِشقاً، وسرّاً آخر عصيا:ذاك إمساكك عروة الأرض هائجاً هازجاً:
“لم ينهزم حين صاحت به المقصلة:
قل وصاياك، أنهكتَ صبرَ السِّياط. “.
فايز..
في حناياك للموت خطو جريئٌ،وأنت على طرقات الحياة، تهز أفانين القول وترشّها، ديماًمن العشق والمعاناة، ترُشُّها للناس والأرض، والوطن ، عطوراً، ونور صباح، وتوق حياة، وماءً يكون الحياة؟!لماذا الذُّبول صديقي، لماذا الأفول يطرز رِدنيك آناً، وأنت المليك على شرفة البوح، وسرُّ الكلام لعُصفورة الدوح، والظل الظليل، لمن يفهمك؟!لماذا الذّبول أبا الريح والعاصفة، “أداد” الحارقين جلداً، لينضج جلد الحضارة، “أداد” القائمين من الحرق في كل تموزٍ، مع الفينيق.. يبنون طَوفاً فطوفاً، جُسور جسارة، تدور البحار وتغدو المنارات، تغدوا الحضارة.. وتغدو الحياة رسالات حب، ودوحاً وطيراً، وسرَّالرّموز، ومعنى الإشارة؟!سليل البراري الذي يشرب البيد ويسقي العبيد جسارة.. لمَ الموت في خافقيك عبارة؟!أزلها.. أزلها، وكن دعوة للحياة، كما أنت في السر والعمق، وكن أنت فيها البشارة. سيفَ جنود الرفض المجهولين؟!
ألست القائل:
“ارفعوني، وافرشوا أرض المحفّة
طوّفوا بي كل حارات الوطن
وافتحوا للشمس شُرفة
واتركوني:
بين عيني وبين الذبح، إِلفة”؟؟!
فما بالك تلوج بين الدمعة واللوعة، وبين جنبيك ما يجمع خلقاً على حب الحياة؟!ألا قل قولك:
ها، أُنزلُ جسدي
أومي للأشجار اتّحدي. ”
يا ابن سنابل القمح، وسنابل الدم، لن تسعفك جنازات المطر، لأن ما يسعفك وينميك هو البذلُ والتحليق في ذرا الشام عزاً، صِنو وقفة العز التي لبطلك في قدَّاس الهلاك!فلماذا تعرف وتدفن معرفتك، تجعلها تتلطى في الحارات الرطبة، تهوي من ذرا”صِنّين” إلى حارات البحر الميت؟! قم واصرخ صرخة يومك:”يا وطن الثورة عبئني:لغة رصاصٍ، وزهوراً حمراء،
كي أحرس واحات الأطفال. ”
يافايز..
الشعر شموس الروح، قُصوف الرؤية، حبْل سريٌّ ينشلك من قعر الجُب، يقيمك في الحب، يحيلك من عصف مأكول يعفّن في جنبات الظل، إلى تيار من أنوار أو نيران، تجعل زهو الدنيا فيك، وتجعل كل الدنيا تزهو فيك. جناح وضّاح يا صاح، يخفق بين القلب وسر الترب، يفيض بصدق الكون، ويصنع فيضَ اللون، وعينَ الرؤية.
أحب سماء كلامك شعراً، أحب أطوف بكرمك، ولك الخمر، ولي لون العنقود وريّا الطعم. تتقرّى رئتاي سطورك، وعلى مصباح اليوناني الذي استعار زيت مصباح روحه، من زيتونتنا المباركة في هذه الأرض السورية، وفكّر بأبجدية أوغاريت، ودبَّج فكراً ثوريا:”ديوجين”، على مصباحه، مصباحنا، أدلُف إلى بعض دهاليز قُدّاسِك المنعوت بالهلاك، تاركاً نصائحك ووصاياك التي إلى “أداد”،إلى وقت أرتاح فيه من ضغط الوقت، وتخف على قلبي وطأتها، فهو رفيف مذ دخل المحراب، ورأى ساطوراً يغرق بدم وريدك النازف حتى الآن:”دع سرّنا بين المقابر، يستريح مع الحجر “.. لكن ليس قبل التزوُّد بشمعتين، لأن مصباح ديوجين خبا قليلاً مع الزمن، وهو لا يحتفي بنور القلب، لأنه مولع بالعقل، والعقل في بعض المواطن كليل. والشمعتان رايتان، رؤيتان من آداد:
“إن هل “آذار “البراعم في غيابي.
خصني بتحية الميلاد،
طيّ سحابة خضراء.
تُعشّبني.
لتبدأ في شراييني الدماء تفيق ُ
تنعشني.
وترتعش الخلايا الميّتات ، بصحو دورتها الجديدة ..
أداد
موتي وبعثك،
وانبعاث الآخرين
حصانة الوطن الوحيدة.”.
يا أيها الصديق:
الماء يبلّ الريق، ينعش روحاً في مثواها، يُخرِج من أرض مَرعاها، يدفق دفق رحيق في الأجداث، يقيم من موت موتاها.. أيها الصديق عذراً، بعض وجيب القلب لك، وبعضه الآخر لسواك، ولا أدعي احتكار المحبة.
في قدَّاس الهلاك، شاعر استوت له التجربة، ولَانَله الحرف، وأطاعَته العبارة.. ولكن عوده جف من الارتماء على قارعات الحوادث، كل صباح وكل مساء، شوَته نار المعاناة، وأشكال فساد الحياة من حوله، فتبخَّر من حرفه بعض الماء. وصار أشبه بسنديانة شديدة القساوة، عصيّة الدمع، كثيرة الوجيب، تمتح من جذورُها من الأعماق، قوة وثورة، ويتجمَّد النسغُ في عروقها أو يكاد، عندما ترى إلى الغصون والأوراق تتذابَل وتتقاصَف، لدى عصف الريح وهبوب الأنواء، وكأنما تتساءل:تُرى أيليق نَسَغي العريق، بهذا النسل الضعيف؟!
أيها الشِّعر.. أيها الشاعر.. لا تترك لنا ضعفاء، ولا قَصَلاً متعالياً في الفراغ، لا تحنى رؤوسَه السنابلُ المثقلَ بالعطاء.

إلى الأعلى