الخميس 23 نوفمبر 2017 م - ٤ ربيع الثاني ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / أشرعة / من مـلامح التدوينة الشِعرية عند الشيخ محمد بن علي الشرياني (2)

من مـلامح التدوينة الشِعرية عند الشيخ محمد بن علي الشرياني (2)

المدونة اللاذاتية أو الأخرى
أنيطتْ بالشاعر وظيفة وزارة الإعلام والتاريخ، سواءً كان الشاعر في دائرة بلاط الحُكْمِ، أو جوّالا وسط العامة من الناس، فالشاعر هو الذي حفظ أيام العرب وحروبهم، وحفظ أسماءَ أعلامهم، وصوّر بعدستِهِ حياةَ بسطاء الناس، والجاحظ في سفَرِهِ طلبًا للشِعر يقولُ “طلبتُ عِلْم الشِعر عند الأصمعي فوجدتُهُ لا يتقن إلا غريبه، فرجعتُ إلى الأخفش فوجدته لا يُتقن إلّا إعرابه، فعطفتُ على أبي عبيدة فوجدْتُه لا يُتقن إلّا ما اتصل بالأخبار، وما تعلق بالأيام والأنساب …إلخ”، فالأصمعي حين طلب ماهية ومفهوم ووظائفَ الشِعر، وجدها متعددةً في التنقيب والحفاظ عن غريب اللغة والمفردةِ والفكر الإنساني بين وجداني وواقعيّ وأسطوري، وهو ما يتقاطع مع نظرة ابن خلدون بقوله: “إعلم أنّ فنّ الشِعر بين الكلام كان شريفاً عند العرب، ولذلك جعلوه ديوان علومهم وأخبارهم، وشاهد ثوابهم وخطئهم، أصلاً يرجعون إليه في الكثير من علومهم وحكمهم،… ” إذنْ فالشاعر هنا كان المُدونة التاريخية، وعصارة التجربة ورحيق الحكمة، والوعاء المُعجَمي أو القاموسي الذي حُفِظ به كلام العرب، ومن هذا المنحى دوّن العربُ أيامهم، وكانوا يؤرّخون أحداثهم بالشِعر، وعلى ذلك جاءت متون الكتب، ككتب “أيام العرب في الجاهلية” و”أيام العرب في الإسلام” ، كما أنّ علاقة الشاعر بالبلاط الحاكم، وتماسّه ورؤيته الأحداث ببصره وبصيرته جعله الشاهد على الشخوص والحوادث والمآلات، فكانت نصوص المدح والهجاء والرثاء، ونصوص الحرب، ورثاء المدن وغيرها، سجِلًّا للأحداث يحكي بها الشاعر صيرورة وسيروة الأيام.
وقد نهج الشيخ الشرياني هذا المنهج في تدوين الأحداث التي عاصرها، فكتب فيها النصوص المعبّرة، وتعمّق أحيانا في نيّة التوثيق والتأريخ لدرجة استخدامه حساب الجُمّل في نصوصه، وكتابته عتبات نصوصه توثيقًا صحفيًا لمناسبة النص، إضافة إلى العناوين المباشرة للنصوص، وكانت تدوينات الشيخ الشرياني غير الذاتية في مجملها تنقسم لقسمين، تدوينات وطنية، وتدوينات مجتمعية، التدوينات الوطنية جاءت في فترة مبكرة من عمر النهضة المباركة، وهي التي تقال في المناسبات الوطنية كالأعياد الوطنية العُمانية شهري يوليو ونوفمبر، والأعوام التي اختصّتها الحكومة لأمر ما كعام الشباب والتراث والزراعة والصناعة وغيرها، إضافة للنصوص التي كتبها في الجولات السلطانية السامية ، خصوصا في سيح البركات بولاية منح، بينما التدوينات المجتمعية ، جاءت غالبًا لغرض المناسبات كافتتاح الشوارع، والمدارس، وغيرها.
• التدوينة المجتمعية عند الشيخ الشرياني “المدوّنة الوطنية”:
لم ينغلق الشيخ الشرياني على نفسِهِ في نصوصه الشِعرية، بل كان مواكبًا للأحداث الجارية، مُساهِمًا فيها بنصوصِهِ، وكأنه آلى على شِعره أنْ يكون مُدونَةً زمنية كدأبِ الشِعر العربي الذي حُفِظتْ به بعض الأحداث التاريخية، ولعلّ إطلاق “التدوينة الوطنية” تكون أكثر دقة من التدوينة المجتمعية، ليس لأن التدوينة الوطنية هي الغالبة فحسب، بل لأنّ معظم المشاركات المجتمعية للشاعر الشرياني انطلقت من كونها حدثا وواجبا واحتفاءً وطنيا، بل إنني أعتبرُ شِعرَهُ مِنْ أهم التدوينات الشِعرية الوطنية الُعمانية التي حفظتْ الأحداث الوطنية العُمانية والعربية، ومن هنا فإننا لا نجدُ في شِعره أي مظاهر احتجاجية على المجتمع، فهو الذي عاش قبل 1970م، ورأى الوضع الاجتماعي والاقتصادي المزري الذي كان تعيشُه عُمان، وشهد الثورة على ذلك الوضع بعد عام 1970م، والنقلة الحضارية التي صارت إليها عُمان، وكانت قصدية الشاعر الشيخ الشرياني واضحةٌ في ذلك حين أطلقَ على ديوانه الشِعري عنوان (مِرآةُ الزمانُ في حياةِ قابوس وعُمان)، وكأنّ الشاعر الشرياني أراد كذلك مِنْ ديوانه أنْ يظلّ أهزوجة احتفال بالعهد القابوسي، هذا ناهيكَ عن الدلالة المباشرة للعناوين، التي في معظم الأحيان تفتقد للمسة الشعرية، حيث يُسدّدها مباشرة للقصدية، مثل (عزّ ومجد في رحاب قابوس المعظم)، (الندوة الزراعية بمنح) ، (شرطة عمان) (عمان الخير) (التأسيس للنظم العُمانية) (عمان العز) (مسيرة الخير والفرح) (غرس الأكاديمية) (عيد النهضة) (معرض الأجداد) (قصيدة في الوعظ) (عيد الشجرة) ، بل لا نحتاجُ سوى تصفّح هذا الديوان لتبيان مساهمة الشيخ الشرياني في تلك المحافل والأحداث بشِعرِهِ، سواءَ كانت أحداثا عُمانية دولية، أو أحداثا عمانية داخلية.
أ. التدوينات الوطنية الدولية. كان الشيخ الشرياني متفاعلا بِشِعره في كل الأحداث الدولية التي يكونُ لِعُمان علاقة بها، ولعلّ مردّ ذلك هو المرحلة الزمنية التي عاشها الشيخ الشرياني، حيث كان مجايلا لثلاث مراحل سياسية عاشتها السلطنة، وهي مرحلة الإمامة في عهد الإمام محمد بن عبدالله الخليلي، والأحداث التي بها الإمامة مع الإمام غالب بن علي الهنائي، وكل تلك المرحلتين كانت متزامنة مع فترة حكم السيد سعيد بن تيمور، حتى تسلم جلالة السلطان قابوس بن سعيد ـ حفظه الله ـ مقاليد الحكم في البلاد، وسعيهِ بها للاستقرار والأمن والازدهار لتكون عمان في مصاف الدول الحديثة والمتقدمة، والانفتاح على العالَم الخارجي، كل هذه المراحل السياسية، كانت مع تشكل وعي الشيخ الشرياني الشِعري، فكان ديوانُ شِعره هو السجل الذي يدون أحداثها، والملاحظ أنّ الشيخ الشرياني بدأ يدوّن أحداث العهد القابوسيّ أكثر مِنْ غيرِهِ من المراحل السياسية التي عايشها، ولعلّ مردّ ذلك أسباب أنه قضى أكثر حياته في العهد القابوسيّ، إضافة لما تُورَدْ مِنْ روايات عنه أنّ أولى نصوصه الشِعرية كانت مرثاته في الإمام محمد بن عبدالله الخليلي، وهي رواية تحتاجُ تمحيصًا، إذا علمنا أنّ هذا النص، به نضجٌ يجعلنا نستبعدُ هذه الرواية، ولكن لعله يقصد أول نص شعري يُشهر له، كذلك لعل الشيخ الشرياني استبعد بعض نصوص تلك المرحلة فلم يُورِدْها في ديوانه “مرآة الزمان في حياةِ قابوس وعُمان” لاختصاص هذا الديوان الصريح بعهد السلطان قابوس بن سعيد ووفاء له، كما أنه بالمقارنة مع أبيات القصائد في ديوانيه بالمخطوطات نجدُ أنه شذّب ومحا بعض الأبيات من بعض القصائد، بينما لَمْ توجد الكثير من النصوص لما قبل هذه المرحلة في الديوان المسمى “ديوان الشرياني” والذي أخرجته ابنته جوهرة، ولذلك جاءت معظم النصوص الوطنية الدولية احتفائية تُحيي وتشيد وتُثني على منجزات المرحلة، ومدّ الأواصر العمانية للخارج، مثال ذلك قصيدته التي قالها في انضمام عُمان للجامعة العربية، وكان في سبتمبر 1971م، والتي يجب التوقف عند مرحلتِها المبكرة في وعي الشرياني وانحيازه السياسيّ في تأييد مسيرة النهضة المباركة:
لاح فجر البشر فانجاب الظلام * وضياء السُعد وافى بسلامْ
حيثُ أنشا اللهُ رُوحًا أنعشتْ * أعظُمًا كانت مدى الدهر رِمامْ
بمليكِ العصر قابوسَ الذي * صار تاريخًا إلى يوم القيامْ
بعدما كانت عُمانٌ هدفًا * أصبحتْ في كفّ حُرٍّ لا يُضامْ
بضيا قابوسَ سُلطان عُمان * أشرقتْ أنوارُنا بين الأنامْ
وزعيمُ القومِ صمصامَ العِدى * ذلك القِرْمُ الهمام ابن الهمام
طارق أكرم به من عاهلٍ * طارق سامي الذرى وافي الذمامْ
وهنيئًا لك يا شَعب عُمان * صرتَ عُضوًا عند أعضاءٍ عِظامْ
جمعتْنا الدولُ العُظمى إلى * جَمْعِها السامي إلى أعلى مقامْ

وكذلك قصيدتُهُ المعنونةِ بِـ(العلاقات الطيبةِ بين عُمان والسعودية)، والتي يبدو أنه نظمها في عهد الملكِ فيصل بن عبدالعزيز آل سعود، كما يُستشف ذلك من أبيات القصيدة التي استرسل فيها بمقدمة غزلية وجدانية مُحلّاة بالحوار والصور المقتبس من الطبيعة، قال فيها:
نسيمُ الصبا هبّتْ، وقلبي بها هبّا * فلله روحٌ أنعش القلب إذْ هبّا
على الروضِ إنْ هبّت نوافحُ زهرِهِ * على زاهدٍ أصبتْهُ أو ميِّتٍ أصبا
رعى الله أوقاتًا نعمنا بأُنسِها * نروحُ ونغدو والهوى في الحشا دبّا
مع الفارعِ الفتّانِ قدًّا وقامةً * سبى حبُّه قلبَ المُعنّى وكم أصبا

ثم يتخلّص مِن الاسترسالِ الطويل بقوله:
ولكنّ كتمان الهوى غاية المنى * ومن يطلب المحبوب يستسهل الصعبا
فقلتُ لها واللهِ ما بي ركاكة * ولكن عفافي لم يزل سادتي حربا
فقامتْ وتذري في الخدودِ عقيقَها * تذكرني وصلا وتستعطف القلبا
فقالت بمن تسلو؟ فقلتُ لها : بمن * بنوا للعلى بيتًا وقد بلغ الشهبا
خليلانِ قد جاد الزمانُ لنا بهم * شقيقا ودادٍ صار بُعدهما قُربا
ففي قابوسٍ قوام أمورنا * وسين اسمه أهدى لأرواحنا قُربا
بفت فيصل فاء الحسودِ مقهقرا * على رغمه يحثو على وجهه التربا
فهُنّئتما يا عاهلانِ عليكما * مِنَ المجد تاجٌ يفخرُ العجم والعربا
جمعتم بحمد الله شعبيكما على * قوامٍ يُريحُ الخلق مِنْ فتنةٍ عزبا

وكذلك نص (من وحي الفكر) وفيه تحيته للجمع الشعري من الوفد العلمي للمجلس التعاوني الذي حيّاه بقوله:
في ذمّةِ الله يا من زار أوطاني * في دوحةِ العِلْمِ نزوى مالها ثاني

مُسترسِلا في تحية الوفودِ في نظمِهِ بقولِهِ:
حيِّ العراق وحيِّ عندها يمنًا * وسوريا مع فلسطينٍ وألماني
حيّ السعودية الزهرا وكعبتَها * ومغربًا عندما يأتيكَ بحرانِ
وللإمارات في ضمنِ الجزائرِ ما * لِأُردنٍ مِنْ مقاماتٍ وأشجانِ
ولندنٌ يالَها في العزّ موقعها * وتونسٌ أكّدتْ عزمًا لتلقاني
هذي عُمانُ تُحييكم معالمُها * وترفعُ الشكر من قابوسها الباني

ب. التدوينة الوطنية الداخلية.
تكاد أْنْ تكون تدوينات الشيخ الشرياني الشِعرية للأحداث الوطنية الداخلية هي السمة العامة لشِعره، وقد بدأ ذلك مبكّرا جدًا منذ تولي السلطان قابوس بن سعيد مقاليد الحكم في عُمان عام 1970م ، وقبل ذلك فإنّ الشيخ الشرياني حين رتّب ديوانه “مرآة الزمان في حياة قابوس وعُمان”، جعل أول قصيدة فيه هي قصيدة “تاريخ النهضة القابوسية” التي يجعلُ لها عتبة نصٍّ صريحٍ مباشر بقوله “وهي أول قصيدةٍ قلتُها فيه” والتي يبدو أنها تعودُ إلى عام 1970م، كما أرّخها هو بنفسِهِ في النص الشِعري بما يُعرف بِـ”حساب الجُمَّل “، بينما وجدْتُ في مخطوطاته الشِعرية أنه كتبها يوم 14 جمادى الآخرة عام 1390هجري الموافق 17 أغسطس 1970م، ما يعني أنه مِنْ أوائل الشعراء الذين استبشروا بالنهضة الحديثة، فحيّاها بشعره غير منتظرٍ لما يؤول إليه أوضاع انتقال الحُكْم، ويقولُ فيه:
حيِّ طيفًا زارني وقت السَحر * زارني والليلُ داجٍ مُعتَكرْ
أخذ القلب وولّى مسرعًا * ليته لو زارني وقت السمرْ
دهش العقل، ويا لله من * شمس خدرٍ أم هلال قد سفرْ
وتحيّرتُ إلى أنْ أشرقتْ * شمسُ قابوسٍ على الدنيا زهرْ
ذاك قابوس المليك المرتضى * للعلى بحرٌ وكنزٌ يُدّخرْ
ذاك مقباس الهدى من نوره * نوّر الشعبَ العُمانيّ الأغرْ
فتجلّتْ بِعُمانٍ شمسُهُ * واستنار البرُّ منها والبحرْ
مذ رقى في ذروة الأملاكِ في * تسع عشر من جمادى ، فازدهرْ

فهو هنا يؤرخ إلى اليوم الذي تولى فيه جلالة السلطان قابوس ـ حفظه الله ـ حُكْم عُمان في 19 جمادى الأولى 1390هجري، بينما كتب قصيدته تلك في 14 جمادى الآخرة، كما أنّ الشيخ الشرياني لم يوقف شعرَهُ لرصد الأحداث الوطنية القابوسية ،
كما نجدُ تدويناته الشعرية للمناسبات السلطانية الخاصة، مثل ذلك، رصدهِ للزفاف السلطاني بنصّ قال فيه :
سجع الحَمامُ على غصونِ البانِ * فتمايلتْ طربًا من الألحانِ
وتجاوبتْ أطيارُهُ برحابه * وترنّمتْ بِرويّها الفتّانِ
وتحدثتْ بلسانِ حالٍ واقِعٍ * قالتْ خذوا عني غريبَ بياني

حيثُ يشير إليه صراحةً في النص المخطوط، بينما لَمْ أجد هذه الأبيات في النص نفسه في ديوانه “مرآةِ الزمان” :
يا رَبِّ وسِّعْ مُلْكَهُ وأدِمْه في * عِزٍّ مديدٍ يا عظيمَ الشأنِ
وامدُدْهُ بالبركاتِ عند قِرانِهِ * والازدهارِ مُتوَّجًا بتهاني
ورفاهةٍ وسعادَةٍ أبديّةٍ * ما شابها كدَرٌ مدى الأزمانِ

ويذهب بِلغةٍ متصالحة مع الآخر، غير متفجّرة ولا متصادمة سياسيًا كقصائد الشاعر العراقي محمد الجواهري مثلا، شاكرًا الحكمة السلطانية التي دعتْ المواطنين للعودة من الخارج لبناء وطنهم، ومشيدًا بمبادرة العفو، في قوله من نص “حياة عُمان “:
فلكم أفاضَ عليهم من نعمةٍ * مَنّ الإلهُ بها على الإنسانِ
لو لَمْ تكن إلّا خروجَ أفاضلٍ * كانوا برغمِ الأنفِ في السجّانِ
وأحلّ معقود المسافر سابقًا * وأعاد مطرودًا من الأوطان
وقضى بإعدامِ المكوس كرامةً * وأتاحَ تحريرًا لشعبِ عُمانِ

مع التنويه أنّ الشاعر حذف في ديوانه “مرآة الزمان” البيت (لو لم تكن إلّا خروج أفاضلٍ * كانوا برغم الأنفِ في السجانّ) ، وهو ما يبدوا لي انعتاقًا في ذكر الفضائل، دون ذكر المنن لما قد يسببه ذلك من حساسيات، وهكذا تأتي نصوصه بلغة هادئة ما عدا نص “الحرية العُمانية ” الذي علَتْ به نبرةُ الشاعر في قطع العلاقة بالعهد الغابر، والالتفاف حول العهد الزاهر، ولا نستطيع الجزم أنّ هذه النبرة العالية كانت سياسية بحتة، إذا احتوى النص على أبياتٍ مسدّدَة في الدعوة لتركِ الخمر، بقوله:
تيهي عُمان بدورِكِ المسعودِ * وتفيّئي ظِلّ الهوى الممدودِ
واجني ثمار العزِّ مِنْ أكمامِهِ * وخذي قديم شرابِك المعهود
هذا زمانُكِ مقبلا ، فاستبشري * بقيامِهِ من نومةٍ وقعودِ
هذا زمانك يا عُمان، فهيِّئي * لذراكِ مجدًا كان بالمفقودِ
أعمانُ كنت المرجع المصمود في * عز العروبة عرفه كالعودِ
أعمانُ كنت المرجع المصمود في * فتوى الشريعة يا عمان فعودي
أعمانُ كنت المرجع المصمود في * روح الحياة بطيفكِ المشهودِ
ومضت لييلات عليكِ، وأنت في * غيمٍ كشرّابٍ دمِ العنقودِ
عودي إلى روح الحياةِ وخبّري * أبناكِ عن عادٍ وقومِ ثمودِ
قومي لتجديد الحياة فإنها روح الحياة ومجدك المسعودِ
بالعلم قد قُهرتْ قواكِ وكُسرت * أعضاكِ قومي من ظلال العودِ
بالجهل قد فقدت حياتك برهة * ووقعتِ بين صفائح ولحودِ
أبناء دهري هل حياةٌ بعدما * غمرتكمُ الأهواء في الأخدودِ
فدعوا الهوى يمتاح في أعدائكم * وتعلقوا بدعائم التجنيدِ
هذا مليك عمان جالي كربها * قابوسها فياضها بالجودِ
قوموا إلى المجد الأثيل بنهضةٍ * عُمريةٍ في صهوة التمجيدِ
ودعوا قواطع لن تزال تريشكم * بسهامها وسناتها المحدودِ
أسفي على الشرف الرفيع تقودُهُ * أيدي الهوى وأشعةُ التقليدِ

ويبدو لي أنّ الشيخ الشرياني كلّف نفسَهُ أنْ يكون صوت المناسبات الرسمية، بقبوله دعوات الحضور وإلقاءِ نصّ شِعريّ فيها وفق تقليد برنامج المناسبات، وإنْ كان لا بأسَ في وجود شِعر المناسبات بغضّ النظر عن ماهية المناسبة، فإنّ الغضاضة أنْ يكون التعبير الشِعري عن هذه المناسبة لا جِدّة فيه ولا دهشة، متراتب متشابه الأفكار قد تكون مقدمة غزلية، والانسياب منها أنْ تكون الحبيبة هي الوطن، والثناء على منجزات العهد الزاهر، وتهنئة أصحاب المناسبة ثم الختام بالصلاة والسلام على النبيّ.
بل إنّ الشيخ الشرياني في تدويناته الوطنية، كان في كثير منها يخصّها بنصٍّ مُستقِل، في حين كان يستثمرُ بعض النصوص ويذكرُ فيها إشارةً لحدثٍ ما، كإشارته للمرسوم السلطاني بإصدار النظام الأساسي بالسلطنة في نصّ (من وحي الفكر) ، حيث قال:
وفي معاني الكتاب الأبيض انفتحت * غرائز الفكرِ، منها إسمُ ديواني
فأكّد الأمرَ قولٌ قاله عُمَرٌ * العدل عصمتُنا مِنْ كل شيطانِ

وفي نصّ “عزٌّ ومجد في رحاب قابوس المعظم” ، يُفردُ الشاعرُ بيتين صريحين إشارةٌ للجامع الأكبر، حينُ أُعلن عن مخطط بنائهِ، وذلك بقولِهِ:
وبوركَ موقعٌ تُبنى عليهِ * بيوتُ الله فاغتنمِ الثوابا
قريبا في محافظةٍ يُنادى * بِحيّ على الفلاحِ لِمَنْ أجابا
بجامِعها المُرجّى عن قريبٍ * به الخيراتُ تنسكبُ انسكابا
يُصلّي فيه خمسةَ عشر ألفٍ * وخمسُ مئينِ، طاب القصدُ طابا

كما نجدُهُ في النص الوطني (عُمان الخير) الذي كتبه بمناسبة العيد الوطني الخامس والعشرين المجيد – كما كتب في عتبةِ النص – يغتنم المناسبة ويُنوِّهُ إلى ما سبقه مِنْ أعيادٍ وطنية، كُللتْ بأعوامٍ مخصّصَةٍ ، أعوام (الشبيبة، الزراعة، الصناعة، الشباب، وعام التراث) ، فيقول فيها:
يا منكرًا عليا عُمان وفضلَها * ما أنتَ إلّا مُنْكِرٌ أو جاحدُ
فصناعةٌ وزراعةٌ وشبيبةٌ * وشبابُنا ثم التراثُ السائدُ
هل حُجّةٌ تكفي بأنّ عمان قد * عنها تقاصرَ نيّرٌ وفراقدُ

ويرصُدُ في نصٍّ آخر المرسومَ السُلطاني الذي صدر بالنظام الأساسي للدولة، ولعله كان واعيًا لأهمية هذا المرسوم، والتنويه له في عنوان النص (التاسيس للنظم السلطانية) ، مع أنه استثمره لاستثذكار منجزاتٍ وطنيةً أخرى، حيث بدأ الاحتفاء به منشدًا بمطلع غزلي مُقتضبْ جدًا:
أبَرْقٌ لاح مِنْ إضمِ * فأشجى رافع العلَمِ
دعوني أرتقي أعلى * مراقي العز والكرمِ
وارفعُ رايةً شمّا * عن التأسيسِ للنُظُمِ
كتاب الأبيضُ استدعى * نوادي اللوح والقلمِ

وفي هذا النص يعودُ الشاعرُ مرّةً أخرى لاستذكار مآثر العهد الزاهر ، منوّها بعام التراث، ومجلس الشورى في قوله:
عُمان الخير يا داري * ويا عزّي وملتزَمي
هنيئًا فيكِ قابوسٌ * يُجلّي حالِكَ الظُلَمِ
أعادَ تُراثكِ الماضي * عليهِ سالفَ الأمَمِ
ووفّر مجلس الشورى * بآراءٍ لكلّ كمي

يونس بن مرهون البوسعيدي

إلى الأعلى