الإثنين 20 نوفمبر 2017 م - ٢ ربيع الثاني ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / الفراغ الجيوسياسي في منطقة الشرق الأوسط “الميراث النهائي للهيمنة الأميركية”

الفراغ الجيوسياسي في منطقة الشرق الأوسط “الميراث النهائي للهيمنة الأميركية”

محمد بن سعيد الفطيسي

”.. كأننا نعيش اليوم على مسرح اشبه بذلك الذي عايشته رقعة الشطرنج العالمية في الفترة التي اعقبت انهيار الاتحاد السوفيتي مع بدايات العقد التاسع من القرن 20. ولكن في ظل بعض اللاعبين الجدد. حيث تتراجع امبراطورية عظمى أو تنهار أو تنسحب لتخلف وراءها مساحة شاغرة من السيادة والقوة والنفوذ والسلطة, وكذلك من الفوضى والصراعات العابرة للحدود الوطنية. ”
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
بالتوازي مع تراجع الدور المحوري والمركزي للولايات المتحدة الاميركية منذ العام 2001م في منطقة الشرق الأوسط بوجه خاص, ورقعة الشطرنج الدولية بوجه عام, تتوسع مساحة وهوة الفراغ الجيوسياسي الذي تخلفه وراءها كل يوم. صحيح ان الولايات المتحدة الاميركية ستبقى القوة رقم واحد لعقد او عقدين من الزمن على اقل تقدير باعتقادي. الا ان ذلك لن يحدث بكل هدوء وسهولة ويسر. فأقل ما يمكن ان يقال في هذا السياق ان ذلك التراجع سيخلف وراءه كومة كبيرة جدا من القش اليابس. محاطة بعشرات من اعواد الكبريت في منطقة جغرافية تعد من اكثر مناطق العالم فوضى وتعقيدا وسخونة واشتعالا.
كما ان ذلك التراجع ومن جهة اخرى لا يعني ان الولايات المتحدة الاميركية ستترك الساحة الدولية لغيرها بشكل نهائي او انها ستعترف بضعفها من خلال تصرفات وسلوكيات سياسية على ارض الواقع. بل على العكس من ذلك, حيث ان ادراكها لتلك الحقيقة الحتمية سيدفعها إلى التمسك بكل حزم بما تبقى لها من وقت, وستقاتل بكل قوة للحافظة على ما سيتبقى لها من نفوذ, وبمعنى اخر. انها تعي هذه الحتمية التاريخية وستعمل وفقها. ما سيدفعها إلى اختيار من ستتقاسم معهم الهيمنة والنفوذ والسلطة والقوة من بين القوى القائمة على التشكل والبروز على رقعة الشطرنج الدولية كل في مساحته الجغرافية . وبالتالي فإن تفهم الولايات المتحدة الاميركية لتراجع دورها يقصد به انها ستستمر في صراع البقاء المتوازن , بين خليط من توزيع الادوار بين اعدائها وحلفائها, والتمسك بالهيمنة الى اخر نفس لديها.
وكأننا نعيش اليوم على مسرح اشبه بذلك الذي عايشته رقعة الشطرنج العالمية في الفترة التي اعقبت انهيار الاتحاد السوفيتي مع بدايات العقد التاسع من القرن 20. ولكن في ظل بعض اللاعبين الجدد. حيث تتراجع امبراطورية عظمى او تنهار او تنسحب لتخلف وراءها مساحة شاغرة من السيادة والقوة والنفوذ والسلطة, وكذلك من الفوضى والصراعات العابرة للحدود الوطنية. ما يدفع بدوره قوى اخرى إلى النشاط والتحرك ومحاولة ملء ذلك الفراغ الجيوبوليتيكي بشكل طبيعي. ومن هنا تبدا اشد الاوقات التاريخية خطورة وانتهاك للاستقرار والامن والسلام العالمي. حيث يندفع الجميع ضد الجميع . في صراع على بقايا ذلك التراجع والانسحاب الحتمي. ما سيترتب عليه ولادة قوى جديدة سيكون حجمها بقدر ما ستتمكن من الحصول عليه من ميراث الهيمنة الاميركية.
فالهيمنة الامبراطورية الاميركية كانت وما زالت حتى يومنا هذا احدى الحقائق السياسية الكبرى التي شكلتها الظروف والمتغيرات الجيوسياسية المعاصرة, بل واكثر من ذلك حيث يجادل وزير الخارجية الفرنسية الاسبق “1999″ هيوبير فيدرين بان: الولايات المتحدة الاميركية قد تجاوزت مكانتها كقوة عظمى للقرن الحادي والعشرين. فليس لأحد بما في ذلك اميركا نفسها خيار في هذه المسألة . فإنه ومن ناحية حتمية اخرى كذلك, وكما يؤكد ذلك زبغينو بريجنسكي قائلا : ( بان الولايات المتحدة الاميركية ستعرض وجودها الخاص للخطر عندما تقرر بطريقة ما – كما فعلت الصين منذ اكثر من خمس مئة عام – الانسحاب فجأة من العالم, لأنها خلافا للصين, لن تكون قادرة على عزل نفسها عن الفوضى العالمية التي ستعقب ذلك الانسحاب مباشرة, ولكن كما هو حال الحياة . كذلك الشؤون السياسية, يوم ما, سيشرف كل شيء على الزوال. والهيمنة ما هي الا مرحلة تاريخية عابرة, سوف تتلاشى السيطرة العالمية لأميركا , لذلك فمن غير المبكر جدا على الاميركيين السعي الى تحديد شكل الميراث النهائي لهيمنتهم , بل تتعلق الخيارات الحقيقية بالكيفية التي يجب على اميركا ان تمارس هيمنتها وفقها , وكيف يمكن تقاسم هذه الهيمنة, ومع من ؟ والى أي اهداف نهائية ينبغي تكريسها؟)
فإذا ما اعتبرنا ان منطقة الشرق الاوسط ما زالت هي قلب العالم السياسي الذي يضخ دماء الحياة والبقاء في شرايين تلك الطموحات العالمية كما هو كائن منذ اكثر من 100 عام, ومنبع اغلب اوهام التحكم والسيطرة والسلطة الدولية. فإن ذلك الاعتبار سيجعلنا نؤكد من جديد بأن الجغرافيا السياسية لمنطقة الشرق الاوسط ستكون البقعة الجغرافية الكبرى المؤهلة لتصبح المسرح المتجدد لذلك الصراع الجيواستراتيجي الذي سيتم التنافس فيه على شواغر من السيادة الواهمة ومحاولات السيطرة غير المسبوقة بين قوى من مختلف الاحجام والاشكال والتوجهات. بهدف ملء ذلك الفراغ المتزايد كل عام بسبب تراجع المركزية الاميركية في القرن 21. وبمعنى اخر, ان الشرق الاوسط سيكون اخر تركة . والميراث الاكبر للهيمنة الاميركية الذي ستخلفه وراءها .
الأمر الذي سيؤدي بدوره إلى حدوث العديد من النزاعات السياسية والمواجهات العسكرية , والكثير من التدخلات في شؤون الدول الداخلية والانتهاكات الانسانية والحقوقية على رقعة الشطرنج الشرق اوسطية في تلك اللحظات التاريخية, كنتيجة طبيعية لذلك الصراع والتنافس على السيادة والسلطة والقوة والنفوذ بين دول امبراطورية ” الولايات المتحدة الاميركية وروسيا” واخرى قارية ” الصين , الهند , الباكستان, تركيا , ايران ” وقوى اقليمية ” بعض الدول العربية والخليجية وكذلك المستعمرة الاسرائيلية الكبرى ” . في نظام عالمي لم يعهده العالم من قبل. اقرب ما يكون الى نظام هجين متشكل من خليط غير متجانس من القوى الصغرى المتمردة على النظام العالمي والتي تحاول انتزاع السلطة والنفوذ بطريقة او بأخرى. واخرى غير مستعدة للسيادة الحقيقة, وثالثة تحاول البقاء والاستمرار بين هذه وتلك على اعتبار انها الدول الامبراطورية الكبرى على رقعة الشطرنج العالمية. وهو ما يطلق عليه بنظام حكم الكثرة او البولياركي ـ Polyarchy .
هذا النظام الذي يصفه استاذ التعاون الدولي في قسم العلوم السياسية بجامعة برانديز سيوم براون بأنه سيكون من اكثر الانظمة الدولية (نزوعا للحرب , ليس بسبب لاعبيه ونوعياتهم وجراء تركيبته المتناقضة جذريا مع الاستقطاب فقط, بل لان سرعة تقلبات صداقاته وعداواته تجعل امر تشكيل التحالفات المقنعة وديمومتها امر بالغ الصعوبة , لذا فإن احتمال ردع الحرب اقل ورودا مما في الانظمة القائمة على قدر اكبر من الاستقطاب , وفي غياب شركاء تحالف يعول عليهم , تبقى الامم المنفردة بحاجة إلى ان تستعد للدفاع عن نفسها متحررة في هذه الاثناء , من قيود الحرك الاحادي التي تفرضها العضوية في هذه الأسرة الأمنية الدولية أو تلك ).

محمد بن سعيد الفطيسي
باحث في الشؤون السياسية والعلاقات الدولية رئيس تحرير مجلة السياسي – المعهد العربي للبحوث والدراسات الاستراتيجية azzammohd@hotmail.com

إلى الأعلى