الجمعة 24 نوفمبر 2017 م - ٥ ربيع الثاني ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / حادث الواحات بين غدر الإرهاب وغياب المعلومات

حادث الواحات بين غدر الإرهاب وغياب المعلومات

جودة مرسي

”الإعلام العالمي تعامل مع الحادث وفق قاعدة إعلامية ومعلوماتية تقول إنه في حالة عدم توافر المعلومات الخاصة بحادث ما، تبقى كل الأبواب مفتوحة للاجتهادات لتدفق المعلومات من مصادر مختلفة، وهو ما حدث بالفعل من خلال تغطية تنقل قلوب ومخيلات المواطن من المنزل إلى موقع الحادث، ويتعايش مع الوقائع، ويرصد الخلل في الواقعة، ويسلط الأضواء عن الآلية المتبعة للهجوم على مقر جماعة إرهابية.”

شهدت مصر حادثا إرهابيا خسيسا ضد عناصر من رجال الشرطة المصرية على طريق الواحات في الصحراء الشرقية أدي – وفق بيان وزارة الداخلية المصرية – إلى استشهاد 16 من القوات (11 ضابطا و4 مجندين ورقيب شرطة) وإصابة 13 شرطيا (4 ضباط و9 مجندين)، ومقتل 15 ارهابيا، في حين تضاربت الأعداد التي تم تناولها في وسائل الإعلام العالمية.
ورغم أن جميع المصريين استنشقوا رائحة الغدر في الحادث، إلا أن تشبثهم بالوصول لحقائق جذرية وتحديث المتابعة المباشرة للحادث، أصابهما شرخ كبير، بسبب غياب دور الإعلام الداخلي، فشعروا بالمرارة تقف في حلقومهم، وانكوت جباههم من نار الدموع التي ذرفتها أعينهم، وتشققت قلوبهم المشتاقة للمعلومة كأرض عطشى تنتظر روية الماء للاطمئنان على ابطالهم.
وبمنأى عن الحادث وضحاياه ومنفذيه، والذي نأمل ان نرى من نفذه في قبضة الامن واخذ القصاص بأسرع وقت، فإن بعض الإعلاميين أثبتوا افتقادهم الحد الأدنى من المهنية الإعلامية، لفقدانها دور القيادة في التغطية الإعلامية لحادث اهتم به العالم كله، فبينما تدور معركة حربية – حسب وصف سياسيين وخبراء مصريين – بين مؤسسة وطنية تمثل الدولة وبين مبعوثي التطرف والإرهاب الأسود لمنطقة الحادث، اكتفى الإعلام في مصر بإذاعة برامج ترفيهية مسجلة، يتخللها مجموعات من أغان وإعلانات تبعث على الانشراح والابتسام.
وفي الوقت الذي تنقل وسائل إعلام عربية إعلان دولها الحداد تضامنا مع مصر، يبث الإعلام المصري أفلاما وثائقية عن نشأة أحياء القاهرة الفاطمية، فنجد الإعلام الأردني يبث لكل دول العالم تنكيس أعلام المملكة الأردنية حدادا على شهداء مصر، وهو ما قابله الإعلام المصري برفع المحروسة في احتفالية عن الحرب العالمية الثانية بمدينة العلمين.
إن الثورة المعلوماتية التي تجتاح العالم تثير فضائل كل سكان المعمورة، ولذلك أدى غياب الإعلام المحلي إلى تحريك المؤشر في البيوت المصرية صوب وسائل الإعلام العالمية والعربية لمعرفة تفاصيل ما يجري في الواحات، والأرقام التقديرية للضحايا، والجهة الإرهابية التي أعلنت مسئوليتها عن الحادث، ونشر أسماء شهداء الشرطة في الحادث، ورصد المعاناة التي يواجهها الناجون من المقصلة الإرهابية، وآراء الخبراء الأمنيين في الواقعة وما يمكن أن تصبو إليه، وغيرها من الأهداف التي افتقدها الإعلام.
الإعلام العالمي تعامل مع الحادث وفق قاعدة إعلامية ومعلوماتية تقول إنه في حالة عدم توافر المعلومات الخاصة بحادث ما، تبقى كل الأبواب مفتوحة للاجتهادات لتدفق المعلومات من مصادر مختلفة، وهو ما حدث بالفعل من خلال تغطية تنقل قلوب ومخيلات المواطن من المنزل إلى موقع الحادث، ويتعايش مع الوقائع، ويرصد الخلل في الواقعة، ويسلط الأضواء عن الآلية المتبعة للهجوم على مقر جماعة إرهابية.
نحن في عصر يسير وفق أجزاء من الثانية تتغير فيها أحوال وتتبدل أوضاع، والإعلام هو الشريان الرئيسي لهذا العصر، وربما لو كان تأخر الإعلام الرسمي في مصر لبضع دقائق كنا نجد من طائفة “المبرراتية” يلتمسون الأعذار بداعي الأمن القومي، لكن عندما يكون التأخر لمدة تجاوز 30 ساعة ثم يخرج الإعلام ناقلاً لبيان الداخلية فقط دون الاجتهاد فيه، فإنه يثير حفيظة المصريين.
الحادث الغادر لم يمر مرور الكرام على المتابعين، فإذا كان الشعب قد عاد وعيه بعدما احمرت جفونه كدماء أبناء مصر المغدور بهم، هل يمكن أن تستفيق مؤسسة الإعلام ومسئوليها وتدرك أن السياسة الإعلامية الحالية تسير عكس المهنية الجاذبة للمشاهدين؟. وانها تأتي بنتائج عكسية تضر أكثر ما تفيد وتعطي المبرر لذهاب المتلقي لقنوات مشبوهة تستغل ا

إلى الأعلى