السبت 18 نوفمبر 2017 م - ٢٩ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / المحليات / رحاب : أنت خير مما يظنون

رحاب : أنت خير مما يظنون

أحمد المعشني

في إحدى محاضرات التحفيز صعد متحدث بارع إلى المنصة وفي يده ورقة من فئة العشرين دولارا ثم توجه إلى جمهور غفير اكتظت بهم القاعة وسألهم: من منكم يريد هذه الورقة؟ فرفع الجميع أيديهم، علق على ذلك بقوله سوف أعطيها لأحدكم ولكنني قبل ذلك دعوني أفعل شيئا. لاحظوا ماذا سأفعل! ثم كرمش الورقة النقدية بيده حتى كادت ملامحها أن تختفي ثم قذفها أرضا و داسها بقدمه مرات ثم انحنى والتقطها ورفعها ملوحا بها وسألهم من منكم لا يزال يريدها؟ فرفع الجميع أيديهم. نظر اليهم ثم علق قائلا: لماذا لا تزالون ترغبون في ورقة العشرين دولارا، بالرغم مما فعلت بها؟ وقبل أن يحصل على إجابة من الحضور أجاب قائلا: هل فقدت الورقة قيمتها بالرغم مما فعلت بها؟ طبعا لم تفقد قيمتها؟ بكل تأكيد لا تزال تساوي عشرين دولارا! وهذا هو تماما ما يمكن أن نواجهه في حياتنا من ظروف ومن تحديات ومن تجارب واخفاقات، فكل إنسان معرض للإخفاق أو لفعل خطأ ما أو اتخاذ قرارات فاشلة أو المرور بمطبات وعقبات في حياته تكاد تفقده الشعور بقيمته أو أهميته في الحياة، لكن قيمة الإنسان محفوظة بالرغم مما قد يكتنفه من تقلبات وظروف.
قيمتك أيها الإنسان ليست في بورصة ظروفك، فكل ظرف أو تحدي يضعك الله فيه، اعتبره درسا مفيدا وتجربة تزيدك نضجا وحكمة، لا تتوقف ولا تندب حظك ولا تقارن نفسك بالآخرين، فأنت كائن متميز تستطيع أن تحدث التغيير مهما اكتنف حياتك من مصاعب وتحديات.
ذات مرة نشب جدال بين نادل في مقهى وبين مجموعة من الزبائن كانوا يتحدثون في موضوع ثقافي، وجاء النادل فعلق على كلام أحدهم مبديا رأيه في المسألة التي كانت مثار نقاش، فغضب الزبون واعتبر ذلك انتقاصا من رأيه وتحدث إلى النادل ساخرا: أنت جرسون أم مثقف؟! شعر الجرسون بالإهانة ولم يعلق، واستمر يفكر بقيمته، فقرر أن يفعل شيئا ، فالتحق بفصول محو الأمية وانتظم في الدراسة الذاتية خلال أوقات فراغه ، مرت سنوات وهو يقرأ ويثابر ويكتب ثم تقدم لاختبارات الثانوية العامة، فاجتازها بنجاح، واستمر في عمله كجرسون، وتابع تعليمه وتثقيف نفسه بعصامية مشهودة حتى صار كاتبا روائيا تترجم كتبه إلى لغات العالم، وفي ذات يوم دعي إلى محاضرة عامة، وكان الموقف مثيرا جدا عندما شاهد بين الحضور ذلك الزبون الذي سبق أن أهانه في المقهى، قدم محاضرته بكل اقتدار وحظي بتصفيق مدو، وصافحه الناس وعانقه بعضهم، بينما خرج ذلك الرجل الذي أهانه في هدوء، لكنه ترك حفاوة معجبيه وتعقبه حتى استوقفه وعانقه قائلا: اشكرك من أعماقي، لقد تعلمت من ذلك الموقف أن قيمة الإنسان لا تخضع للظروف التي تكتنف حياته.
في منتصف ستينيات القرن العشرين سافر شاب في مقتبل الشباب من السلطنة إلى الكويت للعمل، فعلم أن إحدى شركات النفط تجري مقابلات توظيف، فانتقل من سيارة أجرة إلى أخرى حتى وصل إلى مكتب توظيف تلك الشركة، فأخبره الموظف الذي يستقبل الطلبات أن يقرأ الوظائف الشاغرة في لوحة الإعلانات، وطبعا لم يستطع أن يقرأ، فخرج من الشركة حزينا محبطا لكنه قرر أن يدرس، فالتحق بفصول محو الأمية، وبعد أن اجتاز الثانوية التحق بالسلك الوظيفي العمومي في إحدى دول الخليج، ثم عاد إلى السلطنة وأسس مشروعه الخاص حتى صار من كبار رجال الأعمال. هل أدركت قيمتك الآن، أنت دائما أكبر مما تظن ومما يعتقد الناس جميعا، لأن الذي يعرف قيمتك الحقيقية هو الله الذي خلقك فسواك فعدلك، و علمك الأسماء كلها وأسجد لك الملائكة.

د. أحمد بن علي المعشني
رئيس مكتب النجاح للتنمية البشرية

إلى الأعلى