الثلاثاء 21 نوفمبر 2017 م - ٣ ربيع الثاني ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / لا وقت للمساءلة .. الأهم الثأر من قتلة الجنود المصريين في الواحات

لا وقت للمساءلة .. الأهم الثأر من قتلة الجنود المصريين في الواحات

محمد عبد الصادق

” يمكن أن نختلف مع الحكومة أو النظام في أي موضوع سواء كان له علاقة بالأداء السياسي أو الاقتصادي أو السياسات الداخلية أو الخارجية, باستثناء قضية الإرهاب التي يجب أن نتوحد جميعا حكومة ومعارضة وشعبا في مواجهتها, وأن تتوقف الرسائل السلبية المحبطة لجنود الجيش والشرطة في حربهم المستعرة ضد قوى الظلام والإرهاب, يجب تأجيل خطاب الإحباط و”تكسير المجاديف” والتشفي، ”
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

يبدو أن مصر مرشحة لدفع ثمن سقوط “داعش” في سوريا والعراق واستقبال فلول الجماعات الإرهابية الهاربة من معاقل التنظيم في الرقة والموصل, فلم يكد يُعلن عن طرد داعش من الرقة على يد ما يسمى (قوات سوريا الديمقراطية) التي تقودها أميركا وعدم العثور على أثر لمقاتلي داعش أو جثث لقتلاه وأنباء عن خروج المقاتلين أحياء لمناطق أخرى, حتى ازدادت وتيرة الأعمال الإرهابية الموجهة ضد الجيش والشرطة في مصر, استغلت الجماعات الإرهابية حالة الفوضى في ليبيا ليخترقوا الحدود الغربية لمصر التي يزيد طولها عن الألف وثلاثمائة كيلو متر, والمليئة بالكهوف والمغارات والصحاري الشاسعة في الوصول إلى تخوم العاصمة بمنطقة الواحات البحرية التي تكررت فيها العمليات الإرهابية على مدار السنوات الماضية , وارتكبوا الحادث المفجع الذي راح ضحيته أكثر من 17 ضابطا وجنديا وإصابة العشرات وهناك شائعات عن وقوع أسرى من قوات الأمن في أيدي الإرهابيين.
حالة من التعتيم والارتباك الإعلامي والإدارة “المتلبكة” للأزمة, رافقت هذه العملية الإرهابية فقد تأخر بيان وزارة الداخلية أكثر من 24ساعة , مما أعطى الفرصة لانتشار الشائعات والمعلومات المغلوطة على المواقع الإلكترونية وشبكات التواصل الاجتماعي, وللأسف دفع هذا الغموض بعض وكالات الأنباء العالمية ومحطات إخبارية شهيرة للسير خلف التكهنات , حتى أوصلوا عدد القتلى إلى 55 ومئات الجرحي والأسرى, وراحت بعض المواقع تنشر تسجيلات صوتية لجنود يستغيثون, ووقع إعلاميون محسوبون على السلطة في فخاخ هذه المواقع وأعادوا نشر التسجيلات المسيئة للشرطة والمحبطة لمعنويات الجنود في وقت لازالت فيه الاشتباكات مستمرة بين قوات الجيش والشرطة لتعقب الجناة في موقع الحادث.
بداية القصة طبقا لبيان وزارة الداخلية: عندما ألقى جهاز الأمن الوطني “الدولة سابقا” القبض على تشكيل إرهابي في محافظة القليوبية كان يعد لارتكاب تفجيرات داخل مدينة القاهرة , واعترف أفراد التشكيل بوجود معسكر للإرهابيين في منطقة الواحات, وحددوا الموقع وقدموا عنه معلومات كاملة, ولم تشأ قوات الأمن أن تضيع وقتا في دراسة الحالة أو القيام بعملية استطلاع للموقع أو الاستعانة بقوات من الجيش أو طلب غطاء جوي رغبة في تحقيق المفاجأة والنصر السريع .
دفعت أجهزة الشرطة بتشكيل من القوات الخاصة يرافقه رتب كبيرة على غير المعتاد ورجال مباحث وتحركت القوات مع أول خيوط فجر الجمعة الماضية متجهة إلى الكيلو 135 طريق الواحات القريب من محافظتي الجيزة والفيوم, وعقب وصول القوات انقسمت إلى مجموعتين, واحدة انتظرت على الطريق الرئيسي للتأمين. وتحركت الأخرى إلى داخل المنطقة الجبلية بعمق 15كيلو مترا , وهناك كانت العناصر الإرهابية في الانتظار أعلى الجبل وانهالت على قوات الشرطة بقذائف الآربي جي وطلقات الهاون, مما أحدث ارتباكا بين التشكيلات المهاجمة, التي سارعت بالاتصال بقوات التأمين لنجدتها والذين اندفعوا دون ترتيب لنجدة زملائهم , لكنهم فوجئوا بنيران الإرهابيين الذين تحصنوا بمعسكر قوامه أكثر من 100مقاتل يتولى قيادتهم ضابط صاعقة سابق بالجيش المصري لديه خبرة بحروب الصحراء لسابق خدمته في المنطقة الغربية على الحدود مع ليبيا ويحتوي المعسكر على كميات ضخمة من الأسلحة الثقيلة والذخائر ودشم وتحصينات أعلى الجبل, وساعد عدم وجود شبكة اتصالات وانقطاع البث عن أجهزة الثريا في هذه المنطقة النائية في فشل العملية وارتفاع الخسائر وبطء عملية الإنقاذ .
عقب الحادث انتاب معظم المصريين حالة من الحزن والمرارة على استشهاد هذا العدد الكبير من ضباط الشرطة معظمهم في مقتبل العمر وحاصلين على أعلى درجات التدريب والتأهيل في الداخل والخارج , في استمرار لحالة الاستنزاف التي تعيشها مصر منذ سنوات على يد الإرهاب الأسود , ولكن أغلبية المصريين رأى أن دعم الشرطة واجب وطني في هذه اللحظات الصعبة التي تمر بها مصر وأن الضباط والجنود سقطوا من أجل أن ينعم هذا الشعب بالأمن والاستقرار , والواجب يقتضي الترحم عليهم ومساندة ذويهم بكل الطرق الممكنة .
ليس مقبولا التماس المبررات للإرهابيين لارتكاب هذه الجريمة الوحشية, لأن هؤلاء المارقين لا يدافعون عن قضية عادلة ولا يطالبون بتطبيق الحرية أو الديمقراطية ولا التعددية, بل ينتهكون حقوق الإنسان ويكفرون الجميع, بما فيهم أقرانهم المتطرفون, وأن هؤلاء الإرهابيين لو هزموا الدولة وتمكنوا منا فسوف ينكلون بنا جميعا كما حدث في سوريا والعراق وليبيا ؛ من قتل بدون محاكمات واستحلال للأعراض والأموال وحرق الزرع والنسل وتدمير مظاهر الحضارة والتراث و التاريخ الإنساني ونشر الجهل والتخلف والمرض وزرع الخوف في قلوب الجميع .
يمكن أن نختلف مع الحكومة أو النظام في أي موضوع سواء كان له علاقة بالأداء السياسي أو الاقتصادي أو السياسات الداخلية أو الخارجية, باستثناء قضية الإرهاب التي يجب أن نتوحد جميعا حكومة ومعارضة وشعبا في مواجهتها, وأن تتوقف الرسائل السلبية المحبطة لجنود الجيش والشرطة في حربهم المستعرة ضد قوى الظلام والإرهاب, يجب تأجيل خطاب الإحباط و”تكسير المجاديف” والتشفي، فهؤلاء الجنود ليس لهم انتماءات سوى لتراب هذا الوطن, فهم أبناء العمال والفلاحين في الصعيد والدلتا والقاهرة, وواجب علينا تقديم الدعم والمساندة والتضامن مع كل جندي وضابط قدم روحه فداء لهذا الوطن.
لا وقت للحساب ودماء الشهداء لم تجف وغبار المعارك لم يهدأ, فلنعطهم فرصة للثأر لزملائهم لا مجال للحديث عن التقصير ودموع أمهات الضحايا مازالت تسيل, كل ما يمكن عمله هو مناقشة المسؤولين في وزارة الداخلية وسائر الأجهزة الأمنية في كيفية أداء هذه المهمة بأفضل الطرق الممكنة مهما تكلفنا من ميزانيات, علي مجلس النواب استدعاء وزير الداخلية لمعرفة احتياجاته من الدعم المادي واللوجيستي ومحاولة سد النقص إن وجد في مجالات التدريب وتوفير المعدات والأسلحة وأجهزة الاتصال والرؤية الليلية, والتعرف على خططه لسد الثغرات التي يمكن أن ينفذ منها الإرهابيون لينفذوا عملياتهم الإجرامية , حتى لا تتكرر الأخطاء وعمل كل ما من شأنه حماية القوات والاستعانة بالحلول التكنولوجية لكشف تحركات الإرهابيين و التعامل معهم بأقل قدر من الخسائر في الأرواح .

إلى الأعلى