الثلاثاء 21 نوفمبر 2017 م - ٣ ربيع الثاني ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / المصالحة الفلسطينية بــ”العين الإسرائيلية”

المصالحة الفلسطينية بــ”العين الإسرائيلية”

علي بدوان

”إنَّ لغة الخطاب السياسي “الإسرائيلي” الرسمي بشأن المصالحة الوطنية الفلسطينية المدعومة بإرادةإقليمية ومناخ دولي، تحاول المناورة والالتفاف، وتركّز على المطالب المتعلقة بشروط الرباعية الدولية. فحكومة نتنياهو تعتقد بأنه يتوجب على أي مصالحة بين السلطة الفلسطينية وحركة حماس أن تشمل التزاما بالاتفاقيات الدولية وبشروط الرباعية الدولية”

يَظهَر من التحليلات المنشورة على صفحات المطبوعاتالإسرائيليةفي فلسطين المحتلة، غداة الإعلان عن اتفاقِ المصالحة بين حركتي فتح وحماس، أن “الإسرائيليين” على مُختلف مستوياتهم الرسمية وغير الرسمية ينظرون إلى المصالحة الفلسطينية بتوجس وقلق. فقد قَدَمَ الانقسام لدولة الاحتلال خدمات كبيرة تمثّلت في إضعاف الحالة الفلسطينية بشكل عام، وفي زيادة منسوب الضغط “الإسرائيلي” على كل الحالة الفلسطينية. وعودة حكومات “إسرائيل” للترويج لمقولة “فقدان الشريك الفلسطيني” وبالتالي استثمار الوقت لزيادة منسوب عمليات تهويد الأرض. وفي هذا الإطار فإن ثمة من يُشكك في “إسرائيل” بالدور المصري، وما إذا كانت مصر تسعى فعلاإلى المصالحة الجدية الهادفة لإعادة تمتين وتقوية الحالة الفلسطينية و”تحضيرها لصفقة سياسية في إطار حل أميركي مرتقب تَعُدُّ له إدارة الرئيس دونالد ترامب”.
إنَّ دولة الاحتلال، وعلى مختلف مستوياتها، تُدرك أنَّ ملفات مباحثات القاهرة للمصالحة الوطنية الفلسطينية كبيرة، وتحتاج لاجتراح حلول توافقية بين حركتي فتح وحماس، حيث ستركّز على ملفات الأمن، والانتخابات، وقيام حكومة الوحدة الوطنية، وتسيير الحياة اليومية في عموم قطاع غزة. ويفترض أن يكون دور مصر في هذا المجال محاولة جسر الهوة في القضايا المطروحة، والعثور على تسويات تفاوضية بين حركتي فتح وحماس للتغلب على التباينات. وفي هذا الإطار كان المستشرق “الإسرائيلي” بنحاس عنبري، المقرب من مصادر القرار في “إسرائيل”، قد أشار “أن الحديث عن المصالحة الفلسطينية التامة والكاملة ما زال بعيدا عن التطبيق الحقيقي، رغم الصور التذكارية والابتسامات”. وأكد في مقال له بموقع “أن آر جي” أن أمام الحركتين سلسلة ألغام كبيرة من الصعب تجاوزها وتفكيكها، أهمها من سيدفع رواتب الموظفين الذين عينتهم حركة حماس في غزة، ومستقبل السلاح المنتشر بالقطاع، في ظل مناداة الرئيس محمود عباس ليل نهار بشعار “سلطة واحدة وسلاح واحد” مقابل رغبة حركة حماس بالحفاظ على قوتها العسكرية من خلال جناحها المسلح كتائب عز الدين القسام، واستمرار علاقتها مع إيران.
إن مصادر القرار في “إسرائيل” تعتقد إجمالا وبتفاوت بين أركانها، أنَّ اتفاق المصالحة الأخير الموقع في القاهرة بين حركتي فتح وحماس، جديا أكثر من السابق، وإن كان سيلامس مجموعة الألغام التي بإمكان كل واحد منها أن تُفجّره، وهي السيطرة الأمنية في غزة وإجراء انتخابات تشريعية ورئاسية، وإعادة عقد البرلمان، ودخول حركة حماس لعضوية منظمة التحرير الفلسطينية”.
المصادر “الإسرائيلية” تعتقد أنَّ “بذور الإنفجار تّكمن في اللقاء المقبل، حول من سيسيطر أمنيا في غزة. حيث ترى تلك المصادر بأن لا أمل في أن تتنازل حركة حماس في هذه النقطة، ويصعب تنازل السلطة الفلسطينية عن مسألة السلاح الواحد في الضفة وغزة.
لقد توقع تقرير “إسرائيلي” شبه رسمي، أنَّ الخلافات العميقة بين حركتي فتح وحماس خاصةً فيما يتعلق بالسلاح والأجهزة الأمنية، ستمنع رأب الصدع في الخلافات الفلسطينية الداخلية. وتساءل التقرير: فلماذا سيتوجب على إسرائيل لعب دور الشخص السيئ؟
وبحسب التقرير المُشار إليه، لم يُصرّح رئيس الوزراء “الإسرائيلي”، بنيامين نتنياهو، بمعارضته للمصالحة، إلا بعد فتح معبر إيريز أمام ممثلي حركة فتح من الضفة الغربية. وبشكل مشابه، امتنع وزير الحرب “الإسرائيلي”، المتطرف أفيجدور ليبرمان، عن إصدار الأوامر لإدارة الاتصال في “الجيش الإسرائيلي” للقيام بما تقوم به بشكل ممتاز، والتباطؤ في إصدار تراخيص الخروج من الضفة الغربية.وتابع التقرير بقوله “لكن المرء يأمل أن شخصًا ما في إسرائيل يتفهم أن الأولوية القصوى الآن هي منع تدهور الوضع في قطاع غزة ليصبح كارثةً بيئية وإنسانية أسوأ مما يعانيه القطاع الآن بالفعل. وهذا مُمكن فقط بالشروط الآتية:
على إسرائيل أن تُنهي حظرها على مواد البناء والمواد الخام، وهي الضرورية لإعادة بناء البنية التحتية، والتي تتطلب تبسيط وتنظيم التعاون المعقد بين السلطة الفلسطينية والأجهزة الأمنية الإسرائيلية والدول المانحة، كما يجب إنهاء النزاع الفلسطيني الداخلي حول جمع الضرائب وفواتير الكهرباء”. وأشار التقرير إلى “أن هذه الأمور ممكنة لو كان لدى الفلسطينيين حكومة واحدة، وفقط إن كانت هذه الحكومة مقبولة ــ ليس بشكل جزئي ومتذبذب ــ من قبل إسرائيل، والدول المانحة ومنظمات الإغاثة الدولية، وخاصةً الأمم المتحدة. وهذه الحكومة لا يُمكن أن تكون سوى السلطة الفلسطينية.”
إلى ذلك، إنَّ البيان الصادر عن مكتب رئيس “الحكومة الإسرائيلية” بنيامين نتنياهو، على لسان “مصادر سياسية”، بعيد الإعلان عن اتفاق المصالحة الفلسطينية في القاهرة، كان عاما وفضفاضا، حين أشار أنَّ “إسرائيل ستدرس التطورات الميدانية وستعمل بما يتلاءم مع ذلك”. وبالتالي فقد كان موقفا طريا قياسالتصريحات نتنياهو في خطابه في حفل يوبيل الاحتلال في الكتلة الاستيطانية “غوش عتصيون”. حينذاك، قال نتنياهو إنه “لن نقبل مصالحة مزيفة، يتصالح فيها الفلسطينيون على حساب وجودنا”.
إنَّ اللغة الطرية نسبيا في لهجة وخطاب نتنياهو بعيد إعلان القاهرة عن توقيع اتفاق المصالحة بين حركتي فتح وحماس تعود إلى ثلاثة أسباب: السبب الأول يتعلق بمصر ومحاولات “إسرائيل” تجنب الكسر معها. والسبب الثاني إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، حيث مَنَحَ البيت الأبيض دعما وبشكل علني، للخطوات المصرية لإنجاز عملية المصالحة بين حركتي فتح وحماس، حيث انهالت تصريحات المبعوث الأميركي الخاص، جيسون جرينبلات، الذي أعلن خلال زيارة لفلسطين المحتلة، في 30 آب/أغسطس 2017 “أن على السلطة الفلسطينية أن تأخذ السيطرة على القطاع من أيدي حركة حماس”. وبالطبع فإن تصريحات جيسون جرينبلات وأقواله لم تكن زلة لسان، وإنما هي جزء من سياسة أميركية. إذ إن جيسون جرينبلات سبق وأن أطلق تصريحات مشابهة خلال مؤتمر الدول المانحة للسلطة الفلسطينية، شهر أيلول/سبتمبر 2017. والسبب الثالث محاولة نتنياهو استيعاب الواقع الراهن في ظل دخول عدة أطرافإقليمية على ملف المصالحة الفلسطينية مع وجودإرادة دولية.
إنَّ لغة الخطاب السياسي “الإسرائيلي” الرسمي بشأن المصالحة الوطنية الفلسطينية المدعومة بإرادةإقليمية ومناخ دولي، تحاول المناورة والالتفاف، وتركّز على المطالب المُتعلقة بشروط الرباعية الدولية. فحكومة نتنياهو تعتقد بأنه يتوجب على أي مصالحة بين السلطة الفلسطينية وحركة حماس أن تشمل التزاما بالاتفاقيات الدولية وبشروطِ الرباعية الدولية وعلى رأسها مسألة الاعترافبـ”إسرائيل” ونزع سلاح الجناح العسكري لحركة حماس كتائب الشهيد عز الدين القسام. حيث كان (أوفر جندلمان) المتحدث باسم رئيس وزراء حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو قد قال “إن مواصلة حفر الأنفاق وإنتاج الصواريخ وتنفيذ عمليات ضد إسرائيل، كل هذا يخالف شروط الرباعية الدولية والجهود الأميركية الرامية إلى استئناف العملية السلمية”.
وبالطبع، إن أصوات التطرف في دولة الاحتلال، ستطلق صيحاتها ضد المصالحة الوطنية الفلسطينية مع تقدمها وتحقيقها إنجازات ملموسة في الفترة التالية كما هو مفترض، فقد أوردت القناة الثانية العبرية صباح يوم 13 تشرين الأول/أكتوبر 2017 أي بعد يوم واحد من توقيع اتفاق المصالحة، نقلا عن الوزير “الإسرائيلي” المتطرف (نفتالي بينيت) قوله “لقد اختار الفلسطينيون تشكيل حكومة إرهابية” في إشارة لحكومة التوافق الوطني الآتية. وزاد على تصريحات (نفتالي بينت) تلك المقالات التحريضية التي كتبها العديد من الكتاب “الإسرائيليين” المقربين من مصادر القرار وأصحاب التأثير على الرأي العام في كيان دولة الاحتلال.
وبالنتيجة، نحن الآن أمام موقف “إسرائيلي” مُخادع، يحاول تصوير الأمور وكأن “إسرائيل” لاتعارض تحقيق المصالحة الفلسطينية لكنها ترفض أن تكون دافعة لأثمانها، حيث لاتتوافق عندها المصالحة الوطنية الفلسطينية بوجود مقاومة وبنية تحتية عسكرية فلسطينية عند أي طرف فلسطيني، وحتى مقاومة مدنية سلمية، وبوجود موقف ولو كان سياسيا يتعارض مع شروط الرباعية الدولية ومنها مسألة الاعتراف بوجود “إسرائيل”.

إلى الأعلى