السبت 18 نوفمبر 2017 م - ٢٩ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / تفكيك أم ضبط “الدولة القومية”

تفكيك أم ضبط “الدولة القومية”

د.احمد مصطفى

”ربما لا تجد علاقة مباشرة واضحة بين ما يشهده العالم في العقود الأخيرة ومحاولات الأكراد أو الكتالونيين أو غيرهم الانفصال عن دول قومية Nation State شكلوا جزءا منها لفترات طويلة تاريخيا ويتمتعون ضمنها بشكل من أشكال الحكم الذاتي. لكن فترات الميوعة التاريخية في العلاقات الدولية تدفع المجتمعات والطوائف إلى تعزيز تطلعاتها. ”

بعد استفتاء اقليم كردستان العراق على الاستقلال والانفصال كليا عن العراق، شهدت اسبانيا تجربة مماثلة باستفتاء اقليم كتالونيا على الاستقلال والانفصال عن اسبانيا وكذلك يشهد اقليمان شمال ايطاليا استفتاء انفصال. وقبل ذلك شهدت اسكتلندا استفتاء انفصال عن بريطانيا، وربما يتكرر مجددا في ظل خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. كما انفصل جنوب السودان بالفعل عن البلد الأم، وأصبح دولة مستقلة. بينما يسعى جنوب اليمن للانفصال ما ان تضع الحرب في البلاد أوزارها ليلغي توحيد شطري البلاد منتصف تسعينيات القرن الماضي. ولا يعرف بعد أين يمكن أن يجرى استفتاء آخر لانفصال اقليم عن بلد في هذه القارة أو تلك. وتتداخل عوامل كثيرة في التشجيع على الانفصال، منها القومية ومنها الاقتصادية ومنها الاثنين معا مضاعفة بعوامل صراع تاريخية.
الملاحظة الرئيسية على كل تلك الحركات الانفصالية أنها تحدث في دول وبلدان غير تلك الحديثة التي تشكلت منذ عدة قرون قليلة مثل الولايات المتحدة وكندا واستراليا ونيوزيلندا. والأغلب الأعم منها في بلدان لم ترسم خرائطها الحرب العالمية الأولى أو الثانية في النصف الأول من القرن الماضي. مع ذلك لا يمكن استبعاد كون الحربين العالميتين أثرتا ـ ولو بالتفريغ السلبي ـ في نمو تلك النزعات الانفصالية، والقصد أن ما اتفق عليه عالميا بعد الحرب الثانية بدأ يضمحل بنهاية ثمانينيات القرن الماضي. صحيح أن هناك عوامل آنية نشطت في العقد الثاني من القرن الحالي دفعت نحو الاستفتاءات الانفصالية، إلا أنها لم تولد فجأة والأرجح أنها بدأت تتشكل في العقود الثلاثة الأخيرة. ولعل ذلك يسهم في فهم السياق الأوسع لتلك الحركات، وما قد يبرز مجددا في وقت قريب، ضمن ما اصطلح على تسميته “نظام عالمي جديد” أخذ في التشكل منذ نهاية الحرب الباردة والعالم ثنائي القطبية ولم يصل بعد إلى تحديد ملامحه بشكل حاسم.
ربما لا تجد علاقة مباشرة واضحة بين ما يشهده العالم في العقود الأخيرة ومحاولات الأكراد أو الكتالونيين أو غيرهم الانفصال عن دول قومية Nation State شكلوا جزءا منها لفترات طويلة تاريخيا ويتمتعون ضمنها بشكل من أشكال الحكم الذاتي. لكن فترات الميوعة التاريخية في العلاقات الدولية تدفع المجتمعات والطوائف إلى تعزيز تطلعاتها. وإذا كان هؤلاء الانفصاليون حصلوا على شكل من أشكال الإدارة الذاتية ضمن دولهم، فتلك الفترات هي فرصة للحصول على ما هو أكثر. وهذا تطور طبيعي لدى جماعات الناس تعضده أحيانا ظروف مناسبة وعوامل مساعدة تتعلق بهم وبمحيطهم وبالعالم الأوسع طبعا. ولسنا بحاجة لسرد محاولات كل من تلك الجماعات البشرية، سواء شكلة عرقا أو قومية أو في الحد الأدنى تراثا تاريخيا مشتركا يختلف عن محيطه، للاستقلال بشؤونها بدرجة أو بأخرى منذ عقود طويلة. إنما ما يهمنا هنا هو تأثير ذلك التوجه الانفصالي على شكل الدولة الذي ترسخ منذ القرن السابع عشر حتى الآن ـ أي الدولة الوطنية أو الدولة القومية (سمها ما شئت كترجمة للمصطلح نيشنستيت).
ورغم أن أغلب تلك الكيانات التي تسعى للانفصال إنما تريد بناء دولتها القومية/الوطنية على ذات النمط السائد حاليا، إلا أن تكرار حالات الانفصال (بأشكاله المختلفة من حكم ذاتي أو وضع خاص لإقليم أو تقاسم فيدرالي أو كونفدرالي للسلطة المركزية للدولة) يجعل نموذج الدولة محل تساؤل. ولا شك أن ذلك سيؤثر على المدى الطويل، ليس فقط في شكل الدولة بل ربما ايضا في شكل ما يتم الحديث عنه من “نظام عالمي جديد” يتشكل. ربما يكون من التطير الآن الحديث عن دول كردية وباسكية واسكتلندية وويلزية … الخ تلعب دورا مهما في تشكيل النظام العالمي الجديد، لكن أغلب التطورات الكبرى في مسار البشرية بدأت هكذا. ومن المهم هنا الإشارة إلى أن الأمر لا يتعلق فقط بالدراسات الأكاديمية للعلوم السياسية، في مسألة شكل الدولة وتطوره، وإنما له علاقة مباشرة بتفاصيل حياة الناس في تلك الدولة ودول العالم الأخرى.
لا يوجد نمط مثالي فيما يخص البشر وسلوكياتهم، فتلك عملية تغير وتطور مستمرة، لكن ذلك لا يمنع من بعض القواعد والأسس التي يصيغها علماء الاجتماع وغيرهم من دارسي نشاطات البشر والمجتمعات المختلفة. وإن بقيت أسس الحكم وإدارة شؤون الجماعة متفقا عليها، لكن الأشكال المؤسسية والتنظيمية تتباين وتختلف وتتطور وتتغير. وللتبسيط، ليس بالضرورة أن تكون “الدولة الاسكتلندية” ـ في حال انفصال اسكتلندا عن المملكة المتحدة ـ مثل الدولة البريطانية التي انفصلت عنها. وليس القصد هنا أن تكون جمهورية بدلا من الملكية البريطانية، وإنما حتى في شكل المؤسسات وطريقة عملها. وربما يؤدي ذلك في النهاية إلى إعادة صياغة كاملة لأسس الدولة، من دستور وقوانين وغير ذلك. ويبقى السؤال الأكبر الذي تحتاج الإجابة عليه لدراسات متخصصين وخبراء ـ وليس مقالات سيارة لأمثالي ـ هو هل استمرار تلك النزعات الانفصالية وتكرارها يعني نهاية الدولة القومية بشكلها المعروف، أم أنه مجرد تفكيك لها من أجل الضبط في إطار عملية تطور تناسب ما يمكن أن تكون البشرية مقبلة عليه من “نظام عالمي جديد”؟!.

إلى الأعلى