الخميس 23 نوفمبر 2017 م - ٤ ربيع الثاني ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / في العمق: مدخلات التحول في منظومة السلامة على الطريق

في العمق: مدخلات التحول في منظومة السلامة على الطريق

د. رجب بن علي العويسي

لعل المتابع لعمليات التطوير والتحسين في السياسات المرورية والخطط والبرامج التي اتخذتها السلطنة، يجد بأنها اتجهت إلى المواطن بالشكل الذي يضمن التزامهاخصوصية المجتمع العماني وثقافته وقيمه ومبادئه، وعززت من فرص الاستفادة من الخبرات والتجارب والابتكارات والمبادرات والجهود العالمية في سبيل الحد من الحوادث ونشر ثقافة السلامة على الطريق، عبر شراكات استهدفت الوصول إلى معالجات مستديمة، لقضايا الازدحام والحوادث المرورية، وشبكات الطرق، وسلوك مستخدم الطريق، وأثمرت جهود شرطة عمان السلطانية بمشاركة المواطنين، عن مؤشرات إيجابية في جوانب مختلفة من هذا الملف ، يأتي في مقدمتها، ما شهدته إحصائيات عام 2016، من تراجع في عدد الحوادث المرورية، نظرا لتنوع الاجراءات المرورية المتخذة في الحد من السرعات، باعتبارها المسبب الرئيسي لحوادث السير، حيث بلغت مسببات السرعة في وقوع الحوادث (3411) حادث من بين اجمالي الحوادث لعام 2015( 6279)، وبلغ عدد الوفيات ( 675)، وعدد الاصابات (3624)، والتي شهدت أيضا تراجعا عن السنوات التي قبلها، بالرغم من الزيادة الحاصلة في عدد المركبات المسجلة، والتي لها ما يبررها من زيادة الكثافة السكانية لمجتمع السلطنة، وفئة الشباب خاصة والتي تشكل ما نسبته 30%، والتوسع الحاصل في شبكات الطرق ،وزيادة الطرق السريعةالمزدوجة ، وغيرها.
لقد عززت المعطيات السابقة من أهميةالدفع بجهود التطوير المروري،تنفيذا لاستراتيجية السلامة المرورية، عبر حزمة من الإجراءات المحققة لغايات السلامة على الطريق، وما اتخذته من خطوات تخطيطية وتنظيمية وتسويقية وتشريعية وارشادية وتوجيهية ومجتمعية، أصلت لثقافة الوعي، وتنمية أطر المشاركة المجتمعية، وتقريب مفهوم السلامة على الطريق من فكر المواطن وممارساته وأسلوبه في التعامل مع أدوات السلامة المرورية ، وعبر التحديث المستمر لآليات العمل المروري ، وتوظيف التقنية للدخول بفاعلية في هذه المنظومة، وبناء شراكات عمل مع مؤسسات الدولة التعليمية والتشريعية والاجتماعية والشركات من أجل ثقافة مرورية قادرة على استيعاب التحولات الحاصلة في منظومة السلامة على الطريق، متخذة من تعدد أدوات التوعية والتثقيف وآلياتها، والاستفادة من الفضاءات المفتوحة وشبكات التواصل الاجتماعي، وعبر التوجيه المباشر والملاحظة المستمرة، ورصد الحالة المرورية من خلال التواجد في المواقع ورصد المواقف،وبناء أدوات المراجعة والتصحيح والتقييم، في ظل مخرجات اللقاءات الدورية والزيارات والمتابعات التي يقوم بها المختصون في الإدارة العامة للمرور، والتحول الحاصل في البرامج التوعوية المرورية المتناغمة مع طبيعة المخاطبين، والمتغيرات المؤثرة في سلوك المستهدفين منها، مراعية الظروف الاجتماعية والنفسية، والخبرات، والمرحلة العمرية والخصوصية الاجتماعية، وطبيعة الموقف المروري نفسه
( تجاوز إشارة، السرعة، اللامبالاة في استخدام الطريق، استخدام الهاتف أثناء القيادة ..)، وطبيعة الأساليب التثقيفية والحوارية التي تستخدمها ( شكرا لتقيدكم بالسرعة، سياقة بدون هاتف … وغيرها)، وهي في جملتها تحولات في التعامل مع محددات السلامة على الطريق ، تتجه بها إلى تكوين سلوكي إيجابي تفاعل عبر مستخدم الطريق ذاته ، وتفعيل إمكانياته الذاتية ، مسترشدة بالمدخل القيمي والأخلاقي المستمد من التأصيل الديني والتشريعي وثقافة الإنسان العماني ،المتجهة نحو أمانةالمحافظة على النفس وحقها في الحياة، ومنع إلقائها في التهلكة أو الضرر بها ، الناتج عن التهور والسرعة والاستهتار بمحددات السلامة على الطريق، كمدخل لقوة التأثير وتحقيق معايير الالتزام.
من هنا، فقد حظيت هذه القيم والمفردات والمفاهيم المتجددة في السلامة على الطريق، باهتمام كبير في استراتيجية شرطة عمان السلطانية التوعوية والتثقيفية، وساهمت جهودها ومتابعاتها المستمرة إلى بناء سلوك اجتماعي تعامل مع هذه الموجهات برغبة وقبول، وعززت من فرص وجودها كمشترك قيمي وأخلاقي في تنفيذ استراتيجيات التوعية المرورية فمثلا شعار ” كلنا شرطة” منطلق لتكاتف الجهود ورسم محددات الشراكة القائمة على تقاسم المسؤوليات، وتفاعل الأطر الواقعية والأفكار لتؤصل في نهاية المطاف، قواعد للسلوك المروري الشخصي، كما شكّلت بدورها مسابقة السلامة المرورية، ومعرض السلامة على الطريق، والبرامج الاعلامية الشرطية، والفقرة الاذاعية اليومية حول “السلامة على الطريق” مدخلات عزز من قدرة الرسالة المرورية إلى الوصول للمجتمع، وإتاحة فرص مشاركاته وإبداعاته وابتكاراته التي اتجهت للتعمق في البحث عن منصات لحلول السلامة على الطريق، وإيجاد مساحات عمل تضمن لنواتجها، فاعلية التنفيذ في الواقع، كما عزز قانون المرور الصادر بالمرسوم السلطاني السامي ( 38/2016 )، من أطر التعامل مع التحديات والمتغيرات التي رافقت منظومة السلامة على الطريق، لكونها جاءت منسجمة مع رسالة الوطن الطموحة، الداعية إلى الحد من الحوادث المرورية، متناغمة مع المنجز المروري ذاته، والجهود التي تقوم بها الإدارة العامة للمرور في هذا الشأن، ومبادرات المواطنين التي استهدفت توجيه العادات المرورية بشكل ينسجم مع محددات ثقافة السلامة على الطريق.
إن احتفاء وطننا الغالي بالثامن عشر من أكتوبر “يوم السلامة المرورية” يأتي في إطار الوقوف على منجز السلامة على الطريق، وبلورة عملية مقننة للسياسات والتوجهات والبرامج والخطط التي انبثقت عن اللقاءات والأنشطة التنفيذية المرورية في الفترة الماضية،من أجل إتاحة مساحات أكبر للتطوير والتحسين، ويبقى التساؤل: كيف يمكن البناء على هذا الرصيد الوطني المنجز، ومبادرات المواطنين، قصص نجاح قادمة، تدفع للمزيد من التفاعل وتكاتف الجهود، وتعميق الحس الوطني المسؤول، المتجه لتعزيز وعي المواطن وبناء ثقافة الشباب المرورية، مستوعبة مستجداته وفرصه وأولوياته، وتحدياته، عبر قراءة متجددة لمنظومة السلامة على الطريق، في ظل أرصدة النجاح التي يرسمها إنسان هذا الوطن وشبابه الواعي ، في واقع استخدامه للطريق، وإدارته لسلوكه نحوه.

إلى الأعلى