الإثنين 20 نوفمبر 2017 م - ٢ ربيع الثاني ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / المحليات / الضمير الإنساني المرشد والموجه

الضمير الإنساني المرشد والموجه

عزيزي القارئ .. شرفتني هذه الجريدة العصماء بالكتابة فيها من خلال زاوية أسبوعية أطرح فيها قضايا تلامس حياتنا اليومية، وعبر هذا التشريف أحاول أن أسلط الضوء على العديد من هذه القضايا، وفي هذه الزاوية نتحدث عن خاصية معينة في قلب الكائن البشري وهو الضمير الإنساني تعريفاً وواقعاً، وما يدور حولنا من أحداث وضحايا بسبب عدم يقظة الضمير المتمركز في جوف الكائن البشري الضعيف.
الضمير لفظة كثيراً ما تلوكها وتتناقلها الألسن دون أن تعني أو تقصد شيئاً عن مغزاها الحقيقي، أو تدرك شيئاً عنها بل دائماً ما ينصرف للذهن بأن الضمير فقط يعني معاتبة الإنسان نفسه عن ارتكاب الخطأ أو اقتراف الإثم سواء في حق نفسه أو في حق الآخرين، أو لتقصيره إزاء واجب معين من واجباته أو لتفويته فرصة سانحة أو حدث ما أو غير ذلك من الأمور التي أخذت مجرى مختلفاً عن المجرى الذي كان ينبغي أن تسير عليه.
وهذا هو المعنى الظاهر للضمير، أما من حيث المفهوم الحقيقي له فالضمير هو جوهر باطن الإنسان وسريرته وهو الدافع والمحرك النفسي لتقويم ذات الإنسان وتعديلها وهو القيمة الأخلاقية التي تتسم بالفضيلة والإرادة القوية من خلال محاسبة النفس والإنصاف منها وهو الملهم الذي يلقن النفس بأمور يحثها على فعلها إن كانت خيراً أو تركها إن كانت شراً، والإلهام بشحن الذهن بالأفكار البناءة وتفريغه من الأفكار الهدامة فهو الضمير المنبه الذي يقوم على إيقاظ المرء من الوقوع في ما لايحمد عقباه أو الانحراف عن جادة الحق والصواب وهو المبصّر الذي يقوم بتبصير المرء وتنوير طريقه ليستطيع رؤية الأشياء بصورتها الحقيقية الواضحة، وهو الواعظ الذي يدعو المرء إلى الصلاح وينهيه عن الفساد يحمله على التوبة إلى الله وإصلاح سيرته وتوضيح كيفية أداء سلوكه وتصرفه مع الناس، ولاضير بأن يعترف الانسان بخطأ، إمتثالاً لقول المولى عز وجل حكاية عن سيدنا يوسف ـ عليه السلام:(وما أبرئ نفسي إن النفس لأمّارة بالسوء إلا ما رحم ربي)، وقول نبينا الكريم ـ عليه الصلاة والسلام:(.. وخير الخطائين التوابون) وحقيقة الأمر أن النفس البشرية بطبيعتها الفطرية تجعل صاحبها دائماً في منصة الصواب دون أن تتقبل النقد أو الاعتراف بالخطأ، ونتذكر هنا قول سيدنا عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ حين قال:(رحم الله إمرءأهدى إليّ عيوبي).
والضمير اليقظ هو الذي يقوم بتأنيب وتعنيف ولوم المرء على الخطأ والتقصير، قاصداً من ذلك تأديبه وتقويم سلوكه والاستفادة من أخطائه وتجاربه والعمل على تفاديها وعدم الوقوع بها في المستقبل، ويذكره باستعمال عقله في التفكير بالأمور عند الحاجة، كما أنه المرشد والموجه الذي يرشد ويوجه نحو الوجهة السليمة، ويحذره من الوقوع في الخطأ مستقبلاً مع حثه لاغتنام الفرص السانحة وحسن استغلالها على الوجه الذي يليق بها، والمعاتب الذي يعاتب ويلوم المرء بإنكار أفعاله التي يستنكرها عليه وإتيانه ما ليس بجائز أو ما لا يلائم لحال من الأحوال، وهناك المحاذير التي يحذر المرء من الوقوع في الإثم أو التعرض للأخطاء التي تنجم عن سوء التصرف الذي يجعله في حالة من التأهب والاستعداد والحذر المتيقظ الشديد لمواجهة وإزالة أي خطر يهدد إنسانيته، ناهيك عن محاسبة النفس وتعليمها وتقويمها والانتصار عليها وذلك بضبط نوازعها وإبعادها وإرشادها إلى الخير والعمل الصالح، فهو لا يقتصر إلى جانب معين في حياة الإنسان بل يشتمل على مختلف الجوانب ويتناول شتى النواحي الإدارية والعقلية، والضميراليقظ هو الوسيلة التي تمكن الإنسان من تصحيح مسار حياته وتعديل وجهة سلوكه وعواطفه من حدود العقل الباطني وحيز انفعالاته واستجاباته من الوجهة السليمة نحو ميدان العمل المثمر البناء متغلباً في ذلك على ويطرد عنها هواجس السوء ووساوس الشر ويعصمها من الوقوع في المأزق وينقذها من السقوط في آبار المهالك وذلك بخلق المعاني الإنسانية السامية الجميلة لها والقيم الخيرة النبيلة والمبادئ المثلى التي تسمو بها إلى أفق تحلق فيه بأفكارها ومشاعرها، وغالباً ماتكون هذه الوساوس من الانصات الى أصحاب القلوب المريضه التي تصطاد الاخطاء أو ربما تكون فرصة لتسوية الحسابات التي تحدث من جراء بعض الاختلاف في وجات النظر مع الآخرين.
من خلال الاطروحات السابقة حرياً بنا أن نراجع حساباتنا وندرك جلياً بأن العلاج السليم في تصحيح الخطأ بالعدول عنه والرجوع الى منصة الحق، وكما يقال الاعتراف بالذنب فضيلة، ناهيك عن أن الانسان في هذه الحياة ضيف قد يرحل عنها في أي لحظة، فالسعيد من كانت خاتمته نقية وخالصة لوجه الله.

أحمد بن موسى الخروصي
abuyahia@hotmail.co.uk

إلى الأعلى