الإثنين 20 نوفمبر 2017 م - ٢ ربيع الثاني ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / شـذرات مـن هـدي القـرآن: مفـاتيح النـصر (2)

شـذرات مـن هـدي القـرآن: مفـاتيح النـصر (2)

ناصر بن محمد الزيدي:
الحـمد لله رب العـالـمين والصـلاة والسلام عـلي سـيـد الـمـرسـلين وخاتم الأنبياء والـمـرسـلـين وعـلى آلـه وصـحـبه أجـمعـين وعـلى التابعـين لهـم بإحـسان إلى يـوم الــدين وبـعـد:
فـلا زال الحـديث مـوصولاً عـن مـفـاتيح النـصر: وانتهى الـرجـلان إلى المسكـر دون أن يحـدث أحــدهـما الآخـر بـكلـمة، ووصـلا إلى مـقـر الـقـائـد الـفارسي رسـتـم وكان سـرداقاً ضخـماً قـد أقـيـم في قـلـب الـمعـسكـر الـفـارسي يـرتفـع فـوق عـشرات الأعـمـدة الـمـزيـنـة بـلـفـائـف الـديـباح الـرقـيـق أي:(الحـريـر)، وفـرشـت أرضه بـبساط فاخـر عـظـيـم، وشـيـت نـقـوشـه الـرائعـة بخـيـوط مـن الـذهـب والـفـضة، ثـم طـرز ذلك كله بـصـور مختـلـفة، مـن كـرائم الـمجـوهـرات النفـيسة، يحسب النـاظـر إلـيه أنه أمام روضة فـينا نة تـزدهي بمخـتلـف أشـكال الـورود والـزهـور، لا أمـام بـساط مـنقـوش فـرشـت به الأرض.
وينتهي طـول هـذا الـبساط إلى صـدر الـسرادق، يـمـلـوه عـرش مـرتـفـع ضخـم، يـتـربـع فـوقـه قـائـد الجـيـوش الـفـارسـية:(رسـتـم)، وقـد قـام مـن ورائـه وإلى جـانبيـه حـرسـه والخاصة مـن قـادته ومسـتشـاريه، وامـتـدت عـن يـمـينه ويـساره صـفـوف مـتـراصة مـن الـدهـماء والجـنـود إلى باب الـسـرادق، وقـد وقـف الجـمـيع وقـوف الخـدم لحـراسة سـيـدهـم.
وما إن أبـصـر ربـعـي بن عـامـر ذلك كـله، حـتى أدرك إدراك الـمـؤمـن الحـقـيـقي أنه إنـمـا دعي إلى مقـابـلة مـع هــذه الـزيـنة والـرياش، لا إلى لـقـاء مـع قائـد الـفـرس رسـتم، وإن الـقـائـد الـفـارسي لـن يـترجـم لـه إلا كـلام يـدل عـلى تأثـر رسـول قـائـد جيش المسـلمين عـن هـذه الـمـظـاهـر، ولـن يستـلهـم حـديثه مـعـه إلا مـن وحي بـريـقـهـا، فـرأى أن لا بـد مـن الاجـابة عـن حـديث هـذه الـزخـارف قـبـل كل شئ.
ولـقـد كان مـن الـمحـتـمـل أن يـكـون جـواب الجـنـدي الـمسـلـم عـلى حـديث هــذه الـمـظاهـر الأخـاذة، مـن نـوع الجـواب الـذي يتـقـدم به كـثـير مـن الشـباب العـرب الـيـوم إلى حـديث الحـضارة الغـربـية وبـهـرجـتها وخـرفـها.
مخـدوعـون بما يـرونـه مـن تـقـدم مادي، خـال مـن أسـس ومـقـومات الحـضـارة، ذلك حـينـما لا ينـفـكـون عـن تـقـديـسهـا، ولا يسـتـطـيعـون انـفـلاتاً عـن تـقـلـيـدها، إن الـذين يـفـتـتـنـون بمـظـاهـر الحـضـارة الغـربية، هـم الإمـعـة مـن فـتـنـوا به سـاروا في ركـابه مـعـه، فـيخـوضـون في الـمعـمـعة، وإذا كان للتاريخ العـربي والإسـلامي شـأن آخـر، وإذن: لـتـصـاغـر ربـعـي بن عـامـر في نـفـسه، ووقـف مـتأدبا يـؤدي للـقـائـد الـفارسي مـراسـيم الحـرمة والـولاء والتـقـديـر، ثـم عـاد أدراجـه إلى قـومـه وهـولا يتـكـلـم إلا عـن إعـجـابه بتلـك الـمـظاهـر الـزخـرفـية.
إن حـضارة الإسـلام لا تسـتطـيع أن تسـايـر أو تقـف في وجـه الـتيار الـفارسي الــداهـم الــذي يتهـادى وسـط عـبـاب مـن مـاء الـذهـب والجـواهـر والاسـتبرق، إذن: لـما كـنا نجـد الـيـوم في سـجـل الـبطـولات الإسـلامية أسـما لـواقـعـة بـدر الكـبرى التي زلـز لـزلت قـواعـد الكـفـر، وأظـهـرت الـمخـفي مما كانـت قـريـش تـكـنه مـن الحـقـد الـدفـين، ولا يـذكـر السـجـل التـاريخـي تلـك الـمـواقـف التي سـجـلها لـعـرب الصحـراء.
إن الحـضارة الإسـلامية قـامـت عـلى تـقـوى مـن الله ورضـوان، والتي أسس قـواعـدهـا رسـول الله (صلى الله عـليه وسـلم) عـنـد قـدومـه مـن مكـة الـمكـرمة إلى الـمـدينة الـمـنـورة، فأين شـباب الـمسـلـمـين الـيـوم .. أين عـزهـم وأين سـجـل تاريخهـم الحـافـل بالـمـواقـف الإيمـانية؟! ارجـعـوا إلى دراسـة تـاريخ الحضارة الإسـلامية سـتجـدون ذلك في سـلسلة تلك الـمـواقـف العـظـيمة التي وقـفـها أولـئـك الآباء والأجـداد رجـالا ونسـاء، أين واقعة القـادسية ومـعـركة الـيـرمـوك .. وأين تـلك الـفـتـوحات التي تحـقـقـت عـلى أيـدي أولـئـك الـرجـال الأبـطال؟!.
ولكـن الله سـلـم وحـصـن أولـئـك الـرجـال الأبـطال أن ينـخـدعـوا بخـارف الـدنـيا وبـهـرجـتها، فـما كان شـأن ربعي بن عـامـر كـشـأن الـذين لا يـفهـمـون قـيمـة الحـضارة، إلا في بـريـق زيـنتـهـا ولـمعـان زخـرفـها وانـطـلاق شـهـواتها، وتـدني أخـلاقـها وذهـاب قـيمها، بـل وقـف الجـنـدي الـمـؤمـن العـظـيـم ربعي بن عـامـر يجـيب عـلى حضـارة (التـلـمـيـع) ومـدنية الـزخـف والـمال، ووقـف التاريخ يسـجـل، وكان هـذا هـو الجـواب، الـذي ما كان يـتـوقـعه قـائـد الجـيـوش الـفـارسية فـهـنا العـظـمة تـتـجلى في أفـقـهـا يمـثـلها خـير تـمـثـيـل ذلك الـمـوقـف.
نـزل الجـنـد الـمسـلم ربعي بن عـامـر عـن فـرسـه في سـكـينة وهـدوء وقـار، ثـم أمسـك بـزمـامـه ودنـا به إلى أقـرب سـارية مـن سـواري الـسرادق العـظـيـم، وعـمـد فـلـف الـزمام عـليها لـفـاً محـكـماً، وشــده شـدة قـوية حتى تمـزق ما عـليها مـن حـريـر ناعـم وتقـطـع تـقـطـعـاً منـكـراً، ثم عـمـد إلى رمـحـه فـجـعـل زجـه في الأرض، واتجـه يمشي نحـو صـدر الـسرادق، مـقـارباً بـين خـطـواته مـتكـئا بـرمحه الـمسنـون عـلى فـراش الحـريـر والـذهـب والاسـتبـرق، مـتـعـامـياً عـن بـريـقـها ومتجاهـلاً أنها شيء غـير حـقـارة الأرض وتـرابها، حتى أفـسـد جـميـع ما مـر عـليه، وكان الهـدوء سـائـداً، وكان التاريخ يـسـجـل في وقـع أقــدام الجـنـدي المسـلم العـظـيـم هـذا الـرد الـمـفحـم.
إن حضـارتـنا الإسـلامية الإلـهـية، شيء فـوق بـريـق الـذهـب والاسـتبـرق، وإن الباب الـذي فـتح لـنـا لـنـدخـل مـنه إلى عـروش الـدنـيا أوسـع بـكـثـير مـن هـذا الـباب الـمادي الـذي لا تـمـلـكـون غـيره أوسـع مـنه، فأنـتـم الـذين ضـيـقـتم عـلى أنفـسـكـم بما ابـتـدعـتـمـوه مـن الـترف والـزخـرف البـراقـة اللـماعـة الخادعـة.
فـرق مـا بـينـنا وبـينـكـم، أنـكـم لا تـزالـون تـتيـهـون في ظـلمات لـيـل مـن الجاهـلية السـوداء، فأنـتـم لا تـبصـرون مـن حـولـكـم إلا ضـياء هـذه الحـصـباء، أما نحـن وقـد أشـرقـت في حـياتـنـا شـمس الـتـوحـيـد، فهـيهـات أن نبـصـر مـن ضـيائها إلا ما قــد يـبصـره الإنسان مـن ضـياء الـنـجـوم في رابـعـة النـهـار.
كل قـوة تـزويـر وخـداع لصاحبـها ما لـم يـكـن منبـعـها الـقـلب، ولا تنـبـع الـقـوة مـن الـقـلـب إلا بـعـد أن تعـمـره العـقـيـدة الـراسـخـة الصحـيحـة، وكل عـزة في الـدنيا لـيست إلا سـرابا آيـلا إلى زوال، مالـم تـكـن قائـمة عـلى أساس العـبـودية لله، ولا تـتـم العـبـودية لله إلا بـعـد التحـرر عـن الـعـبـودية لجـمـيع الأغـيار.
.. وللحـديث بقـية.

إلى الأعلى