السبت 18 نوفمبر 2017 م - ٢٩ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / الإعلام والأمن

الإعلام والأمن

د.احمد مصطفى

”تقليديا، هناك مراسلون أمنيون وحربيون لوسائل الإعلام الرئيسية، إلا أنه مع الميوعة التي سادت بانتشار السوشيال ميديا ومواقع الأخبار المزيفة أصبح الكل خبراء أمنيين وحربيين وليس فقط مراسلين. وإذا كان يصعب إعادة عقارب الساعة للوراء، فعلى الأقل نعمل على نشر معايير المهنة الصحفية أكثر بين الأجيال الجديدة وتعليمهم التحري عن صحة المعلومة ودقتها ومقارنة المصادر.”

أثار اللغط الذي حدث في مصر، حول العملية البطولية لقوات الأمن المصرية في هجومها على وكر للإرهابيين بالصحراء الغربية قرب القاهرة، مرة أخرى أهمية الإعلام للأمن القومي لأي بلد. صحيح أن ذلك جدل مستمر منذ وجود أول وسيلة اتصال جماهيري، لكن أهميته زادت مع انتشار الانترنت وما تسمى مواقع التواصل وسهولة نشر الأخبار المعلومات ـ والفبركات والتلفيقات المضللة أيضا ـ على نطاق واسع بين الناس. لم يكن عدد الضحايا من قوات الأمن ولا حجم الخسارة الكبيرة للوطن سببا في ذلك الغليان الإعلامي، فمصر في حرب مفتوحة متصلة مع الإرهاب وربما حصدت تلك الحرب ضحايا أكثر في بعض هجمات الإرهابيين في سيناء. إنما لأن العملية كانت هجومية من جانب القوات المصرية، وراح ضحيتها بعض من خيرة ضباط قوات الأمن، فقد عاد الجدل قويا حول الإعلام والأمن خاصة وأن كثيرا من وسائل الإعلام وقعت فريسة لفبركات مغرضة تستهدف النيل من قدرة مصر على مواجهة الإرهاب والتصدي له.
وحتى أصدرت السلطات المصرية بيانا بتفاصيل العملية، كانت مواقع إخوانية وحسابات عدائية على السوشيال ميديا، نشرت أرقاما مفزعة وتفاصيل توحي بأن الإرهابيين انتصروا في معركة على قوات الأمن المصرية. ولام بعض الحريصين على الدقة والموضوعية السلطات المصرية لأنها لم تسارع لتوضيح الحقيقة وتركت وسائل الإعلام فريسة للدس المعلوماتي المغرض. لدى السلطات مبرر قوي لعدم الإعلان عن عملية تعتمد فيها على عنصر المفاجأة، لكن في عصر تطور وسائل الاتصال كانت المعلومات أسرع في الوصول إلى الإعلام والناس من تلك عن المصادر الرسمية. وربما زاد من حدة الأزمة تسريبات من هنا أو هناك، قد تكون صيغت بشكل مثير أدى إلى إثارة البلبلة وأضر بالأمن في النهاية. وذهب كثير من الصحفيين القدامى في مصر للمقارنة بين الآن ووقت أن كان لدى أجهزة الأمن إدارة “إعلام أمني” نشطة وفاعلة تسد الباب على أي تضليل أو دس.
كل ما سبق مفهوم، لكن الأهم هو استخلاص الدرس ـ الذي لا يقتصر هنا على مصر فحسب ـ حول أهمية الإعلام للأمن القومي وخطورته عليه في الوقت نفسه. فما زالت السلطات في أميركا تحقق في ادعاء أن روسيا استغلت الإعلام، والسوشيال ميديا تحديدا، للتأثير في نتيجة الانتخابات الرئاسية العام الماضي. ويواجه الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترامب صراعا مستمرا مع وسائل الإعلام، التي تقف ضده جميعها تقريبا، ربما لا يترك له فراغا كبيرا للاهتمام بشؤون البلاد. صحيح أن الإعلام في دول أخرى، ذات ديموقراطيات راسخة، ما زال يلتزم بما لا يضر الأمن القومي ويفرض على نفسه ما لا تفرضه عليه السلطات من معايير تضمن ألا يضر بهذا الأمن لكن في بلادنا يختلف الأمر خاصة بعد ما شهدته من هزات سياسية/اجتماعية منذ 2011. وهذا يجعل الاهتمام بقضية الإعلام والأمن أولوية قصوى. ومن المهم في البداية الإشارة إلى أن المسؤولية هنا ليست على طرف دون الآخر، بل هي مشتركة بين الإعلام والأمن وتتطلب فهما عميقا لمتطلبات كل طرف ونقاط التقاطع التي تستهدف الصالح العام كي يصبح الإعلام داعما لسلامة البلاد والعباد ومعززا للأمن القومي.
فالإعلام الأمني، على أهميته، ليس كافيا ليحل محل الإعلام الرئيسي لأسباب كثيرة ربما من بينها أن الناس ما زالت تثق في الإعلام التقليدي ـ حتى ما تراه على السوشيال ميديا لا تصدقه إلا إذا أكده منفذ إعلامي موثوق. تلك المصداقية التي ما زال الإعلام التقليدي يتمتع بها هي السند الأساسي الذي يجب أن تركن إليه السلطات في اعتمادها على أهمية الإعلام للمحافظة على الأمن القومي. ولدعم تلك المصداقية يتطلب الأمر اعتماد السلطات سبل التواصل مع الإعلام بسرعة وفاعلية في الأزمات لقطع الطريق على المصادر الأخرى من سوشيال ميديا وغيرها. وبديهي أن يكون ما توصله السلطات للإعلام شفافا ودقيقا، وإذا كان هناك ما يتعين عدم الإفصاح عنه أن يذكر ذلك مع توضيح أنه لأسباب أمنية على أن يتم تداركه فيما بعد. يدعم ذلك مصداقية الإعلام ويساعد في فاعليته كحائط صد ضد الشائعات والتضليل الذي يجد أرضا خصبة في الأزمات خاصة مع حجب المعلومات.
تقليديا، هناك مراسلون أمنيون وحربيون لوسائل الإعلام الرئيسية، إلا أنه مع الميوعة التي سادت بانتشار السوشيال ميديا ومواقع الأخبار المزيفة أصبح الكل خبراء أمنيين وحربيين وليس فقط مراسلين. وإذا كان يصعب إعادة عقارب الساعة للوراء، فعلى الأقل نعمل على نشر معايير المهنة الصحفية أكثر بين الأجيال الجديدة وتعليمهم التحري عن صحة المعلومة ودقتها ومقارنة المصادر. وعلى المعنيين في الإعلام فهم متطلبات الأمن القومي، بما لا يتعارض مع حق الناس في المعرفة وقدرة الصحفي على توصيل المعلومة في السياق الصحيح. وهنا تجدر الإشارة إلى ضرورة عدم الالتفات لاتهامات التخوين والتشويه عبر السوشيال ميديا للصحفيين الذين يحصلون على معلوماتهم من السلطات وأجهزة الأمن. فهؤلاء ليسوا “عملاء للأمن”، وحتى وصفهم بأنهم “مخبرون” ليس عيبا ـ فوظيفتهم الأساسية هي “الإخبار”، ولكن هنا إخبار الجمهور بما لدى السلطات وليس “إخبار” الأمن عن هذا أو ذاك. حتى الجانب الأخير ليس بعمالة، وقد عملت في مؤسسات كبرى في أعتى البلدان الديموقراطية وكان زملاؤنا من كبار الصحفيين يشاركون في “إيجاز” يومي بأهم جهاز أمني في ذلك البلد. وحين يذهب مراسل لتغطية حرب أو نزاع يعود فيبلغ السلطات بما لديه ربما أوسع مما نشره في منفذه الإعلامي.

إلى الأعلى