الأربعاء 16 أكتوبر 2019 م - ١٧ صفر ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / منظورات استشراقية

منظورات استشراقية

أ.د. محمد الدعمي

إن أهم ما يرنو إليه هذا الجدل، من استحضارات الاستشراق والاستغراب إنما هو الارتداد لأذكى العقول الغربية في عصر التوسع الاستعماري، أي هو أن الحضارة البشرية، برغم تنوعاتها وتشكلاتها، هي كينونة واحدة أسهمت جميع الشعوب الحية عبر مسيرة التاريخ في بنائها. أما قضية التفوق الحضاري فهي لا تزيد عن دورة لعجلة التاريخ، حيث ترتقي أمم وتنحدر أخرى حسب معطيات الإرادات والموارد والصراعات.

ينبغي التمييز بين “الشرق”، صورة وفكرة كامنة في الذهن الغربي، ساهم في صنعها عدد كبير من المفكرين، وصاغت تفاصيلها سلسلة طويلة من الأحداث والمحكات والتصادمات، وبين الاستشراق بمعناه الحديث. وبكلمات أخرى، لا يمكن للمرء أن يعتبر كل رأي أو صورة يشكلها كاتب أو مفكر غربي جزءا من “وليمة” الاستشراق. يرتبط هذا الأمر بافتراضات التفوق المادي ـ التقني الغربي والتخلف الشرقي، أي بـ”الفوقية” الغربية و”الدونية” الشرقية. ولكن كيف سيكون الحال في عصر كان فيه الشرق، الشرق العربي ـ الإسلامي على نحو التخصيص هو الذي يمثل الذروة الحضارية الحقيقة؟ هذا واقع فعلي في عصور سابقة، أي أن الحضارة العربية ـ الإسلامية مثلا، في أوج تفوقها، أوجدت لنفسها، بفعل تطورها واتساع رقعتها وتأثيرها السياسي، مجموعة متخصصة من المفكرين الباحثين في جميع الأصقاع الخارجة عن نطاق هيمنتها السياسية والاقتصادية المباشرة، عن طريق الترحال إليها وترجمة موروثها الفكري والتقني. بل إن هذه الحضارة أوجدت هيئات منتظمة إلى حد يثير الإعجاب لتدارس وترجمة واستثمار الموروث الغربي، من هنا كانت دلالات تصاعد حركة الترجمة في العصر العباسي على سبيل المثال، وإذا شاء المرء استخدام مصطلح جديد يستجيب لمعطيات الاستشراق الحديثة، فسيكون “الاستغراب” Occidentalism، غير الوارد في عصرنا هذا شيئا واقعيا بقدر تعلق الأمر بتوق حضارة متفوقة ترنو للتعرف على حضارة أقل تفوقا في عصر سابق، بغض النظر عن دوافع الاستشراق المصلحية الإمبريالية. ويوضح ازدهار حركة الترجمة وإيجاد متخصصين بها، فضلا على تنامي حركة الترحال والاهتمام بدراسة الأعراق الأعجمية والحضارات المتاخمة. إن الحضارة العربية الإسلامية، في أوج ازدهارها، لا يمكن إلا أن تكون قد فكرت بتخصيص جهود علمية وبحثية للتعامل مع الحضارات المجاورة لاستكشافها والإفادة من علومها ومنجزاتها. والحق، فالاستشراق التاريخي يؤكد هذا حين يتتبع أفضال الفكر الأوروبي، الإغريقي على نحو خاص، على الحضارة العربية الإسلامية، ولكن على أسس أخرى مختلفة المشارب والأغراض.
لا ينبغي لهذه التأملات كلها أن تحيد المرء عن حقيقة كون الاستشراق الحديث، جوهريا، قد شُكل وصُمم لخدمة مصالح إمبراطورية، وعلى الأساس نفسه لا ينبغي اعتبار كل ما قيل عن الشرق في الغرب جزءا من الاستشراق، فصورة الشرق تغدو استشراقا في ذات اللحظة التي توضع بها المصالح الإمبريالية الغربية دافعا مركزيا. ولهذا السبب، فإن صورة الشرق قبل بروز الاستشراق كيانا فكريا حديثا، لم يكن استشراقا بالمعنى المصلحي الاصطلاحي، وحتى بعد ظهور الاستشراق وازدهاره. تأسيسا على هذا المدخل، لا يمكن اعتبار آراء “توماس كارلايل” Carlyle في العرب والإسلام جزءا من الاستشراق. وعلى الأساس نفسه، لا يمكن مطلقا اعتبار آراء “وليم موريس” Morris أو “واشنطن إرفنج” Irving في الشرق بضمن خطهم وتوجههم الفكري القائم بالأصل على افتراض خلل الحضارة الغربية المميت والمرفوض، استشراقا. وإذا كانت ثمة شوائب استشراقية بالمعنى المصلحي يمكن الاستدلال عليها عبر محاضرة “كارلايل” الشهيرة، في مصادره وإشاراته إلى “دي ساسي” De Sassy على نحو خاص، فإن هذا لا ينفي مطلقا حقيقة أن محاضرة “البطل نبيا: محمد” كانت جزءا واحدا من سلسلة محاضرات (في الأبطال وعبادة الأبطال والبطولي في التاريخ). وهذه جميعا صممت لمعالجة إشكالية بريطانية محلية معاصرة ولمخاطبة جمهور أراد كارلايل منه أن يستثير عنصر البطولة، وأن يكتشف أبطاله باستخدام الدرس التاريخي، اي أن الأنموذج العربي الإسلامي لم يطرح سوى أنموذج للاقتداء به.
ومن ناحية ثانية، لا يمكن فهم تقييم “موريس” لمساهمة الشرق، والشرق العربي الإسلامي على نحو خاص، في صياغة الحضارة الإنس

إلى الأعلى