الجمعة 26 مايو 2017 م - ٢٩ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / الوطن العربي بين ناعق بدويلات ومؤسس لويلات

الوطن العربي بين ناعق بدويلات ومؤسس لويلات

علي عقلة عرسان

لم يعد أمام المتابع العربي المتأمل لسير الحوادث وصيرورتها، من ذوي الهم الوطني الخالص والحلم القومي “المَالص” والهمة القعساء، إلا أن يرش الملح على الجرح، ويصبر صبر أيوب، ولا بأس في أن يقف على الديار، شأن شعراء الجاهلية، ينشد رسم “من بانوا” أو من هم على عتبة البينونة من أبناء الأمة العربية .. فالعقل الحاكم والانتماء العربي الصادق اللذان يرتبان المسؤولية تواريا في العتمة أو في الصمت أو غادرا الكثير من المواقع المؤثرة في الدول والقوى والتنظيمات العربية، وفي الطوائف والمذاهب والأعراق وفي سواها من مكونات المجتمع والدولة في بلدان وطننا .. واستجد عصر لـ”ملوك الطوائف” والمذاهب والأعراق في مشرق الوطن العربي على الخصوص، ليصنع كل فريق من القطر أو الدولة وطنًا ودولًا، ويسعى لكسب رضا اللاعب المحرك للأنفس والأذرع، المهيمن على الإرادات والقرارات والتوجهات، الفاعل لما يريد في الساحة العربية عبر أدواته وعملائه والمرتبطين به مصيريًّا أو تطلعًا لموقع .. هو الأميركي والإسرائيلي والغرب الاستعماري وغير أولئك من قوى عالمية تصطرع على النفوذ والهيمنة والمصالح العالمية في أرضنا، وتكتب استراتيجياتها وانتصاراتها وهزائمها بدمنا، وتأخذ منا تكاليف قتلنا ودفننا.. إلخ، وتتنافس على دور أكبر يمكنها من محو عروبتنا وإسلامنا، وحشرنا في مصائد الموت بما لا يقبل خروجًا منها .. ها قد أصبحنا قبائل ما قبل داحس والغبراء، وأصبح كل وجه من وجوه “عصر الطوائف والأعراق والمذاهب” في أرض العرب والمسلمين اليوم واجهة للجهة التي تحتضنه وتحرضه على أخيه أو ذاك الذي “كان” أخاه، وهو منتشٍ يتنمر وهو يخوض في دم أخيه وعرضه أخيه بينما يسلم لتلك القوى أمره وقياده، ويشكرها راكعًا وساجدًا إن هي رضيت عنه وأبقته ممسحة بيدها، وستارًا لأطماعها تسدله أمام العميان ليرى كل منهم سواد الليل إن لم يقرأ بياض مستقبله في وجوه أعدائه وإن لم تبرق أسنانهم بانفراج شفاههم عن ابتسامات الرضا عنه والتشجيع له؟!
هناك من أبناء وطننا، من المواطنين الذين نحن وإياهم في دولة واحدة موحدة تسعى لتحرير أرضها وإنسانها من الاحتلال والاستعمار الحديث بأشكاله ومن أشكال الطغيان والظلم والقهر والتمييز المستجد على شعبنا.. هناك منهم اليوم من يتباهى بأنه على علاقة أكثر من طيبة مع “إسرائيل” والولايات المتحدة الأميركية وبعض دول الجوار، وأن تلك الدول وعلى رأسها “إسرائيل” ستعترف بدولته التي سيعلن عن إقامتها بعد وقت قصير جدًّا وبأسرع ما يتصور الكثيرون، بعد أن حرر “ثرواته” من الوطن الذي ينتمي إليه؟! وهناك من يندفع بقذائف سياسية ومالية وإعلامية أميركية ليشكل دويلات على حساب الدولة وأحزابًا سترث الدولة، وهناك تحالفات تُصنع وهدفها اقتسام تركة “العربي المريض”: الأرض والطاقة النفطية والثروات والأسواق والأموال والمواقع الاستراتيجية .. وحتى الرؤوس والعمائم.. إلخ.. وأن الأميركيين يدعمون أحلام أولئك وسيمكنونهم من تحقيق ما يريدون لأن ذلك سيساعدهم على قلب الطاولة بوجه من ينافسهم في المنطقة ممن يقيم تحالفات مع بعض دولها وأبنائها ليصل إلى المياه الدافئة ويتوطَّن فيها، ويصبح له نفوذ مباشر على الممرات المائية الحيوية في المنطقة.. إلخ.
لقد استنسر البغاث في أرض العرب، وارتفع صوت البوم ينشر في أرجائها الشؤم، فنحن في الوطن العربي ناعق بدويلات ومؤسس لويلات .. فلم يعد قلب على قلب، وعيش يفرح فيه المرء بأخيه وحبيبته التي تؤويه، ولم يعد على الدوح بلابل، ولا في الحقول زرع، ولا في البوادي ضرع.. البيوت مثل أهلها خراب ولم يعد لها ولا فيها أمن ولا آمن، وكثير من الأنفس جافاها الخير وجافته لطول العقم وتراكم الغم.. معظم الحكام مشغولون بالبقاء في الحكم، ولم يعد العدل أساس الحكم كما تقول القاعدة الشرعية ـ الأخلاقية ـ القانونية الصحيحة، بل “الظلم من شيم النفوس”، ومن لا يبطش البطشة الكبرى بمن يناوئه يبطش به من يناوئه، فلا قانون يحكم ولا عقل ينهى .. وحين يرتعد الحاكم من هول ما قد يصيبه جراء حد السيف بالسيف، يبطش بمن عداه ومن ولاه لأن الخوف يصور له الناس أعداء في خضم تزلزل الثقة .. ولا يعود الشغل الأول لمن بيده الأمر أن يحمي الشعب ووحدة البلاد وصد المعتدين في الداخل والخارج، بل حماية ذاته وحكمه من الداخل والخارج بوصفهم أعداء على قم المساواة .. ولمَ ينشغل في تأمين البلاد وأبسط متطلبات العيش لأناس يرى أنهم لا يحمونه من “تكالب البعض عليه؟! إنه في المأزق، إذن فليكن المأزق شاملًا وليكن ما يكون؟! .. تلك حال توصل البلاد والعباد إلى كل حال من الاضمحلال، وهي الهول قبل أن تكون المعارك الشريفة هولًا.
وصناجة العرب اليوم ليس كصناجتها بالأمس، إذ ليس لهم من الأدب نصيب، ولا من الحكمة والمروءة والشهامة ذرة أو جزيء من الذرة، ولا هم الشعراء ولا البغاء ولا العقلاء ولا من ذوي الهمم وحَمَلة القيم والقائمين بمسؤوليات الرجال القمم، بل هم بين الناعق في بوق الفتنة، المحرض للسنة على الشيعة وللشيعة على السنة، وبين المطبِّل لحاكم يدفع ويرفع، فيراه أولًا أو يضعه فوق الأول من خلال رؤيا، ومن ثم يضع الشعب، وثالثًا يضع الله ـ جل الله ـ هذا إذا وجد له في ثالثًا مكانًا أصلًا .. رأس مال صنَّاجة العرب اليوم لسان منفلت من الضمير والعقل والمسؤولية ومن المعرفة بكل ما يبني ويرسخ البنيان في البلدان ويحيي الناس ويقيم العدل، وذاك بنيان الإنسان قبل كل شيء وبعد كل شيء .. وأدواته كل أداة باستباحة شاملة مغطاة إما من المسؤولين أو من منافسيهم الذين بينهم وبينهم عداوات وتشغلهم الثارات قبل الأوطان والحقائق والمؤسسات، والصناجة “كسِّب” ويعرف من أين تؤكل الكتف، ويغير مواقفه وكلامه كلما لاح له برق من ديمة تمطر ذهبًا .. والبؤس الأدهى من كل بؤس أن الأسواق المفتوحة لصناجة اليوم ولمن يقتنيهم من كل المستويات .. لا تغلق في عطلة أو عيد، ولا في ليل أو نهار، ولها تحكمها قيمة وليس لها معيار .. ولا رقيب عليها ولا حسيب، ورأس قواعدها ومقوماتها القدرة على فعل كل شيء بلا روادع من أي نوع.
وأصبح الدين الذي يُفترَض أنه المانع من الإثم والعدوان والظلم والضلال، وأنه الجامع الأقوى من كل جامع وصلة وقربى بين أتباعه، والحامل لآيات التسامح وأبعاد الحرية والعدل والمساواة، ولكل معطى من معطيات الحكمة والقيمة الخُلقية والروحية والإنسانية .. أصبح مستند الجهَّال والفتاك والمرتزقة إلى الفتنة والضلال والاقتتال، فقد قدَّمه بعضهم وفسره ومارسه مفرِّقًا للصف والكلمة، مضعِفًا للأمة ومشوهًا للعقيدة، بل وموجبًا لذبح المختلِف وممارسة الفحش وهتك الأعراض وإحراق الزرع وتجفيف الضرع .. وموجبًا لتفرق أتباعه على المذاهب “أتباعًا لأشخاص وليس للكتاب وسنة الرسول عليه الصلاة والسلام” ومسببًا لتطرفهم في التعصب لما يفهمون منه استنادًا إليها وهي في أحسن الحالات اجتهاد على نص أو اقتداء بسلوك، يثاب صاحبهما إن أخطأ ولا يوجب اجتهاده الاتباع والتطرف إلى الحد الذي يراق معه الدم وترتكب الكبائر..؟! وكثير من ذلك يجري من دون التفكير بضرورة العودة الواعية إلى المرجعيتين الأم: كتاب الله وسنة رسول الله، ومن دون إيمان عميق ودراية فقهية حاكمة للسلوك والفعل والفكر، بأن الإسلام رسالة سماوية ـ إنسانية شاملة تعلي مكانة القيم ومكارم الأخلاق والروح التي حرم الله والإنسان المستّهدف بالرسالات الإلهية، وأن الإسلام للناس كافة، ورحمة من رب العالمين. لم تكن المذاهب في عهد الرسول ولا في عهد الخلفاء الراشدين، وكانت سنة رسول الله هي المتبعة من دون خلاف أو نقض أو اجتهاد هدام، ولم تكن التفرقة تحظى بتأييد ولا بدعاة، وقد دفنها الرسول “صلى الله عليه وسلم” في رفضه الصلاة في مسجد بالمدينة المنورة رأى أنه بني للتفريق بين المسلمين أو أنه سيؤسس لذلك .. وكان الناس يعودون فيما يختلفون فيه إلى ذوي العلم والفقه والفهم من المؤمنين .. أما الذين يريدون اليوم أن يوردونا مورد المهالك بحجة المذاهب فهم يخرجون بالإسلام الصحيح عن مساره ليزجوا به وبنا في الجحيم وبؤس العصر، وليقتادوا الناس إلى حيث لا دين ولا قيم ولا رحمة ولا تسامح ولا حياة ولا كرامة.
نحن اليوم أمام شعب تفتت فئاتٍ وأحزابًا وتنظيمات في أقطار، ويقتتل حد التدمير والإفناء وتوريث للأحقاد لمن يسلم من الأبناء، وأمام حكومات تدافع عن وجودها كأنه أصل الوجود، واضعة ذلك الوجود فوق وجود الدولة ذاتها بمكوناتها التي أساسها الشعب والأرض، ومقدَّمًا عليها .. وأمام دول تتشظَّى أو تكاد ويتهيأ الاستعمار للإجهاض عليها ولإعادة احتلالها، وأمام حكام يخوضون في دماء شعوبهم حتى الركب وهمًا منهم بأنهم يبنون ويحررون ويصونون .. يقاتلون باسم الوطن والشعب معارضات تقاتلهم باسم الوطن والشعب، وهي مرتهَنة لأعداء الأمة ولا تمثل إلا واجهات لمن يرتهنها، وهم أصبحوا مرتهنين لذلك الارتهان ولغيره ممن يضطرون إليه فيصبح ارتهانًا للوطن والشهب؟! .. وأمام إرهاب أعمى يكتسح وجودنا الذي اكتسحه ويكتسحه الظلم والطغيان والقهر والتمييز وأطماع قصار النظر من القاصرين، وفساد الحكم وسياسات الحكام التي لم تحم الشعوب ولم تنقذ الأوطان، والإرهاب بأفعاله وإجرامه يقدم الذرائع لمن يستثمرون فيه ويريدون من خلف استثماراتهم في الإرهاب تبديد وجود الأمة وهم أعداؤها التاريخيون وأعداء الهوية والعروبة والدين .. وكل أولئك الشركاء في الإثم والدم والهدم والقتل .. يخدمون عدو الأمتين العربية والإسلامية وعدو الدين/الإسلام، سواء أوعوا ذلك أم لم يعوه، قصدوه أم لم يقصدوه .. وذلك العدو التاريخي هو ومن تجمعهم معه صراعات المصالح والسياسات المهيمنة .. هم من يسخرون المتقاتلين جميعًا ويستفيدون من جاهليتهم وخبلهم وغيبوبتهم عن الوعي الوطني والقومي والديني والثقافي، واستغراقهم في الجهل والحقد ليلقي بهم جميعًا إلى التهلكة وينفذ مخططاته واستراتيجياته .. وأولئك الموجِّهون المستثمرون في تدميرنا وموتنا هم من يقبض منا ثمن القتل والدفن وإقامة الصلوات على الأموات في كل فعل يحرضون عليه أو يوحون به أو يقومون بتنفيذه “حرصًا على حياتنا”؟! .. إنهم هم أعداء العروبة والإسلام، إنهم: “الصهيوني الإسرائيلي والأميركي الشمالي، والغرب الاستعماري، وكل من يدخل هذه الحرب/ الكارثة في سوريا والعراق وليبيا وفي غيرها من بلداننا، أو يثير تلك الحرب ليحقق استراتيجية ومصالح ذاتية، وهيمنة دولية أو سياسات دولية جديدة .. على حساب العرب والمسلمين الذين تتفتت أوطانهم، وتشرد جموعهم في أركان الأرض، وتسيل دماؤهم، ويُدمر عمرانهم، ويذوقون الذل والموت .. ولكن بأيديهم أيضًا، ومنهم من ينتشي بأنه ينتصر وينصر الدين والخلفاء الراشدين؟! وما أولئك في واقع الأمر إلا من يفتح باب الويلات على أمته وشعبه ووطنه، ومن يضعف الدين، ولا يرضي راشدًا .. فكيف به يرضي الخلفاء الراشدين ويقيم أسس الأخلاق والدين/ الإسلام على أسس وهو فاقد لكل أسس الحق والعدل؟!
تلك حالة ينبغي على من تبقى من الأمتين العربية والإسلامية بخير، مالكًا لعقله ودينه، حافظًا لروحه وقيمه وانتمائه، عارفًا لواجبه وقدره وقدرته على فعل الخير ودرء الشر .. أن يعمل على الخلاص منها .. وذلك بوقف التجييش والتهييج والتحريض ونزف الدم، ولجم الفتنة، ومنع التمزيق والتفتيت، والدعوة إلى المصالحة من دون ظلم أو جور، والوقوف صفًّا قويًّا واحدًا بوعي في وجه الطغاة والبغاة والغلاة والمتطرفين والمرتهنين لغير دينهم وأمتهم وأوطانهم من تجار السياسة والنضال والثقافة والإعلام، وبوجه من صناجة العرب اليوم بأنواعهم وأساليبهم لكي تقوم للعدل والقيم والمبادئ والدين الحق بيننا قوائم ثابتة وراسخة وفاعلة بحق وعلى الحق .. فقد طمى الخطب أكثر مما وصف الشاعر إبراهيم اليازجي الذي قال:
تنبهوا واستفيقوا أيها العرب .. فقد طمى الخطب حتى غاصت الركب
خلوا التعصب عنكم واستووا عصبًا .. على الوئام ودفع الظلم تعتصب
هذا الذي قد رمى بالضعف قوتكم .. وغادر الشمل منكم وهو منشعب
وسلط الجور في أقطاركم فغدت .. وأرضها دون أقطار الملا خرب

إلى الأعلى