الثلاثاء 21 نوفمبر 2017 م - ٣ ربيع الثاني ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / ما هذه الدونية في التعامل؟!

ما هذه الدونية في التعامل؟!

أ.د. محمد الدعمي

”لقد برزت لدى الكتّاب والشعراء الأميركان الأوائل ظاهرة “تأنيث” الشرق الإسلامي باعتباره فضاءً رخوا مغريا خاويا يطفو منفلتا من الزمن على بحر متلاطم من الملذات والأقدار واللاجدوى، الأمر الذي يفسر إبراز صور “الحريم” harem وتعدد الزوجات واقتناء الجواري في عالم يزدحم بالخرافات والشخصيات الأسطورية ومصابيح علاء الدين وبساط الريح والعبيد وسواها من “اللازمات” المتاحة في أغلب الأدبيات الثقافية (وحتى السياسية)”

إن عملية “التنقيب” في قعر العقل الشعبي الأميركي يمكن أن تجنبنا الارتطام بين العالم الغربي والإسلامبفضل المعارف التي تتيحها، وذلك عن طريق سبر أغوار التنميطات Stereotypes والمفاهيم الخاطئة Misconception التي تم تشكيلها منذ العصر الوسيط على سبيل تكويمها وتثبيتها اليوم ضد الإسلام والعرب عبر التاريخمن أجل تسفيهه والإساءة إليه (والعياذ بالله). لهذا فإن مباشرة هذه الأفكار ينبغي أن تقوم على افتراض أنها لا تمثل سوى الرأس المرئي الطافي من جبل الجليد الذي تغطس كتلته الأكبر، غير المرئية، تحت الأمواج المتلاطمة في وسط بحر مظلم من الصراعات الدينية والطائفية التي “تهدد” السلام العالمي بكل معنى الكلمة.
إن أي استحضار لتاريخ تورخة الإسلام في الغرب ولتطور الفكرة الأميركية عن المسلمين في الثقافة الأميركية الشائعة لا يمكن إلا وأن يتوقف عند محطات مهمة وطريفة ومثيرة للتساؤل. فإذا ما إتفق المرء مع مؤرخي الأفكار في أن معظم الآراء الأميركية في الإسلام بدت “مستنسخة” من الآراء الأوروبية التي جاءت مع المهاجرين الأوروبيين الأوائل إلى أميركا بصفة “إرث ثقافي” جاهز، فإن علينا مباشرة ما تبع من المراحل المبكرة لتكوين الجمهورية الأميركية الفتية من تحويرات حيال طرائق التفكير والتعامل مع العرب والمسلمين. بيد أن واحدة من أكثر الحقائق التاريخية إثارة للملاحظة (رغم عدم المعرفة بها من قبل غالبية أو كل من المسلمين والأميركيين على حد سواء) تتمثل هذه الحقيقة في أن أول “تاريخ” كتب عن الإسلام، بعنوان (حياة محمد)، كان من تأليف رجل دين اسمه “جورج بوش” Bushوذلك عام 1830. ولست أعرف على نحو الدقة ما إذا كان هذا المؤرخ ينتمي إلى نفس عائلة آلبوش التي حكمت أميركا لعقود (من قبل الأب والابن)؛ بيد أن الذي أعرفه بتيقن هو أن هذا التاريخ لم يكن سوى ترديد للتمثيلات الملتوية والخاطئة misrepresentations التي أوردها واحد من أكبر المستشرقين الأوروبيين الذين أرّخوا للإسلام في أوربا وهو “همفري بريدو” Prideaux الذي شحن تاريخه بجميع الأفكار الجاهزة والخاطئة التي شكلتها أوروبا ضد الإسلام كإجراء احترازي طارئ لمقاومة الفتوحات الإسلامية التي كانت أوروبا تلك العصور تتعرض إليها على الجبهتين الشرقية (بلغاريا وهنغاريا) والغربية (إسبانيا وصقلية) المجاورتين للعالم الإسلامي. بل أن الباحثة الأميركية المهمة “دوروثي فنكلشتاين” Finkelstein تذهب حد الاعتقاد بأن ما كان متاحا من كتابات ومؤلفات وتواريخ عن الإسلام في أميركا الشمالية أثناء القرن التاسع عشر إنما كان في جوهره من نتاجات الاستشراق الأوروبي.
لهذا السبب، فإن لنا أن نتكهن بأن بواكير الفكرة الأميركية حول الإسلام لم تزد على كونها “استعارة” لذاكرة ثقافية من التراث الأوروبي الأساس، ذلك أن التواريخ الاستشراقية والكتب نصف الأسطورية (من نوع كتاب ألف ليلة وليلة) قد أسهمت في إيقاد الخيال الأميركي الرومانسي وفي تغذيته بأفكار غير حقيقية عن العالم الإسلامي، الأمر الذي يفسر التصويرات الخرافية المعاصرة التي ازدحمت وتزدحم بها النتاجات الثقافية الأميركية حول العالم العربي ـ الإسلامي، ابتداءً من السينما وأفلام الصور المتحركة وانتهاءً بالرواية والموسيقى والفنون الأخرى.
بيد أن العقل الأميركي الذي يرنو دائماإلى التفرد وإلى تطوير هوية خاصة به، هوية ثقافية منفصلة متعالية حتى على الإرث الأوروبي (باعتبار فكرة “العالم الجديد”)، نقول دأب هذا العقل على رسم وابتكار صورة “أميركية” مستقلة حيال العرب والمسلمين والإسلام، صورة كان يراد لها أن تتجاوز الإرث الأوروبي. ولهذا الغرض راح كبار الأدباء وأهم مشكّلي الرأي العام يتعاملون مع الإسلام وتاريخه وحضارته بطرائق تختلف وتنأى بنفسها عن “الأفكار الجاهزة” التي وردت مع “الرواد الأوائل”، أي المهاجرين القادمين من أوربا. لقد برزت لدى الكتّاب والشعراء الأميركان الأوائل ظاهرة “تأنيث” الشرق الإسلامي باعتباره فضاءً رخوامغريا خاويا يطفو منفلتا من الزمن على بحر متلاطم من الملذات والأقدار واللاجدوى، الأمر الذي يفسر إبراز صور “الحريم” harem وتعدد الزوجات واقتناء الجواري في عالم يزدحم بالخرافات والشخصيات الأسطورية ومصابيح علاء الدين وبساط الريح والعبيد وسواها من “اللازمات” المتاحة في أغلب الأدبيات الثقافية (وحتى السياسية) على سواها من الصور الواقعية التي باشرت الحياة العربية وتعاملت مع المسلمين وتراثهم على نحو مباشر. وقد وجد هؤلاء في أعمدة التكنولوجيا والصناعة والعسكريتارية الأميركية تجسدا”ذكريا” يدفع بقوة نحو “اختراق” الشرق المؤنث والمحجب، السالب والمستكين. هذا، في حقيقة الأمر، هو ما شكّل أهم ملامح أفكار غزو الشرق المؤنث المستضعف بذكورية الصناعة وبقوة السلاح والمال.
لهذه الفكرة المشوبة بالخيلاء والتعالي الذي شاب الثقافة الأميركية الشائعة أصولا تعود إلى القرن التاسع عشر كذلك. فقد كان الشعور وسواسيا بأن أميركا تمثل “العالم الجديد” وبأن الإنسان الأميركي إنما يمثل “الإنسان الألفي الجديد” المنزّه من بقايا وبراثن “العالم القديم” (آسيا، إفريقيا، أوروبا). وقد دفعت هذه الأفكار المتعالية العقل الأميركي إلى النظر للشرق وأديانه وتراثه وثقافاته، بوصفها بقايا طللية لا تستحق سوى أن تبقى في المتاحف لتجمع غبار الزمن. ثمة مناسبة طريفة أخرى تجسد هذا الشعور الملحاح بأنهم إنما يمثلون عالما جديدا أعلى مرتبة من العالم القديم، وهي مناسبة عقد “برلمان الأديان” التاريخية. ففي عام 1883، وعلى هامش “معرض شيكاغو التجاري الدولي”، تم استقدام عدد من كبار رجال الأديان “الشرقية” (من بوذيين وهندوس ومسيحيين وزرادشتيين وكونفشيوسيين وسواهم) من أجل عقد “مناظرات” عقائدية على الملأ أمام الجمهور الأميركي الذي ينبغي أن “يراقب” و”ينتقي” أو يمرر تقييمات معيارية! ولكن حتى في “مهرجان” الأديان هذا، كان الإسلام عصيا على الإرادة الأميركية وعلى الاستجابة لمثل هذه الطريقة “الدونية” في عرض واستعراض الأديان، إذ رفض السلطان العثماني آنذاك ابتعاث رجل دين مسلم ليمثل الإسلام في هذه “المهزلة”، حسبما رآها. لهذا السبب، ومن أجل أن لا يكون الإسلام غائبا عن “البرلمان” اضطر أول مسلم أميركي “الكساندر رسل ويب” Webb (سمي بـ”محمد ويب”، فيما بعد) لأن يمثل الإسلام في هذه المناظرات المنسية، ولكن الخطيرة والمشحونة بالدلالات.
إن أية مراجعة لمثل هذا التراث المشوب بالأخطاء وبسوء الفهم تجعل من المقولات المسيئة وما رادفها من إعلانات أخرى، رئاسية و وزارية، ظواهرا متوقعة من قبل ثقافة أميركية أخفقت في إدراك حقائق الدين الإسلامي الحنيف وعقائده السمحة. لقد بدأت الفكرة الأميركية عن العرب والإسلام من فكرة مستقاة دائما من مصادر ثانوية وليس على نحو مباشر وعبر التجربة الحقيقية، إذ تشكلت هذه الأفكار، التي يصعب اجتثاثها، من الكلمة المكتوبة والصفحة المطبوعة، حتى إذا ما اضطرت الولايات المتحدة الأميركية للتعامل مع العرب والمسلمين على نحو مباشر، كما تفعل اليوم، فإنها وجدت نفسها في وضع محرج ومرتبك تنقصه المعرفة الحقة والدقة في فهم الإسلام وإدراك آليات التفكير العربية الإسلامية التي لا يمكن أن تنزع جوهرها الإسلامي قط.

إلى الأعلى