السبت 18 نوفمبر 2017 م - ٢٩ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / “أيتام.. ؟!”.. على موائد اللئام

“أيتام.. ؟!”.. على موائد اللئام

علي عقلة عرسان

”.. من الملاحظ ، بشكل صارخ ، إسراع الإدارة الأميركية، التي تقود قوى التحالف، إلى دفع القوات الواقعة تحت سيطرتها ، وإدارتها ، ونفوذها ، وتلك المؤتمرة بأوامرها، في سورية ، لا سيما منطقة شرق الفرات وشماله .. دفعها إلى مناطق وجود الجيش العربي السوري في محافظة دير الزور، لكي تسيطر على حقول النفط هناك، مثل “حقل العمر وغيره من الحقول.”، في تمدّد لتوسيع منطقة النفوذ الأميركي،”

في ملتقى فالداي الأخير، سوتشي ١٩/أكتوبر ٢٠١٧ قال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين:”بدلا من تسوية الوضع بشكل مشترك، والقيام بضرب الإرهاب بشكل حقيقي، وليس محاكاة محاربته، يقوم بعض شركائنا بكل شيء، لكي تكون فوضى في المنطقة – منطقة الشرق الأوسط – مستمرة. يبدو حتى الآن لبعضهم، أنه يمكن التحكم بهذه الفوضى”و”حذر من أن تؤدي مناطق خفض التصعيد إلى تقسيم سوريا، معرباً عن أمله في عدم حدوث ذلك.”. وكان من الواضح الجلي، أنه يقصد الولايات المتحدة الأميركية، بالدرجة الأولى. وفي تصريح له قبل ثلاثة أيام، أبدى وزير الخارجية الروسية لافروف، عدم ارتياحه، بل عبر عن شكوكه، في ما تقوم به الإدارة الأميركية، من تشكيل مجالس محلية، في سورية، على إثر تشكيل مجلس إداري في الرّقة، ومحاولة تغيير الحدود الإدارية للمحافظة، وإدخال مناطق إليها لم تكن ضمن تقسيماتها الإدارية، وعناصر بشرية ليست من ضمن سكانها، وتكوين مجلس إداري فيها، من مكونات منتقاة، حيث وُضعت فيه عناصر من حزب العمال الكردستاني، بما يضمن للكورد السيطرة التامة عليه، في حين أنه لا يوجد في محافظة الرَّقة، ما يقارب نسبة ١٪ من السكان، منهم؟!. و”صادق المجلس التأسيسي، لما يسمى ”النظام الفدرالي ”، على إعادة تقسيم مناطق محافظات شمال، وشمال شرقي سورية، إلى ثلاث «فيدراليات»؟!. في تصرف لا يقره دستور، ولا قانون، ولا يقبله السوريون، ولم توافق عليه الدولة، ولا على “الحكم الذاتي”، الذي يفرضون “باسمه”، ما هو أكثر من سيطرة دولة؟!مؤيَّدين، أو مدفوعين من حلفائهم الأميركيين.
واللافت في هذا الموضوع، مواقف وتصريحات وإعلانات غربية صارخة، وغير مسبوقة، بصدد موضوع الرَّقة، ومستقبلها، هي ومناطق سورية أخرى، يرى التحالف رأياً فيها، ومن ذلك :
١ – إعلان الولايات المتحدة الأميركية، وفرنسا، وبريطانيا، أنها كان لها الدور الأعظم، في تحرير الرَّقة، وذلك على غير العادة، إذ هي وقواتها في الجو وعلى الأرض، تعمل بصمت، باسم التحالف، وخلف لافتة “قسد”؟!وكانت نتيجة ذلك القتال، أو الاقتتال، في الرّقة المنكوبة بالإرهاب، وبمن يحاربون الإرهاب، أن تمَّ تدمير ما نسبته أكثر من ٨٥٪ من عمرانها وبنيتها التحتية، وإذاقة سكانها المدنيين الويلات، وتشريدهم، وإيقاع المئات منهم ضحايا، تحت القصف، وبين نيران المتقاتلين، هذا عدا الجرحى والمعوقين. وقد وصف الوزير لافروف، وضع المدينة المنكوبة، الرَّقة، بقوله:”الرّقة تعرضت لقصف مماثل لما تعرضت له دريسدن من الحلفاء”.. ويقصد ما أصاب مدينة دريسدن الألمانية من دمار، على أيدي الحلفاء، في الحرب العالمية الثانية.
٢ -أشارت فرنسا، إلى أنها فعلت كل ما بوسعها أن تفعله، في الرَّقة.. انتقاماً لضحايا تفجير مساء يوم 13نوفمبر 2015 في باريس: ” مسرح باتاكلان، وشارع بيشا، وشارع أليبار، وشارع دي شارون. في محيط ملعب فرنسا في سان دوني.”، لأنه من من الرَّقة، صدر الأمر بالتفجير. وقدمت فرنسا مساعدة مالية فورية، قيمتها ١٥ مليون يورو. للمساهمة في إعادة إعمار المدينة، بعد التدمير، والمبلغ قدِّم لـ “قسد”، ومن خلالها.
٣ – الاجتماع الذي دعت إليه وزارة الخارجية الأميركية، وحضره ممثلون عن أطراف مانحة، والاتحاد الأوروبي، والمجتمع المدني السوري، إضافة إلى مندوبين من وزارة الخارجية الإيطالية.. لتقديم دعم خاص للرَّقة، ومجلس إدارتها الجديد، مجلس” أوجلان”.. ومن خلال “قسد”أيضاً، إذ لا ذكر لسورية في ذلك، وكأنها خارج الموضوع مسبقاً، وربما لاحقاً؟!.
والطريف الدّال، على ما وصل إليه وضعنا من بؤس حال، وإلى أكثر من ضعيف ومخيف، مما يضيف إلى المأساوي، ما يضيف، مما هو واقع فاجع، وذا دلالات كارثية، لا تقف عند حدود الحاضر، بل تنتشر في عروق المستقبل، وذلك لاتصاله بأفق التفكير، والتدبير، والتطلع، والتوجه، نتيجة لشدة الحال، و”فقدان”المرجع والمآل، أو ضعفهما.. الطريف الدَّال في ذلك، ما قاله، بهذا الصدد، المعترضون على هذا.. حيث أوضح، باسمهم، رئيس «مجلس محافظة الرقة» سعد الشويش، أنهم في المجلس، يرفضون هذا التقسيم، وسيتوجهون إلى دول «التحالف الدولي»، والأمم المتحدة، لدعمهم.. وفي حال فشلت المساعي السياسية،«سيضطرون»لحمل السلاح والدفاع عن مدنهم. وأوضح المتحدث، أن «الإدارة الذاتية»، فرضت ذلك بالقوة، ولم تتعامل مع الأهالي كـ «شركاء بالوطن»، ولكن تعاملوا معهم بشكل عنصري.”. ومن المهم لفهم الوضع، وإدراك أبعاد المصاب، أن نلاحظ، أن توجه المعترضين على هذا الوضع “التقسيم، والتكريد، سيكون “للتحالف الدولي”، و “للأمم المتحدة”، أي إلى عدوهم الذي فرض عليهم هذا الوضع، من خلال أدواته، وإلى “الأمم المتحدة”التي لا حول لها ولا قوة، وتنفِّذ مؤسساتها أمر الأقوياء، لا سيما أمر التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة الأميركية.. هؤلاء هم من سيلجأ إليهم المعترِضون؟!.. أمّا البدائل المرجعية المعنية، فليست في بالهم، كما يبدو، لأسباب هم يعرفونها ويقدرونها.
ومن الملاحظ، بشكل صارخ، إسراع الإدارة الأميركية، التي تقود قوى التحالف، إلى دفع القوات الواقعة تحت سيطرتها، وإدارتها، ونفوذها، وتلك المؤتمرة بأوامرها، في سورية، لا سيما منطقة شرق الفرات وشماله.. دفعها إلى مناطق وجود الجيش العربي السوري في محافظة دير الزور، لكي تسيطر على حقول النفط هناك، مثل “حقل العمر وغيره من الحقول.”، في تمدّد لتوسيع منطقة النفوذ الأميركي، شرق الفرات وشماله، وفي مناطق من البادية السورية، والحدود السورية -العراقية، والأردنية -السورية، في هذا الجزء من البلد، الذي ينوشه من ينوشه، وينهش جسده من ينهشه. وقيام الإدارة الأميركية بتعزيز وجودها، وقواعدها، مثلما يفعل حلفاؤها الغربيون، وقيامها بتعزيز قوات حزب العمال الكردستاني “P.K.K”وأذرعه في سورية، على الرغم من أنه، وفق تصنيفها هي. والتصنيف الأوروبي أيضاً، يقع هذا الحزب ضمن قائمة التنظيمات الإرهابية؟!فهل هذا عجيب؟!لا.. لا.. أبداً، فالقواعد السياسية والبراغماتية، أو المعايير، الأميركية.. أكثر من مزدوجة، ومنافقة، وشرهة، وشريرة.. حتى “الإرهاب”، أو بالأحرى “الإرهاب”، عند الأميركيين، مزدوج الوجوه، والمعايير، والهويات، والشرعيات، فإرهاب “إسرائيل”، وإرهابها، وإرهاب من هم معها، وبإمرتها، وتستثمر بهم.. هو فعل مشروع، “قانوني وأخلاقي؟!أمَّ من يقاومها، ويقف ضد إرهابها، وأطماعها، وعدوانها، ومشاريعها المدمرة، فهو:إرهابي، وشرير، وشيطان، ومخَرِّب.. وما شئت من صفات وأحكام ومواصفات، مما يجعله، سواء أكان دولة أم حزباً أم شخصاً، مباح الدم والمال والأرض والعرض.؟!وعلينا ألا نعجب، أو أن نعترض، فالقوة هي الناطق الأعظم، والأوحد، والأول، والآخر.. بشأن العدالة، والأخلاق، والقيم.. لم نخرج من الغابة وقوانينها، إنما الغابة أخرجتنا من بعض قوانينها الأعدل والألطف، لأن الأقواياء -الأشرار، انتزعوا كل سلطاتها، وتفوقوا على ما فيها من وحشية ووحوش.
وفي هذا الإطار، وبهذه المناسبة، وعلى هامش ما جرى في شمال العراق، من بسط لسلطة الدولة، على محافظة كركوك، وانكفاء لقوات الانفصال البرزانية، ولمشروع الانفصال، الذي “تعمل عليه الولايات المتحدة الأميركية، وإسرائيل، ودول أوروبية، ولا تعترض سوى على توقيت إعلانه، لمصالح خاصة بها”.. على هامش ذلك، أعلنت الإدارة الأميركية، أو ذكَّرت من يعنيهم الأمر، من خلال جهات، ومؤسسات، ومراكز بحث:”أن الأكراد كانوا أكبر حلفاء لأميركا في العراق والشرق الأوسط منذ 1991″/مؤسسة أميركا الجديدة./وعلى هذا الأساس، تتحرك في المنطقة، لا سيما في سورية، وعليه أيضاً، نهَت الحكومة الاتحادية في بغداد، عن أي تحرك في كركوك ومحيطها، من شأنه أن يضر بالأكراد.. وفي هذا الإطار أيضاً، جاء قرار أسرع من سريع، صدر عن مجلس الأمن الدولي، بشأن “الهدوء في كركوك”، التي كانت هادئة تماماً، بعد دخول الجيش العراقي إليها.؟!
ومما يدعو إلى اليقظة، والتنبّه والفحص، بل ما يرفع أكثر من إشارة استفهام وتعجّب، بهذا الشأن، وبشأن المنطقة “المُعدَّة لما سيكون عليه وضعُها، حين تُبسَط خرائطُها على طاولة الكبار، للتقاسم والتقسيم النهائيين”.. ما حدث ويحدث من تحركات، تحمل في طياتها ما لا يريح، وما يعبر عن مخاطر، ظاهرة وباطنة، تحيق بسورية، ولا يسلم منها العراق.. وتصب في الإطار ذاته، الذي نحاول أن نركز حديثنا فيه، من ذلك عدوان الكيان الصهيوني المتكرر على سورية، وتحركه المكثف، وتصريخات رؤوسه، رؤوس العنصرية، والشر، والفتنة.. وما يكشف عنه ذلك، من اتفاقيات، وتفاهمات، وأشكال من التنسيق، المعلن والخفي، وفي هذا يندرج ما أشير إليه من:”اتصال، قيل إنه تم، بين “الرئيسيْن- بوتين ونتنياهو – ركزا فيه على الوضع في كردستان، وتطرقا إلى دخول الحرس الثوري الى كركوك، وتأثيره على الإقليم”، وأنّهما، كما ذُكر،“أدركا أنّ بلديْهما، كما الولايات المتحدة، عانيا انتكاسة استراتيجية جسيمة، بعدما طرد المقاتلون المدعومون إيرانياً، الأكراد من كركوك”. وأضاف موقع”ديبكا”، الذي نقل الخبر، أنّ “موسكو، كما تل أبيب، لا ترغب في أن تشهد طهران توسع نفوذها ليبلغ العراق”، لا سيما أن “روسيا تتحسس بشكل خاص، من خسائر كردستان، لأنّها استثمرت أموالاً طائلة في نفطها.”؟!. إن هذا، مقترناً بالتنسيق الأميركي -الإسرائيلي، وبما يرسمه التحالف الدولي.. يضعنا أما وضع فيه تفاهم وتقاسم من جهة، وفيه تنافس على توسيع النفوذ، وإنفاذ الرُّوى والسياسات والحلول، من جهة أخرى.. على قاعدة “نحن بالنتيجة شركاء”، لكن لعب الشركاء، في بعض المواقع، مشروع، ولا يجوز أن يؤدي إلى صراع أوسع من تنافس الشركاء.
على هذه المائدة، نحن، من غرب إفريقيا وشمالها وبعض أواسطها، إلى غرب آسيا.. لسنا كلنا أيتاماً، بل هناك من بيننا من يدَّعي اليتمَ تخابُثاً، ولسنا كلنا خُبثاء، بل هناك من بيننا مَن هم ضحايا الخبث .. لكن حين نجلس إلى موائد الأقوياء اللئام، التي يقيمونها بنا وبأمولنا وثرواتنا.. نتخابث، في حدود، وكل يتيم أو متأتمم منا، يعرف قواعد التصرف والسلوك، حين يجلس إلى مائدة الكبار.. وذلك بعد أن يشبعوا، ويغسلوا أيديهم، ويجلسون على أرائكهم، ينظرون “بشفقة”إلى الأيتام حول المائدة.. وكل منا يدرك أنه مكشوف، وأن عليه أن يحتمي بأحد الكبار، حتى لا يُطرد من المائدة.. وعلى هذا، فإن كل يتيم، من البؤساء حول مائدة الأقوياء، يكون على استعداد تام، لأن يقدم زميله اليتيم الآخر، لقمة سائغة للقوي الوحش، لكي ينال الحظوة، ويتخلّص من “شَرِهٍ”،يريد أن يختطف منه لقمته.
وفي ظلال الخوف، والتذلل، والغدر، والمكر، والتخابُث، والجوع اللعين، الذي يُخرِّط أمعاءنا بالسكاكين، نعيش، ونتصرف، ونتحرك، ونتنفَّس، ونتنافس، ونحتمي بالأقوياء الوحوش المتوحشين.. ولا نريد أن ننفض البؤس عنا، وأن نلغي الخبث والتخابث فيما بيننا، ونقول:”إنَّا.. وإنَّا..”، ونرفع نظرنا إلى أعلا.. إلى حيث نستحق، بوصفنا نحن أصحاب الأرزاق والموائد، ومَن تستضعفهم الوحوش، فتفترسهم الواحد بعد الآخر.. لأنهم متفرقون، فقدوا الثقة بأنفسهم، وببعضهم بعضاً.. فضاعوا وأضاعوا.. ولأنهم خبثاء أويتخابثون، فيتَشَتَّتون، ويُستَضعَفون، ويُسرَقون، ويبطش بهم الأقوياء.. ويبقون، “أيتاماً”، حول موائد أولئك اللئام، مستسلمين، في جَوْقٍ يستطيب الخبث، وتخابث المتخابثين.

إلى الأعلى