Alwatan Newspaper

اضغط '.$print_text.'هنا للطباعة

في العمق: ممارسات الأيدي العاملة الوافدة وانعكاساتها على الأمن الوطني

د. رجب بن علي العويسي

ينطلق حديثنا عن الموضوع، من محددات وأهداف منظومة الأمن بالسلطنة، في اتساعها وشموليتها وعمقها، والبعد الإنساني الذي تحمله في سبيل سعادة المواطن، وتطبيق الأحكام، وسيادة الأمن والنظام، وتعزيز مساحات التمكين الوظيفي والاقتصادي والاجتماعي للمواطن ، وترسيخ مساحات الوعي والثقافة الراقية، ومبادئ السلوك الحميد، والقيم العمانية الأصيلة، ووقاية المواطن من كل ما يتسبب بإيذائه في نفسه وماله وعقله وعرضه ، وحقه كمواطن للعيش في وطنه بسلام وأمن وأمان، واستمتاعه بالبيئات الترويحية، وشعوره بالخصوصية فيها، وما يتطلبه ذلك من تكامل الجهود وتفاعل أطر العمل، وترابط أدوات التنفيذ، بما يضع ملف الأيدي العاملة الوافدة في قائمة مهددات الأمن الاجتماعي والاقتصادي والقيمي والفكري والغذائي في مجتمع السلطنة، في ظل تزايد حجم الممارسة السلبية التي تقوم بها، وانتهاكها لحرمة القانون، وتدخلها في أمن المواطن الغذائي والاقتصادي والبيئي والمائي والأخلاقي والثقافي، حيث تشير إحصائيات المركز الوطني للإحصاء والمعلومات بنهاية شهر مايو 2017، إلى أن إجمالي سكان السلطنة بلغ 4. 614.822 ، يشكّل عددالوافدين فيها، 2.114.702 بما نسبته 45.8% ، وما يبرزه الواقع الأمني من دورها في ازدياد معدلات الجريمة،بل وظهور أنماط من الجريمة غير مألوفة في الواقع الاجتماعي الوطني ، وهو ما نتج عنه زيادة في نسبة الجرائم، حيث تشير الإحصائيات لعام 2016م ، أن نسبة الجناة من الوافدين بلغت 52% ، يقابله 48% من المواطنين، على أن الأيدي العاملة الوافدة باتت تمارس جرائم معقدة ومقلقة ، خاصة تلك المتعلقة بالسرقة وترويج المخدرات والقتل العمل والخطف وتزوير العملات، وشكلت ما نسبته 51% ؛ مع أن أكثر الجرائم ذات المؤشرات الاحصائية الأعلى ترتبط بسلوكيات الأيدي العاملة، خاصة تلك الجرائم المخالفة للقوانين، 22.8%، والجرائم الواقعة على الأفراد، 21.6%، والجرائم الواقعة على الأموال كالتزوير وحالات الغش التجاري والسلع الاستهلاكية وغيرها، 20.3%، وجرائم المخدرات وحالات الترويج لها وبيعها ، 17.4%، مع حضور هذه الفئة في واقع الجرائم الأخرى 6.1%، والجرائم الواقعة على الإدارة العامة ، وجرائم السكر والخمور، والجرائم المخلة بالعرض والأخلاق العامة.
ومع التأكيد على خطورة هذا الوضع على الأمن الوطني، بما يستدعيه من استنزاف للموارد والامكانيات، عبر تعزيز الجهود الوطنية والحملات الامنية والضبطية، وما تتعرض له من أحداث وردّات فعل في أثناء تنفيذ عملياتها؛ إلا أن المشكلة الأعقد هو دخول المواطن نفسه في القضية، ومساهمته في استفحال سلوك هذه الفئة، وما تجده الجهات الأمنية والرقابية والضبطية من أولوية التعامل مع المواطن، في سبيل الإبلاغ عنها أو التعريف بأماكن تواجدها، وحالةالتستر على العمالة السائبة وغير المرخص لها قانونيا، ومساعدتها في الهروب من العدالة ، أو من ملاحقة الجهات الأمنية والضبطية والقانونية لها، فكان من نتاج ذلك تزايد أعداد الجرائم التي تمارسها هذه الفئة، كالتحايل على القانون، والتسلل غير المشروع، وجرائم القتل العمد، ونشر الخوف والقلق في المناطق السكنية للمواطنين، وما تتيحه التجمعات السكنية غير المرخصة لها، من بيئة خصبة لانتشار الجرائم وإيواء المخالفين لقانون الإقامة، من المتسللين أو المنتهية بطاقات عملهم أو تأشيرات إقامتهم، أو الهاربين من مواقع عملهم أو المطلوبين للعدالة، وحالات الاعتداء البدني والتعرض للمواطنين، أو الاعتداءات بين بعضهم البعض في المرافق العامة، وأسلوب الاستفزاز وعدم الاحترام الذي يمارس ضد المواطن في بعض المواقف، ؛ والأثر الناتج عن الممارسة اللا أخلاقية التي تقوم بها الايدي العاملة الوافدة، في انتهاك القيم العمانية الأصيلة، ونشر العادات الدخيلة التي بدأت تؤثر في السلوك الاجتماعي، والثقافة التواصلية اليومية، وتأثيرها على الأمن الأخلاقي للمواطن ، كما أن للتدخل السافر في سلوك الناس الاقتصادي وأنشطتهم الزراعية، وممارسات الأيدي العاملة المرتبطة بالتزوير والغش في الأرز والمنتجات الاستهلاكية والمطاعم، ومنتجات الأطفال ، وغيرها أثره على الأمن الاقتصادي والغذائي والصحي للمواطن، كما امتد أثرها على الهوية والخصوصية الوطنية،عبر تدخلها في المنتجات الحرفية المحلية كصناعة الحلوى وخياطة الدشداشة العمانية، ونظرا لضعف ثقافتها الحضارية في استخدام الموارد ، فإن الأثر الناتج عن الاستنزاف الجائر للموارد المائية بالمزارع، والممارسات المضرة بالبيئة كقطع الاشجار، وإلقاء الفضلات في الأفلاج ومجاري الأودية، والتعدي على قانون الصيد البحري، وصيد أنواع ممنوعة من الحياة البحرية ، أو صيدها في غير الوقت المرخص له، له أثره على الأمن الزراعي والبيئي والغذائي للمواطن.
وعليه فإن هذه الممارسات في جملتها تشكل تحديا على الأمن الوطني، يتطلب أهمية وجود استراتيجية وطنية فاعلة ومستدامة في التعامل مع هذا الملف، بحيث يبدأ عملها من تعزيز المسؤولية الأمنية، التي ينبغي أن يحافظ المواطن اليوم على متانتها وقوتها وثباتها، وتقوم مرتكزاتها على التطبيق الجريء للقوانين والأنظمة المعمول بها في هذا الشأن، والحسم في الأحكام وعدم قبول الاستثناءات والصرامة في التطبيق وكفاءة الإعلام الأمني في التعامل معها ، وأن تمارس الأجهزة الأمنية والقانونية والضبطية دورها السيادي بكل حرية وفاعلية، والتنفيذ المستمر لعمليات التفتيش الدوري الأمني والرقابي والضبطي، في ظل فريق عمل مجهز بكل الوسائل موزع على كل ولايات السلطنة ينطلق من مراكز الشرطة ووحدات المهام الخاصة ، بمشاركة جهات حكومية أخرى فنية وإدارية في التعامل معها ؛ وأن تعمل المؤسسات القانونية والتشريعية والمحاكم والادعاء العام على توفير أدوات عمل، تضمن سرعة البث في إصدار الأحكام التي تثبت جرائم هذه العمالة ، مع الحاجة إلى البحث في امكانية وجود دوائر متخصصة للمحاكم والادعاء العام في التعامل مع هذه الفئات، فإن كلمة شكر وتقدير واجبة في حق القيادة العامة للشرطة، والإدارات العامة والوحدات المعنية بهذا الملف مثل : الإدارة العامة لمكافحة المخدرات والمؤثرات العقلية ، والادارة العامة للتحريات والتحقيقات الجنائية، وقيادة وحدةالمهام الخاصة، وقيادة خفر السواحل، والإدارة العامة للجمارك، وعمليات الشرطة، والشكر موصول للهيئة العامة لحماية المستهلك، وكل المخلصين المتابعين لهذا الملف.


تاريخ النشر: 25 أكتوبر,2017

المقالة مطبوعة من جريدة الوطن : http://alwatan.com

رابط المقالة الأصلية: http://alwatan.com/details/223105

جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الوطن © 2014