الأربعاء 24 مايو 2017 م - ٢٧ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / الإدارة الأميركية: صورة من الداخل

الإدارة الأميركية: صورة من الداخل

أ.د. محمد الدعمي

”ربما يمكن رد “الجعجعة” الإعلامية التي أحيط بها صدور الكتاب أعلاه إلى شجاعة المؤلف في نقده رئيساً أميركيًّا لم يزل عهده متواصلاً، زد على ذلك تناوله بالنقد نائب الرئيس الحالي “جو بايدن”، ناهيك عن هجومه على الكونجرس بسبب انقساماته وإخفاقاته، كما هي منظورة من زاوية عينه.”

لم يُمط روبرت جيتس Robert M. Gates، وزير الدفاع الأميركي السابق، اللثام عن الكثير من الحقائق أو الأسرار الصادمة في كتابه الموسوم (واجب: مذكرات وزير في حرب). بيد أن الضجة التي أحدثها الإعلام الأميركي حول الكتاب وحول مؤلفه إنما ترد إلى ولع هذا الإعلام بالضجيج والأضواء، خاصة وإن ما ورد في الكتاب من حقائق وانطباعات إنما كانت معروفة لدينا وسبق وأن تناولناها في مناسبات عدة، منها مقالات في صحيفة (الوطن) العمانية الغراء.
ربما كمنت أهمية الكتاب على أهمية كاتبه، بوصفه وزيراً مخضرماً للدفاع، إذ إنه خدم بهذا المنصب الخطير في عهدي الرئيس جورج بوش الابن والرئيس أوباما، إذ طلب منه الأخير البقاء في منصبه بعد تسنمه الرئاسة في ولايته الأولى، بالرغم من أنه كان جمهوريًّا وليس من حزب الرئيس الديمقراطي الجديد. وقد طالت خدمته في الدولة عهود ثمانية رؤساء، عمل خلالها في القوة الجوية وفي وكالة المخابرات المركزية الأميركية، زيادة على عمله في مجلس الأمن الوطني.
الطريف، هو أنه الآن يعمل مدرساً في كلية “وليام وماري” معتمداً خبرته الوظيفية وشهادة الدكتوراة التي سبق وأن حاز عليها من جامعة “جورج تاون” في موضوع يتعلق بالاتحاد السوفيتي السابق. والحق، فإن هذا هو ديدن المسؤولين الكبار في الإدارات الأميركية المتعاقبة، وبضمنهم الرؤساء السابقون أحياناً، ذلك أنهم لا يسمحون بهدر خبراتهم ومعارفهم وتجاربهم، بقدر ما يحرصون كل الحرص على تقديمها للطلاب والباحثين الجدد على سبيل تراكم المعارف وخلاصات البحث العلمي.
ربما يمكن رد “الجعجعة” الإعلامية التي أحيط بها صدور الكتاب أعلاه إلى شجاعة المؤلف في نقده رئيساً أميركيًّا لم يزل عهده متواصلاً، زد على ذلك تناوله بالنقد نائب الرئيس الحالي “جو بايدن”، ناهيك عن هجومه على الكونجرس بسبب انقساماته وإخفاقاته، كما هي منظورة من زاوية عينه.
في الحال الأولى، لاحظ “جيتس” أن الرئيس أوباما لم يكن متحمساً للحرب في أفغانستان، على عكس سابقه، الرئيس جورج بوش؛ ويعمم الكاتب ذات الخلاصة حول الحرب في العراق، زد على ذلك نقده لعدم تعاون الكونجرس مع متطلبات القوات المسلحة درجة أنه شعر بخذلان الكونجرس للقوات المسلحة. ويخرج جيتس بانطباع عدم تحمس الرئيس أوباما للحرب في أفغانستان بسبب ضغطه الواضح المعالم على فكرة طي صفحتها، وكأنها خطأ لسابقه، بوش، لا يرنو هو إلى تحمل أوزاره. وقد أوضح المؤلف بأن ضعف اندفاع الرئيس لهذه الحرب وسواها إنما ترك آثاراً نفسية على آلاف الجنود المنتشرين هناك وفي العراق، بمعنى أن الرئيس أوباما قد خاطر بأرواح هذه الآلاف من المجندين والمجندات الأميركان، باعتبار انه لم يكن يصر على فكرة وجوب “إنهاء المهمة” كاملة والخروج منتصرين. هذا ما لم يحدث، وخطورته أن الجنود في الميدان حالما يشعرون بأن قائدهم الأعلى غير متحمس بما فيه الكفاية، إنما يضعفون معنويًّا ويفقدون الإصرار على النصر.
أما في الحال الثانية، فقد وجد المؤلف نائب الرئيس، جو بايدن، رجلاً تنقصه ذات الحماسة للحربين في العراق وأفغانستان، زد على ذلك ملاحظة المؤلف نقاط ضعف أخرى في أداء بايدن، الأمر الذي أتاح له الفرصة لامتداح هيلاري كلينتون التي كانت معاصرته في وزارة الخارجية، إذ يقول أنها إمرأة قوية وتمتلك قسطاً كبيراً من الحكمة وبعد النظر، وهما ما يؤهلانها لتجربة حظها في السباق الرئاسي عام 2016.
والطريف، أن مقدمة أحد البرامج التي قامت بأول مقابلة مع المؤلف بعد صدور الكتاب، قد سألته هل توافق لو عرضت عليك وظيفة مهمة كالسابق، فأجابها أنه ما كان ليصدر هذا الكتاب المشحون بنقد الإدارة الأميركية، لو أنه كان يفكر بوظيفة جديدة. هو لم يكن سعيداً قط طوال فترة خدمته وزيراً للدفاع، بينما هو ينعم الآن بالسعادة في بيت ريفي هادئ بواشنطن، الولاية، أبعد ما يكون عن تعقيدات وعقد واشنطن، العاصمة.

إلى الأعلى