الإثنين 20 نوفمبر 2017 م - ٢ ربيع الثاني ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / شراع : القطبة المخفية في السيطرة المتزامنة على كركوك والرقة

شراع : القطبة المخفية في السيطرة المتزامنة على كركوك والرقة

خميس التوبي

في ظل تطورات الأوضاع الأخيرة تبرز جغرافيا المنطقة وكأنها رقعة شطرنج، ويبرز معها الأميركي ومعسكره محاولًا استخدام ذكائه في نقلاته لبيادقه نحو محاصرة المعسكر الخصم، أملًا في تحقيق الانتصار وإنجاز مشروعه التخريبي والتدميري، الذي يتمثل في رسم معادلة جديدة جوهرها العبث بالجغرافيا، مترافقًا معه العبث بالبناء الإنساني القائم على العقائد والأعراق والطوائف والمذاهب الدينية، وفقًا لقاعدته الجديدة “مزق وفرق تسد”، وذلك لتمكين المستعمرة الكبرى في المنطقة المسماة “إسرائيل” لتبقى على الدوام الغدة السرطانية التي تستشري وتتمدد وتستفحل في جسد المنطقة، محدِثةً فيه شللًا كاملًا.
هذه الرقعة الشطرنجية للمنطقة تبدو بوضوح تام على الجغرافيا العراقية ـ السورية من خلال النقلات لبيادق المعسكر الأميركي المتمثلة في التنظيمات الإرهابية وفي مقدمتها تنظيم “داعش”، وكذلك المتمثلة في بعض المكونات الاجتماعية التي استطاع هذا المعسكر أن يوجد منها رموزًا للخيانة والتمرد، ويجعل منها رمحًا مُوجَّهًا إلى نحر الوطن الأُم.
لا بد للمتابع للأحداث بدقة في العراق وتحديدًا في مدينة كركوك وفي مدينة الرقة السورية، أنه قد لاحظ المعسكر الأميركي وهو يجري حركة النقل لبيادقه بصورة لافتة، فليس من قبيل المصادفة أن يعقب إعلان المعسكر الأميركي سقوط مدينة الرقة من أيدي تنظيم “داعش” الإرهابي مباشرة بعد سيطرة القوات العراقية الاتحادية والقوات الرديفة على مدينة كركوك والسيطرة على حقول النفط الرئيسية في المدينة.
السقوط السريع لمدينة الرقة في أيدي ما يسمى ميليشيات “سوريا الديمقراطية” الانفصالية جاء مخالفًا للتأكيدات الواردة من المدينة وعلى لسان مسؤولي المعسكر الأميركي ذاته بأن ثمة صعوبة ومقاومة تواجههما ميليشياته الانفصالية مع تنظيم “داعش” الإرهابي، في حين أن تقديراتهم الزمنية لطرد التنظيم منها ذهبت إلى مدى زمني أبعد بكثير؛ أي أنه لا يتساوى مع الزمن الذي تمكنت خلاله القوات العراقية الاتحادية من السيطرة على كركوك، مايعيد هذا السقوط السريع تأكيد العلاقة العضوية، وعلاقة الأبوة والأمومة القائمة بين المعسكر الأميركي والتنظيمات الإرهابية وخاصة تنظيمي “داعش والنصرة”، وأن هذه التنظيمات إلى جانب قوى الخيانة والتمرد التابعة للمعسكر الأميركي، سواء كانت مسماةً أميركيًّا “معارضة” أو “محارِبةً للإرهاب”ماهي سوى جيوش تقود بالوكالة حرب العبث بالجغرافيا والتقسيم الطائفي والديني معها في العراق وسوريا.
من الواضح أن المعسكر الأميركي أراد أن يتدارك سريعًا فشل انفصال كردستان العراق بعدما رأى المفعول الإيراني والعراقي الكبير لدى حزب الاتحاد الوطني الكردستاني الذي يتزعمه الرئيس الراحل جلال الطالباني، في توجيهه ضربة قاصمة لتوجهات الانفصال التي يقودها مسعود البرزاني تلبية لإرادة أسياده الصهاينة والأميركان، وذلك عبر انسحاب قوات البشمرجة التابعة لحزب الاتحاد الوطني من مدينة كركوك وتسليم مواقعهم للقوات الاتحادية العراقية، ما وجه ضربة لأحلام الانفصال البرزانية ـ الصهيو ـ أميركية بسقوط “محفظة النقود” المتمثلة في حقول النفط بكركوك، وهي ضربة أوجعت البرزاني ومواليه فجعلتهم يتهمون حزب الاتحاد الوطني بـ”الخيانة”. هذه النقلة التي نجح فيها الإيرانيون والعراقيون عبر حزب الاتحاد الوطني قابَلَتها نقلة من المعسكر الأميركي في سوريا، حيث جاءت الأوامر من هذا المعسكر لفلول تنظيم “داعش” بإخلاء مدينة الرقة وتسليمها لميليشيات الانفصال المسماة اختصارًا بـ”قسد”. وهو ما أثار علامات استفهام ودهشة واستغرابًا لدى الكثير من المتابعين عن هذه السرعة التي سقطت بها مدينة الرقة، رغم تأكيدات الصعوبة وطول المواجهة مع تنظيم “داعش” الإرهابي؟ وأين ذهبت فلول التنظيم الإرهابي؟ هل تبخرت؟
إن القطبة المخفية في السقوط المتزامن للمدينتين (كركوك والرقة) يمكن استنتاجها من تعقيب الرئيس الأميركي دونالد ترامب على سقوط مدينة الرقة بأن تحريرها من “داعش” سيشكل “نقطة تحول هامة” في الحرب على التنظيم، وأن”قوات سوريا الديمقراطية “شريكتنا في الحرب ضد تنظيم داعش، انتزعت بنجاح السيطرة على مدينة الرقة التي أعلنها التنظيم الإرهابي عاصمة له”، مضيفًا “قواتنا قامت نتيجة للعمل المشترك بتحرير المدينة بالكامل من داعش”. في تقديري أن ترامب حين يقول إن سقوط الرقة هو نقطة مهمة في الحرب على التنظيم، فهو لا يقصد التنظيم وإنما يقصد الدولتين السورية والعراقية بالنظر إلى الاعتبارات المتأتية من سيطرة بغداد على كركوك، وسيطرة واشنطن على الرقة، والمتمثلة في العلاقة العضوية بين المعسكر الأميركي وتنظيم “داعش” التي نتج عنها عملية تسليم وتسلم لمدينة الرقة، والعلاقة الجديدة بين هذا المعسكر والتنظيم وبين الأكراد ذوي نزعة الخيانة والتمرد والانفصال الذين وصفهم ترامب بالشركاء؛ أي أن النقلة القادمة التي يعتزم المعسكر الأميركي إجراءها هي تأجيج الصراع والمواجهة بين الجيشين العراقي والسوري وبين ميليشيات الانفصال الكردية وفلول “داعش” الإرهابي، وما استخدام ميليشيات مسعود البرزاني ضد القوات العراقية الاتحادية صواريخ ألمانية يفترض استخدامها لقتال “داعش”، وكذلك رفع صورة عبدالله أوجلان في ميدان مدينة الرقة وإعلان ميليشيات “قسد” الانفصالية إدارة المدينة خارج سلطة الدولة السورية، إلا دليل على ذلك، وما يعزز هذا الدليل أيضًا التسليح الأميركي ـ الإسرائيلي النوعي، سواء للميليشيات الانفصالية الكردية أو لـ “داعش”.

khamisaltobi@yahoo.com

إلى الأعلى