السبت 18 نوفمبر 2017 م - ٢٩ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / عندما يشرد ملك الإحساس وتقتل الأرملة البيضاء

عندما يشرد ملك الإحساس وتقتل الأرملة البيضاء

فوزي رمضان
صحفي مصري

” الآن أين المصير؟ وكل العناصر التي انضمت لتنظيم داعش إما قتلت أو هربت أو مطلوبة للعدالة، بعد انكشاف الوضع الحقيقي للمشروع الإرهابي لداعش وغيرها من التنظيمات الإرهابية، وفقدان الحاضنة الاجتماعية فضلا عن إرادة الانتقام والتمرد على التنظيم ذاته الذي غرر بهم ، بعد أن انكشفت إيديولوجية الإرهاب وسفك الدماء وإشاعة الفوضى والخراب والدمار في كل محط لأقدامهم وكل موضع لأفكارهم .”

قد يميل نفر من أصحاب التخصصات العلمية البحتة إلى التطرف والانضمام إلى التنظيمات الإرهابية، بسبب اعتماد العلوم العملية على النظريات الجافة، وعلى المعمل التجريبي والنتائج البحثية الملموسة، عكس الدراسات النظرية، التي تترك للعقل مساحة من الخيال والتفكير والتغيير، لكن في ظاهرة حيرت علماء النفس والاجتماع ،عن كيف بأصحاب المواهب الفنية وذوي الحس والشعور والإحساس، بل كيف بأهل الخيال والحلم والإبداع والفنون، أن يتحولوا فجأة من النقيض إلى النقيض، وينضموا إلى الخلايا المتطرفة، في حالة تجبر العقل البشرى الوقوف حيالها والتمعن في مسبباتها.
نتعجب عندما نجد مطربا شهيرا مثل فضل شاكر، الذي بات اسمه ملء السمع والبصر، ووصلت نجوميته عنان السماء ولقب بملك الرومانسية والإحساس، كيف لهذا المطرب صاحب الجماهيرية العريضة في شتى أنحاء العالم، أن يترك منزله في صيدا البالغ ثمنه 4.5 مليون دولار ويترك كذلك مطعمه الفاخر ويعتزل الفن ويطلق لحيته، ويعلن للجميع أن الغناء حرام ومن ثم ينضم إلى جماعة إسلامية مسلحة يترأسها رجل الدين اللبناني أحمد الأسير الذي يطلق عليه (الشيخ السلفي) بل ويدعو للجهاد في سوريا والتصدي لميليشيا حزب الله الداعم للرئيس السوري بشار الأسد، ومؤخرا يتهم رسميا من قبل السلطات اللبنانية باشتراكه في القتال ضد الجيش اللبناني في معركة (عبر) ويتسبب في مقتل 18 جنديا لبنانيا، ويحكم عليه غيابيا بالأشغال الشاقة لمدة 15 عاما، وتجريده من كافة حقوقه المدنية وتغريمه 800 ألف ليرة لبنانية ، والحكم بالإعدام على الشيخ أحمد الأسير، الذي عمل فضل شاكر تحت إمرته، ومازال هذا الفنان المبدع ذو المشاعر الرقيقة، والأحاسيس المرهفة طريد العدالة، مختبئا في مخيم عين الحلوة مشردا هائما على وجهه في انتظار إلقاء القبض عليه، كان ممكنا أن يتحول هذا الفنان للإنشاد الديني الراقي مثل المغني البريطاني سامي يوسف والمصري ماهر زين ، لكن أتلفه التطرف وأضاعه الغلو وحطمه الجنوح.
نكاد نصدق هذا المصير المعوج لشخوص في بيئة المجتمع الشرقي، حيث الأفكار المنغلقة والممارسات المنحرفة ، لكن كيف للمجتمعات الأوروبية الأكثر تحضرا، أن يتحول فيها مغني الراب الألماني دنيس كسبرت من عالم الصخب والموسيقى، ليعلن ولاءه لزعيم داعش أبي بكر البغدادي ويطلق على نفسه أبو طلحة الألماني، ليتولى مسؤولية تجنيد عناصر جديدة ناطقة باللغة الألمانية إلى التنظيم، ويدرج اسمه في لائحة الشخصيات الإرهابية المطلوبة حالا للعدالة.
وكيف لعارضة الأزياء الانجليزية الشهيرة كمبيرلي مينر البالغة من العمر27 عاما، أن تتواصل مع مقاتلي التنظيم في سوريا وتهب نفسها للخدمة والدعم عن طريق شبكة التواصل الاجتماعي، الحال نفسه مع مغني الراب البريطاني المصري الأصل عبد المجيد عبد الباري،الذي اعتزل الغناء وانضم إلى تنظيم داعش وغادر المملكة المتحدة إلى سوريا واتهم بمقتل الصحفي الأميركي جيمس مولى.
ومؤخرا أعلن عن مقتل أخطر نساء داعش على الإطلاق ، في غارة أميركية بدون طيار على مدينة الرقة، وهي البريطانية سالي جونز عازفة الجيتار ومغنية الراب البالغة من العمر45 عاما والتي اعتنقت الأفكار المتطرفة وانضمت إلى تنظيم داعش، وانطلقت إلى سوريا وتزوجت من رجل يدعى حسين جنيد، وقد اتهمت سالي جونز التي أطلق عليها
( الأرملة البيضاء) هي وزوجها بالتخطيط لـ12 هجوما إرهابيا، كما اعتبرت أهم شخصية في مجال تجنيد النساء في التنظيم .
قد يكون منهم من يتعاطف مع هذا السلوك الإرهابي أو يتبنى أفكارهم أو يدافع عن جرائمهم، لكن عندما يصل الفرد إلى مرحلة التطبيق والمعايشة، تكون النفس البشرية قد وصلت إلى مرحلة التمرد والثورة على كبت داخلي والبحث عن قضية كبرى يتبناها، ومنهم من يكون لديه الرغبة في شهوة السلطة والتعامل مع السلاح، ولذة السيطرة وإحساسه بالحاجة الملحة إلى الانتماء إلى جماعة أو تنظيم، وتبني الأفكار التي تعرض عليه بالإغراء أو التزييف أو الخداع، والتي تركز على الإيهام وغسيل المخ وتحقيق الرغبات والتلويح بجني الثمار.
الآن أين المصير؟ وكل العناصر التي انضمت لتنظيم داعش إما قتلت أو هربت أو مطلوبة للعدالة، بعد انكشاف الوضع الحقيقي للمشروع الإرهابي لداعش وغيرها من التنظيمات الإرهابية، وفقدان الحاضنة الاجتماعية فضلا عن إرادة الانتقام والتمرد على التنظيم ذاته الذي غرر بهم ، بعد أن انكشفت إيديولوجية الإرهاب وسفك الدماء وإشاعة الفوضى والخراب والدمار في كل محط لأقدامهم وكل موضع لأفكارهم .
على أرض الواقع يتلقى هذا التنظيم الزائف الإرهابي الضربات تلو الضربات بعد تحطمه في معظم المدن العراقية ويتلقى الآن الضربات الموجعة في معظم المدن السورية واستسلام الآلاف منهم، غير القتلى والمشردين منهم ، لقد كان هذا التنظيم خداعا للمخدوعين وكان ملاذا للمنبوذين وكان ملجأ للمشردين، والآن أيضا يثأر العالم أجمع منهم( فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض).

إلى الأعلى