السبت 25 نوفمبر 2017 م - ٦ ربيع الثاني ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / أدوات الربط ودورها في تماسك النص (سورة النصر نموذجاً)

أدوات الربط ودورها في تماسك النص (سورة النصر نموذجاً)

د.جمال عبد العزيز أحمد:
سورة النصر سورة من السور المدنية، وللسور المدنية سماتٌ، وخصائصُ يعرفها من تخصص في علوم القرآن الكريم، وتعمَّق فيها، وأدوات الربط في اللغة كثيرة منها حروف العطف، وأدوات الشرط، وأسماء الموصول الواقعة صفاتٍ لما قبلها، وكذلك فاء الجزاء، والظروف مثل: حيث وإذ وإذا، ونحوها مما يمتِّن أواصر النصوص، ويقوِّي تماسكها، ويشدُّ من أزْر الجمل والعبارات، ويؤاخي بين المعاني، والدلالات حتى لكأنَّ الجمل جميعًا صارت جملة واحدة، وتداخلت المعاني فيها، وتشابكت الدلالات، حتى لكأنك تشعر بمعنًى واحد متكامل، قد صار بين ناظريْك، وتكامل بين عينيْك، فدخلك لونٌ من السرور عجيب، ونشوةٌ من السعادة الحقيقية: أن ترى عباراتٍ دلالاتُها قد تضاعفت، وجملاً معانيها قد تآخت، وتقاربت؛ جراءَ أدوات الربط التي تضفي على النص ترابطًا وتقاربًا، لا تجده في لغة أخرى غير العربية، ولنبدأ في عرض أدوات الربط في سورة النصر، ونرى ما أحدثتْه من تماسك وتآخٍ، وترابط، وتكامل أدَّى إلى تشابك وتعانق كبيريْن، أسْهَمَا معًا في إيضاح الدلالة، وكشف الهدف، وبيان المضمون القرآني بشكل متكامل، ورؤية واضحة، وتلك طبيعة أدوات الربط في لغة العرب، وهذه بعض خصائصها اللغوية في القرآن الكريم الذي جمع كلَّ سمات أدوات الربط، واكتملت معه كل ضوابطها وخصائصها ودلالاتها يقول الله تعالى:(إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ، وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا، فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا).
بدأت الاسورة الكريمة بالأداة (إذا) التي تفيد ربط الجواب بالشرط ، وتفيد كذلك تتابع الزمن، كما تفيد الاستمرار الدائم له، فكلما جاء نصر الله وجاء الفتح حدث التسبيح والحمد، وهو أمر ثابت، مقرَّر، أزلي، سرمدي، متكرر، فهي ظرف لما يستقبل من الزمان خافض لشرطه، منصوب بجوابه، بمعنى وقت، أو أوان، أو ساعة، أو لحظة، فكلمة (إذا) تفيد تمتين أواصر الجواب بالشرط ، ودوام تحققه، وأزلية ثبوته، واستمرار حصوله، أيْ فسبِّح وقت مجيء نصر الله، وحصول فتحه، ورؤية الناس ينساحون في الأرض داخلين: زُرافاتٍ، ووُحدانًا في هذا الدين، دين الله ـ جل جلاله، والمدُّ المتصل في (جاء) يحكي هو الآخر ويسهم في بيان تواصل الفتح، وتتابع النصر، واتصاله، واستمراره، وتواصله تمامًا كاتصال المد المتصل أربع حركات وجوباً، كما أن إضافة النصر إلى الله يفيد جلاله، وقدسيته ، وجلاله، وكونه نصرًا مؤزَّرًا طاهرًا ومطهَّرا من رب الأرض والسماء مؤيَّدا، والواو في (والفتح) عاطفة عطف مفردات، ولا تفيد ترتيبًا ولا تعقيبًا ـ كما هو رأي كبار النحويين ـ فكون الفتح يأتي أولاً، والنصر يسبقه، أو يحصل العكس، فهما في الأخير حاصلان، متحققان، وقد مكَّنت الواو من هذا الترابط الدلالي، وجعلت الفتح مقرونًا بالنصر، والنصر ملازمًا للفتح، فلا هذا منفصل عن ذلك ، ولا ذاك مفترق عن هذا، فهما يمشيان في ظل بعضهما، وكأنهما أمر واحد، ونعمة واحدة، وهكذا تربط الواو العاطفة عطف جمل: (ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا) ؛ حيث جاءت الواو لتقوِّي أواصرَ القربى، ووشائجَ المعنى بين ما بعدها، وما قبلها، فعطفت جملة: (ورأيت الناس) على جملة:(جاء نصر الله والفتح)، وكأنهما يحصلان في زمن واحد، ووقت واحد، وكأنه شريطٌ يُعرَض في لحظة واحدة، ويتدخَّل الفعل:(رأى) الذي يفيد الرؤية البصرية؛ ليضفي الكثير على مشهد الرؤية للنصر، والفتح، ودخول الأفواج المفوَّجة من هنا، وهناك، وهنالك، وهم ينسلون من كل حدب وصوب، شمالاً وجنوباً، شرقاً وغرباً، بيضاً وسوداً، وحمراً وصفراً، بكل لغة في الأرض، و(أل) في كلمة:(الناس) جنسية، أي جنس الناس: عرباً وعجماً، وهم يتدفقون، ويهدرون كهدر الشلالات، داخلين بكلِّهم: قلباً وقالباً، وحبًّا والتزاماً، وعشقاً وهياماً بهذا الدين، وقياماً بحقه، ودعوة إليه، وعيشاً به، وهو المعنى الذي تحمله دلالة حرف الجر (في) فحرف الجر (في) يفيد الظرفية، فقولنا:(وضعتُ القلم في الحقيبة) يعني أنه قد ظُرِفَ، وهو لا يُرَى الآن؛ لانظرافه في الحقيبة، فهؤلاء عندما يدخلون لا يدخلون الدينَ، وإنما يدخلون في الدين، فهم منغمسون في تعاليمه، ومحبون لآدابه، ومتمسكون بأخلاقه وقيمه ومطالبه، ومشغولون بإرضاء ربهم، وحسن عبادته، فكأن الرائي لم يعد يراهم لكونهم متعشقين لدين الله، قارئين كتابه، ومبلغين سنة رسوله، عاملين بهما، متمسكين بكل ما فيهما، وهم لإسلامهم مراعون، وهم في كل أحوالهم مرابطون، وكون (الدين) مضافاً إلى (الله) ليدل على عظمته وطهارته وارتباطه بالسماء: طهراً وعفافاً، وقيماً وجلالاً، وتأتي الحال بكل ألوانها: الحال الجملة المتمثلة في قوله تعالى:(يدخلون)، والحال شبه الجملة المتمثلة في قوله تعالى:(في دين الله) والحال المفردة المتمثلة في قوله تعالى: (أفواجاً) لتضفي تماسكاً، وجمالاً على هذا الترابط، وذلك المشهد المرئي، وكأنه يحصل لتوه، ويحدث لساعته، ويمضي للحظته، وكأنَّ أمامنا مشهدًا تراه العينان، ويشهده الجَنان، وكلُّ ما في السورة يأخذ بعضه بِحُجُزِ بعض، كأنه حلقات متتابعة، مترابطة، لا يمكن لحلقة أن تنفصل عن أختها، ثم تأتي فاء الجزاء، فاء الربط ؛ لتمتن من تلك الوشيجة، وتؤكد على تلك اللُّحمة:(فسبح بحمد ربك)، فقد ربطت كلَّ الشرط بكل عناصره، وأركانه بالجواب، وهي كذلك تفيد السرعة، وعدم الإمهال، ويأتي تضعيف الفعل (فسبِّح) ليدل على رسوخ القلب، وتمكُّن التسبيح من كلِّ جزئية في الجسد، ثم تأتي الباء التي لها دلالات كثيرة، فهي بمعنى (مع)، أي فسبح متواصلاً مع حمد ربك، حيث جاء النصر والفتح والتمكين، وتتواصل الروابط التي تمثلت في تتابع المضافات (بحمد ربك)، وارتباط الحمد بالله، وارتباط الرسول بربه، إنه جوٌّ كله طهر وطاعة، وحمد واستغفار، وهو الذي تعوَّده المسلم عند كلِّ نجاح وطاعة، حيث تعوَّد الحمد والاستغفار لله الذي رزقه نعمة الهداية، وسهَّل له سبل معرفته، وطرق طاعته، والواو التي لعطف الجمل في قوله سبحانه: (واستغفره) تفيد أن التسبيح مقرون بالاستغفار، والاستغفار يمضي في إطار التسبيح، وكلها طاعات تتقدم أو تتشابك أو تتسابق، وفي الأخير فإنها تحدث من كلِّ مؤمن حمد ربه، ويقرأ الآيات، ويطالع المشهد، فيزداد حمداً واستغفاراً وتمسكاً وانبهارا، ثم تختم السورة بهذا التوكيد:(إنه كان توابا) ، فإن الله تعالى كتب التوبة لعباده، وذكرها بالتوكيد لتتعمق في الحنايا، وتتعشق في الزوايا في قلوب كل عباده المؤمنين، وفي السورة الكريمة بشارة، وأمر، وإشارة، ووعد، فأما البشارة ففي قوله تعالى:(إذا جاء نصر الله والفتح) و(رأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجاً)، وأما الأمر ففي قوله عزوجل:(فسبح بحمد ربك واستغفره)، وأما الإشارة فإلى أنه في السورة إشارة إلى نَعْيِ رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، حيث تنعاه بأن مماته قد قرب؛ لأنه بلغ دينَ ربه، وجاءت النتيجةُ، وحصلت العاقبة، وهي إسلام الناس، ودخولهم أفواجا فيه، وأما الوعد ففي قوله ـ جل جلاله:(إنه كان تواباً) ولذلك فمن فضائل السورة أنها تعدل ربع القرآن، وأن فيها وعد للمؤمنين، وبشارة لهم، وأنها آخر ما نزل من القرآن الكريم، وأن فيها نعْي رسول الله (صلى الله عليه وسلم).
نسأل الله أن يفقِّهنا في لغة القرآن، ويقفنا على عظمة خصائصها، وجلال وكمال تراكيبها، ودقة أساليبها، إنه ولي ذلك، والقادر عليه وصلى الله وسلم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

* جامعة القاهرة ـ كلية دار العلوم بجمهورية مصر العربية
Drgamal2020@hotmail.com

إلى الأعلى