الأربعاء 29 مارس 2017 م - ٣٠ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / “نهاية التاريخ” .. عربيا!

“نهاية التاريخ” .. عربيا!

جواد البشيتي

قانون “الانتخاب (الاصطفاء، الانتقاء) الطبيعي” لداروين يَفْعَل فعله حتى في المجتمعات، ولو لم تكن حُرَّة وديمقراطية بما يكفي لتحريره من كثيرٍ من القيود؛ ولقد رأينا فعله في “البيئة العربية (غير الطبيعية)” على مستوى العقائد والأفكار والمذاهب والاتِّجاهات والتَّيَّارات.
في عهد الحُكْم العثماني، الذي استبدَّ بالعرب قرونًا من الزمان، رأينا ولادةً للوعي (والشعور) القومي العربي؛ ولقد كان الهاشميون، في شبه الجزيرة العربية، بقيادة الشريف حسين بن علي، الذي قاد (بالتعاون والتفاهم والتنسيق مع “بريطانيا العظمى”) الثورة العربية (القومية) الكبرى، سنة 1916، الممثِّل الأبرز لهذا الوعي؛ لكن هذا الحراك القومي العربي الأقدم، والذي ضَمَّ منظمات وجمعيات وقيادات قومية عربية من خارج الهاشميين، في العراق وسوريا وفلسطين على وجه الخصوص، كان في محتواه خليطًا من القَبَليَّة والعشائرية والزَّعامة الدينية. وانتهى هذا الحراك إلى فَشَلٍ تاريخيٍّ، واستُبْدِلَت قيادات من نمط جديد بالقيادات القديمة؛ لعلَّ الموجة الثانية من الحراك القومي العربي تأتي للعرب في المشرق بالتحرُّر القومي من البريطانيين والفرنسيين، وبما يسمح بالتأسيس لدولة قومية عربية، و”تحرير فلسطين”؛ لكنَّ هذه الموجة لم تأتِ إلاَّ بما أقام الدليل على أنَّ هذه القيادات القومية الجديدة لم تكن أهلًا لإنجاز مهمات قومية بهذه الأهمية التاريخية؛ فتهيَّأت الظروف والأسباب لموجة ثالثة، كانت خليطًا من “القومية الناصرية”، و”القومية الحزبية البعثية”، والمنظمات والأحزاب والتَّيَّارات اليسارية بألوانها المختلفة؛ ولقد تأثَّر هذا الحراك القومي واليساري العربي الجديد، والذي لم تكن المطالب والشعارات الديمقراطية، ولا الاتِّجاهات الإسلامية، بجزء من تكوينه السياسي والفكري، بقيام وتوطُّد التحالف بين الاتحاد السوفياتي ومصر الناصرية، التي كانت مركز الثقل في هذا الحراك، وبإنجازات وانتصارات لـ”الحركة الشيوعية العالمية”، وبالمَثَل الثوري الفيتنامي على وجه الخصوص؛ وظلَّت “القومية الناصرية” مَصْدَر طاقة لشَحْن الشعور القومي العربي من المحيط إلى الخليج، فشرعت تتبلور الهوية القومية العربية، ويَضْمُر ما دونها من هوية وانتماء، حتى وقعت الواقعة (حرب حزيران 1967) فهُزِمت “القومية الناصرية” شَرَّ هزيمة، وساد الشعور بالإحباط القومي، وبدأت مرحلة الارتداد العربي إلى الهويات والانتماءات دون القومية؛ وسرعان ما اختلط وامتزج “إفلاس القومية الناصرية (والبعثية)” بـ”إفلاس اليسارية الشيوعية” بعد، وبسبب، انهيار وتفكُّك الاتحاد السوفياتي؛ فتهيَّأت الظروف والأسباب لصعود جماعات “الإسلام السياسي”، وفي مقدَّمها جماعة “الإخوان المسلمين”؛ فهذا “الفراغ القيادي (السياسي والفكري) الهائل”، والذي خلَّفه “إفلاس الحركة القومية واليسارية”، ما كان ممكنًا شَغْله إلاَّ بجماعات “الإسلام السياسي”.
وفي موازاة هذا المَدِّ الإسلامي (الشعبي والسياسي والفكري والثقافي) تَبَرْعَمَت في بعض الأوساط الشبابية الميول والأفكار الليبرالية والديمقراطية، واستبدَّت بتفكيرهم ومشاعرهم “الدولة المدنية الديمقراطية الحديثة”، وكانت، من ثمَّ، ثورات “الربيع العربي”، وانتقلت السلطة، في بعض دول “الربيع العربي” إلى جماعة “الإخوان المسلمين”؛ ثمَّ عَصَفَت الأزمات بهذه السلطة الجديدة، حتى بَان وتأكَّد إفلاسها، وسقطت في مصر، مركز الثقل في “الربيع العربي”؛ وبدا أنَّ “البيئة العربية” لم يَقَع اختيارها، أيضًا، على جماعات “الإسلام السياسي”؛ أمَّا الشباب الذي فجَّر هذا الحراك الشعبي الثوري الديمقراطي والليبرالي فشرع يسوده شعور بالإحباط؛ ولقد سُيِّرت رياح ثورات “الربيع العربي” في بعض البلاد العربية، عربيًّا وإقليميًّا ودوليًّا، بما وَلَّد “فراغًا قياديًّا جديدًا”، لا يستطيع شَغْله، هذه المرَّة، إلاَّ نمط قيادي هو الأسوأ في تاريخ العرب الحديث؛ فالقادة الآن خُلِقوا على مثال العصبيات الطائفية والمذهبية والقبلية والعشائرية والجهوية؛ فحراكهم هو بماهيته وخواصه الجوهرية يُمثِّل النَّفي التام لكل حراك عرفه العرب من قَبْل، أكان من طبيعة قومية أم من طبيعة ديمقراطية؛ وكأنَّها “الجاهلية” تعود، فتُغْلِق “الدائرة”، ليُعْلِن هذا الخليط القيادي من زعماء الطوائف والقبائل “نهاية التاريخ” عربيًّا!

إلى الأعلى