الجمعة 24 نوفمبر 2017 م - ٥ ربيع الثاني ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / خطبة الجمعة: الالتزام بأنظمة المجتمع وقيمه
خطبة الجمعة: الالتزام بأنظمة المجتمع وقيمه

خطبة الجمعة: الالتزام بأنظمة المجتمع وقيمه

الحَمْدُ للهِ مُجْرِي الأَفْلاكِ بِنِظَامِهَا، وَمُدَبِّرِ العَوَالِمِ بِتَمَامِهَا، يُسيِّرُ مَنْ فِي البَرَارِي وَالبِحَارِ، وَيُكَوِّرُ اللَّيْـلَ وَالنَّهَارَ، وَنَشْهَدُ أَن لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، خَلَقَ الكَوْنَ وَكَوَّنَهُ، وَبِسُنَنِهِ وَقَوَانِينِهِ مَكَّنَهُ، وَنَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، بَنَى أُمَّةً رُوحُهَا الإِسْلامُ وَالسَّلامُ، وَأَسَاسُهَا العَدْلُ وَالنِّظَامُ،(صلى الله عليه وسلم) وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَتَابِعِيهِمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعْدُ، فَأُوصِيكُمْ وَنَفْسِي عِبَادَ اللهِ بِتَقْوَاهُ، وَالعَمَلِ بِمَا فِيهِ رِضَاهُ، فَاتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسلِمُونَ، (وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّـهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُم بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاتَّقُوا اللَّـهَ إِنَّ اللَّـهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ) (المائدة ـ 7)، وَاعلَمُوا – رَحِمَكُمُ اللهُ – أَنَّ اللهَ خَلَقَ هَذَا الكَوْنَ بِنِظَامٍ بَدِيعٍ مُتْقَنٍ، فَهُوَ يَسِيرُ وَفْقَ سُنَنٍ دَقِيقَةٍ مُنَظَّمَةٍ مِنْ ذَرَّاتِهِ إِلَى مَجَرَّاتِهِ، لا يَنْفَكُّ مِنْهَا، وَلا يُسْـتَغْنَى عَنْهَا، يَقُولُ سُبْحَانَهُ:(إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ) (القمر ـ 49)، وَيَقُولُ عَزَّ وَجَلَّ:(وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّىٰ عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ، لَا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ( (يس 39 ـ 40)، وَقَدْ أَلْهَمَ اللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مَخْـلُوقَاتِهِ عَلَى هَذِهِ الأَرْضِ، قَوَانِينَ تُنَظِّمُ شُؤُونَهَا، وَتَسيرُ بِهَا دَوْرَةُ حَيَاتِهَا، فَالبَشَرُ ـ يَا عِبَادَ اللهِ ـ لا بُدَّ لَهُمْ مِنْ نِظَامٍ يَحْـكُمُهُمْ، وَقَوَانِينَ تُسَيِّرُهُمْ، حَتَّى يَنْتَظِمُوا فِيمَا بَيْـنَهُمْ، فَجَعَلَ اللهُ لَهُمْ حُدُودًا شَرْعِيَّةً تُنَظِّمُ عَلاقَةَ الإِنْسَانِ بِرَبِّهِ، وَعَلاقَتَهُ مَعَ مُحِيطِهِ، أُسَرِيًّا وَاجتِمَاعِيًّا وَمَالِيًّا، وَمَنَعَهُمْ سُبْحَانَهُ مِنْ أَنْ يَعْـتَدُوا عَلَى تِلْكَ الحُدُودِ أَوْ يَتَجَاوَزُوهَا، يَقُولُ سُبْحَانَهُ:(الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَن يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّـهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّـهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّـهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّـهِ فَأُولَـٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (البقرة ـ 229)، وَيَقُولُ:(يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّـهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّـهِ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّـهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّـهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَٰلِكَ أَمْرًا) (الطلاق ـ 1)، بَلْ إِنَّ العِبَادَاتِ الَّتِي فَرَضَهَا اللهُ تَعَالَى عَلَى الإِنْسَانِ تَقُومُ عَلَى نِظَامٍ مُحَدَّدٍ لا بُدَّ مِنَ اتِّبَاعِهِ، غَيْرَ أَنَّ هُنَاكَ أُمُورًا مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِحَيَاةِ البَشَرِ وَمَعَاشِهِمْ لَمْ يَتَكَلَّمْ عَنْهَا الشَّرْعُ بِتَفَاصِيلِهَا، إِنَّمَا جُعِلَ تَنْظِيمُهَا إِلَيْهِمْ، ضِمْنَ إِطَارِ الدِّينِ وَحُدُودِهِ لِمَا يَخْتَلِفُ مِنْ أَحْوَالِهَا وَالحَاجَةِ إِلَيْهَا بِاختِلافِ الزَّمَانِ وَالمَكَانِ وَالظُّرُوفِ وَالمَصَالِحِ، وَلِهَذَا كَانَ البَشَرُ بِاستِمْرَارٍ بِحَاجَةٍ إِلَى سَنِّ أَنْظِمَةٍ تَحْـكُمُهُمْ، وَوَضْعِ قَوَانِينَ تُسَيِّرُهُمْ.
أَيُّهَا المُسلِمُونَ:
إِنَّ أُمَّةَ الإِسْلامِ أُمَّـةٌ بَنَتْ مَجْدَهَا بِالرُّقِيِّ وَالنِّظَامِ، فَالمُجتَمَعَاتُ الَّتِي تَسُودُهَا الفَوْضَى لا يُمْـكِنُ أَنْ تُؤَسِّسَ حَضَارَةً أَوْ تَبْـنِيَ أَمَّةً أَوْ تَصْـنَعَ مَجْدًا أو تُحَقِّقَ إِنْجَازًا، فَمُنْذُ أَنْ وَضَعَ رَسُولُ اللهِ (صلى الله عليه وسلم) حَجَرَ الأَسَاسِ لِلدَّولَةِ فِي المَدِينَةِ، وَضَعَ لَهَا مِيثَاقًا تَسِيرُ عَلَيْهِ، وَوَزَّعَ فِيهَا المَهَامَّ، وَسَرَى النِّظَامُ فِي كُلِّ جَوَانِبِهَا، وَهَكَذَا سَارَ الخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ يَضَعُونَ لِلدَّولَةِ مَا تَحْـتَاجُ إِلَيْهِ مِنْ قَوَانِينَ وَأَنْظِمَةٍ، وَسَارَ المُسلِمُونَ الصَّادِقُونَ خَلْفَهُمْ يَمْـتَثِلُونَ القَانُونَ وَيَحْـتَرِمُونَ الأَنْظِمَةَ، لا خَوْفًا مِنَ العُقُوبَةِ، وَلا حِرْصًا عَلَى مَصْـلَحَةٍ شَخْصِيَّةٍ، وَإِنَّمَا لِعِلْمِهِمْ أَنَّ الانْضِبَاطَ وَفْقَ قَوَانِينِ الدَّوْلَةِ مَطْلَبٌ شَرْعِيٌّ لا بُدَّ مِنَ اتِّبَاعِهِ مَا لَمْ تَكُنْ فِيهَا مُخَالَفَةٌ لِلشَّرْعِ أَوْ تَمْنَعُ الضَّرُورَةُ مِنْ تَطْبِيقِهَا، وَتَعْـلَمُونَ قِصَّةَ ابْنةِ بَائِعَةِ اللَّبَنِ فِي زَمَنِ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ حَيْثُ اعْـتَادَ بَعْضُ البَّائِعِينَ خَلْطَ اللَّبَنِ بِالْمَاءِ، فَنَهَى عُمَرُ عَنْ ذَلِكَ عِنْدَمَا اشْتَكَى بَعْضُ المُسْلِمِينَ مِنْهُ، فَبَيْنَمَا عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ يَطُوفُ لَيْلا بِالمَدِينَةِ إِذْ سَمِعَ امْرَأَةً تَقُولُ لابْنَتِهَا: “قُومِي إِلَى اللَّبَنِ فَاخْلِطِيهِ بِالمَاءِ، فَقَالَتْ: يَا أُمَّتَاهُ وَمَا عَلِمْتِ مَا كَانَ مِنْ أَمْرِ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ اليَوْمَ؟ قَالَتْ: وَمَا كَانَ مِنْ أَمْرِهِ؟ قَالَتْ: إِنَّهُ أَمَرَ مُنَادِيًا فَنَادَى: لا يُشَابُ اللَّبَنُ بِالمَاءِ، فَقَالَتْ لَهَا: فَإِنَّكِ فِي مَوْضِعٍ لا يَرَاكِ عُمَرُ وَلا مُنَادِي عُمَرَ، فَقَالَتِ الصَّبِيَّةُ: وَاللهِ مَا كُنْتُ لِأُطِيعَهُ فِي المَلأِ وَأَعْصِيَهُ فِي الخَلاءِ”، هَذَا هُوَ حَالُ المُسْـلِمِ الحَقِّ ـ أَيُّهَا الأَحِبَّةُ ـ مَعَ الأَنْظِمَةِ وَالقَوَانِينِ، الَّتِي لَمْ تُسَنَّ إِلا لِلحِفَاظِ عَلَى مَصَالِحِ النَّاسِ وَمَنَافِعِهِمْ.
إِخْوَةَ الإِيمَانِ:
إِنَّ بَعْضَ النَّاسِ يَظُنُّونَ أَنَّ القَانُونَ سَيْفًا مُصْلَتًا عَلَى رِقَابِهِمْ، أَوْ قَيْدًا يَغُلُّ حُرِّيَتَهُمْ؛ لِذَا فَهُمْ يُحَاوِلُونَ التَّمَلُّصَ مِنْ قَبْضَتِهِ وَالخُرُوجَ مِنْ سُلْطَتِهِ مَتَى مَا استَطَاعُوا إِلَى ذَلِكَ سَبِيلاً، فَمِنْهُمْ مَثَلاً مَنْ يَرتَكِبُ المُخَالَفَاتِ المُرُورِيَّةَ إِذَا أَمِنَ العُقُوبَةَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُحَاوِلُ التَّهَرُّبَ مِنْ تَطْبِيقِ قَوَانِينِ العَمَلِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُخِلُّ بِقَانُونِ الإِقَامَةِ أَوْ قَانُونِ الجَمَارِكِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَتَحَايَلُ عَلَى قَوَانِينِ الإِسْـكَانِ، وَهَذِهِ التَّصَرُّفَاتُ وَأَمْـثَالُهَا ـ عِبَادَ اللهِ ـ تَكْشِفُ عَنْ خَلَلٍ فِي النَّفْسِيَّةِ وَالوَعْيِ، فَلَنْ يُقْدِمَ عَلَى أَمْـثَالِهَا مُحِبٌّ لِوَطَنِهِ، أَوْ مُدْرِكٌ بِعَاقِبَةِ صُنْعِهِ عَلَى مَصْـلَحَةِ الوَطَنِ وَتَقَدُّمِهِ. إِنَّ الأَنَانِيَّةَ وَالجَهْـلَ بِتَعَالِيمِ الدِّينِ، وَغِيَابَ مَبْدَأِ الثَّوَابِ وَالعِقَابِ، كُلُّهَا مِنَ الأَسْبَابِ الكَامِنَةِ خَلْفَ مُخَالَفَةِ القَوَانِينِ وَالأَنْظِمَةِ وَعَدَمِ الالتِزَامِ بِهَا، وَالضَّرَرُ مُتَحَقِّقٌ ـ لا شَكَّ ـ فِي مُخَالَفَةِ القَانُونِ وَإِنْ خَفِيَ أَحْـيَانًا عَنِ البَعْضِ، وَالمُصْطَفَى (صلى الله عليه وسلم) يَقُولُ:(لا ضَرَرَ وَلا ضِرَارَ)، وَيَكُونُ الضَّرَرُ أَبْـلَغَ إِنْ أَدَّى إِلَى ضَيَاعِ حُقُوقِ النَّاسِ أَوْ تَهْدِيدِ حَيَاتِهِمْ، فَمُخَالَفَةُ قَوَانِينِ الإِسْـكَانِ مَثَلاً تُؤَدِّي إِلَى ضَيَاعِ مُمْـتَلَكَاتِ وَأَمْوَالِ النَّاسِ، وَعَدَمُ مُرَاعَاةِ قَوَانِينِ المُرُورِ يُؤَدِّي إِلَى الحَوَادِثِ المُرَوِّعَةِ الَّتِي تُزْهِقُ النُّفُوسَ، وَتُتْلِفُ الأَمْوَالَ، وَمُخَالَفَةُ أَنْظِمَةِ الصِّحَّةِ تُسَبِّبُ انتِشَارَ الأَمْرَاضِ، وَتَهْدِيدَ حَيَاةِ النَّاسِ، وَهَكَذَا الحَالُ فِي سَائِرِ المُخَالَفَاتِ الَّتِي يَنْعَكِسُ أَثَرُهَا السَّيِّئُ عَلَى حُقُوقِ الأَفْرَادِ وَرَاحَتِهِمْ، وَعَلَى استِقْرَارِ المُجْـتَمَعِ وَأَمْـنِهِ.
فَاتَّقِ اللهَ أَخِي المُسْلِمَ، وَاحْرِصْ عَلَى تَقَدُّمِ هَذَا الوَطَنِ وَحِفْظِ أَمْنِهِ، وَأَعِنْ عَلَى تَحْسِينِ مَا يُنَظِّمُ حَيَاةَ أَفْرَادِهِ، وَيُحَقِّقُ مَصْلَحَتَهُمْ مُتَّخِذًا الطُّرُقَ المَشْرُوعَةَ لِتَحْـقِيقِ ذَلِكَ؛ فَالمُؤمِنُونَ دَائِمًا يَتَنَاصَحُونَ فِيمَا بَيْنَهُمْ وَيَسْعَونَ مَعًا إِلى مَا فِيهِ صَلاحُهُمْ وَرُقِيُّهُمْ وَفَلاحُهُمْ، كَمَا وَصَفَهُمْ رَبُّهُمْ ـ جَلَّ وَعَلا ـ بِقَولِهِ:(وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّـهَ وَرَسُولَهُ أُولَـٰئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّـهُ إِنَّ اللَّـهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (التوبة ـ 71).
أقُولُ قَوْلي هَذَا وَأسْتغْفِرُ اللهَ العَظِيمَ لي وَلَكُمْ، فَاسْتغْفِرُوهُ يَغْفِرْ لَكُمْ إِنهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ، وَادْعُوهُ يَسْتجِبْ لَكُمْ إِنهُ هُوَ البَرُّ الكَرِيْمُ.
الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، جَعَلَ الأَخْلاقَ الكَرِيمَةَ مِنْ صَمِيمِ الدِّينِ، وَبَيَّنَ مَكَانَتَهَا لِلمُهْتَدِينَ، وَنَشْهَدُ أنْ لا إِلَهَ إِلا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَلِيُّ الصَّالِحِينَ، وَنَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، دَعَا إِلَى القِيَمِ السَّامِيَةِ، وَالمُثُلِ العَالِيَةِ، (صلى الله عليه وسلم) وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ، وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعْدُ: فَاعْـلَمُوا ـ أَيُّهَا المُؤمِنُونَ ـ أَنَّ مُجْـتَمَعَنَا يَحْوِي آدَابًا عَامَّةً وقِيَمًا سَامِيَةً، لَمْ تَنُصَّ عَلَيْهَا القَوَانِينُ، إِنَّمَا تَسْـتَمِدُّ رُوحَهَا مِنْ دِينِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَتَعَارَفَ النَّاسُ عَلَى الأَخْذِ بِهَا، وَالتَّمَسُّكِ بِتَطْبِيقِهَا، وَالعِنَايَةِ بِتَفَاصِيلِهَا، لأنَّ أَصْـلَهَا مَوْجُودٌ فِي الدِّينِ، وَهِيَ مُنْضَوِيَةٌ تَحْتَ تَعَالِيمِهِ العَامَّةِ، كَصِلَةِ الأَقَارَبِ، وَإِكْرَامِ الضَّيْفِ، وَمُسَاعَدَةِ المُحْـتَاجِ، وَالأَمَانَةِ وَالصِّدْقِ وَالعِفَّةِ، وَالحِشْمَةِ فِي اللِّبَاسِ، وَالحَيَاءِ، وَعَدَمِ التَّبَذُّلِ، وَالغَيرَةِ عَلَى المَحَارِمِ. هَذِهِ القَوَاعِدُ العَامَّةُ وَأَمْثَالُهَا تَعَارَفَ النَّاسُ عَلَى التَّمَسُّكِ بِهَا ضِمْنَ تَفَاصِيلَ مُعَيَّنَةٍ، تَتَجَلَّى فِي أَعْرَافِهِمْ وَقِيَمِهِمْ وَتَقَالِيدِهِمْ، وَتَكُونُ مَاثِلَةً فِي عَلاقَاتِهِمْ، وَصِلاتِهِمْ، وَمَجَالِسِهِمْ، وَمُنَاسَبَاتِهِمْ، وَمُعَامَلاتِهِمْ، فَهِيَ مِنْ مَكَارِمِ الأَخْلاقِ الَّتِي جَاءَ الرَّسُولُ الكَرِيمُ لِيُتَمِّمَهَا، حَيْثُ يَقُولُ (صلى الله عليه وسلم):(إِنَّمَا بُعِثْتُ لأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الأَخْلاقِ)، وَهِيَ مِنْ حُسْنِ الخُلُقِ الَّذِي يَقُولُ المُصْطَفَى فِيهِ:(ذَهَبَ حُسْنُ الخُلُقِ بِخَيْرَيِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ).
فَاتَّقُوا اللهَ ـ عِبَادَ اللهِ ـ وَحَافِظُوا عَلَى قِيَمِكُمُ الكَرِيمَةِ، وَأَعْرَافِكُمُ السَّامِيَةِ، الَّتِي تُجَلِّي شَخْصِيَّتَكُمْ، وَتُبَيِّنُ ثَقَافَتَكُمْ، وَتُؤَكِّدُ رُجُوعَكُمْ إِلى هَذَا الدِّينِ العَظِيمِ، دِينِ الأَخْلاقِ وَالقِيَمِ، وَانْتِمَاءَكُمْ إِلى هَذَا البَلَدِ الكَرِيمِ، بَلَدِ الأَمْجَادِ وَالشِّيَمِ.
هَذَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى إِمَامِ المُرْسَلِينَ، وَقَائِدِ الغُرِّ المُحَجَّلِينَ، فَقَدْ أَمَرَكُمُ اللهُ تَعَالَى بِالصَّلاةِ وَالسَّلامِ عَلَيْهِ فِي مُحْكَمِ كِتَابِهِ حَيْثُ قَالَ عَزَّ قَائِلاً عَلِيمًا:(إِنَّ اللَّـهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) (الاحزاب ـ 56).
اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ وسَلَّمْتَ عَلَى سَيِّدِنا إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنا إِبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى سَيِّدِنَا إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنا إِبْرَاهِيمَ، فِي العَالَمِينَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عَنْ خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ، وَعَنْ أَزْوَاجِهِ أُمَّهَاتِ المُؤْمِنِينَ، وَعَنْ سَائِرِ الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ، وَعَنْ المُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَعَنَّا مَعَهُمْ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.
اللَّهُمَّ اجْعَلْ جَمْعَنَا هَذَا جَمْعًا مَرْحُومًا، وَاجْعَلْ تَفَرُّقَنَا مِنْ بَعْدِهِ تَفَرُّقًا مَعْصُومًا، وَلا تَدَعْ فِينَا وَلا مَعَنَا شَقِيًّا وَلا مَحْرُومًا.
اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلامَ وَالمُسْلِمِينَ، وَوَحِّدِ اللَّهُمَّ صُفُوفَهُمْ، وَأَجْمِعْ كَلِمَتَهُمْ عَلَى الحَقِّ، وَاكْسِرْ شَوْكَةَ الظَّالِمِينَ، وَاكْتُبِ السَّلاَمَ وَالأَمْنَ لِعِبادِكَ أَجْمَعِينَ.
اللَّهُمَّ يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ يَا ذَا الجَلالِ وَالإِكْرَامِ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ بِكَ نَستَجِيرُ، وَبِرَحْمَتِكَ نَسْتَغِيثُ أَلاَّ تَكِلَنَا إِلَى أَنْفُسِنَا طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ، وَأَصْلِحْ لَنَا شَأْنَنَا كُلَّهُ يَا مُصْلِحَ شَأْنِ الصَّالِحِينَ.
اللَّهُمَّ رَبَّنَا احْفَظْ أَوْطَانَنَا وَأَعِزَّ سُلْطَانَنَا وَأَيِّدْهُ بِالحَقِّ وَأَيِّدْ بِهِ الحَقَّ يَا رَبَّ العَالَمِينَ، اللَّهُمَّ أَسْبِغْ عَلَيْهِ نِعْمَتَكَ، وَأَيِّدْهُ بِنُورِ حِكْمَتِكَ، وَسَدِّدْهُ بِتَوْفِيقِكَ، وَاحْفَظْهُ بِعَيْنِ رِعَايَتِكَ.
اللَّهُمَّ أَنْزِلْ عَلَيْنَا مِنْ بَرَكَاتِ السَّمَاءِ وَأَخْرِجْ لَنَا مِنْ خَيْرَاتِ الأَرْضِ، وَبَارِكْ لَنَا فِي ثِمَارِنَا وَزُرُوعِنَا وكُلِّ أَرْزَاقِنَا يَا ذَا الجَلالِ وَالإِكْرَامِ. رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلمُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ، المُسْلِمِينَ وَالمُسْلِمَاتِ، الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالأَمْوَاتِ، إِنَّكَ سَمِيعٌ قَرِيبٌ مُجِيبُ الدُّعَاءِ.
عِبَادَ اللهِ:(إِنَّ اللَّـهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) (النحل ـ 90).

إلى الأعلى