الإثنين 20 نوفمبر 2017 م - ٢ ربيع الثاني ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / طرق الاثبات المعاصرة .. فقه العدالة فى الاسلام (5 ـ 8)

طرق الاثبات المعاصرة .. فقه العدالة فى الاسلام (5 ـ 8)

قراءة ـ علي بن صالح السليمي:
جاءت ندوة تطور العلوم الفقهية في عُمان من خلال عنوانها:(فقه العصر .. مناهج التجديد الديني والفقهي) والتي عقدت خلال الفترة من 15 إلى 18 جمادى الأولى 1436هـ، الموافق 5 إلى 8 ابريل 2015م في نسختها الحادية عشرة من قبل وزارة الأوقاف والشؤون الدينية بتوجيهات سامية من حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه.
ومن ضمن ما قدم خلال الندوة من بحوث وأوراق عمل كانت لنا هذه القراءة في بحث بعنوان:(طرق الاثبات المعاصرة .. فقه العدالة فى الاسلام) دراسة فى البصمة الوراثية وبصمات الأصابع والعين والصوت والدم والرائحة والإثبات الالكترونى وموقف الفقه الاسلامى منها) للاستاذ الدكتور أحمد هندي ـ أستاذ قانون المرافعات وعميد كلية الحقوق جامعة الاسكندرية السابق.
بصمة الأصابع:
يقول الباحث حول هذا الجانب: إن البصمة هى اثر الختم بالأصبع أى الختم بطرف الاصبع، ولكل انسان بصمة، ولا توجد بصمة شخص تتوافق مع شخص آخر، وعرفت الشريعة الاسلامية بصمة الاصبع منذ القدم، حيث قال المفسرون فى تفسير قوله تعالى:(بَلَىٰ قَادِرِينَ عَلَىٰ أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ) أن المراد بالبنان أطراف الاصابع، وبعد ذلك اهتم الصينيون ببصمات الاصابع وكانوا يشترطون التوقيع بها على العقود والأوراق المختلفة منذ اكثر من ألف عام، واستخدمت اوروبا بصمة الاصابع ـ فى القرن التاسع عشر ـ فى كشف المجرمين وإثبات هوية أصحاب السوابق من خلال دراسات وأبحاث وتجارب قام بها كبار علماء الطب والتشريح وكبار رجال الشرطة.
موضحاً أن بصمة الاصابع عبارة عن الخطوط الكلية البارزة والخطوط المنحدرة الموازية لها، ويقع نوعى الخطوط فى رؤوس الاصابع بحيث تترك طابعها الخاص عند ملامستها للسطوح والأجسام خاصة الملساء منها وتنقسم البصمات إلى أربعة أنواع رئيسية.
وقال: وتعتبر بصمة الاصابع اكثر جدوى وفعالية من غيرها من أنواع البصمات البيومترية فى مجال الاثبات الجنائى، وتبـــــدو أهميـــة بصمات الاصابع فى: معرفة شخصية الجاني، وتدل البصمة على الاشياء التى تناولها الجانى أو امسكها بيده، كما تساعد على معرفة شخصية القتيل إذا كان مجهولاً، وتساعد فى الكشف عن حقيقة اسم المتهم فى جرائم التزوير، وكذلك الكشف عن سوابق المتهم، وتدل البصمة على سن المتهم على وجه التقريب فبصمة الطفل الصغير أصغر حجماً من بصمة رجل كبير بالإضافة إلى فائدة بصمة الاصابع فى ضبط الامتحانات والمصارف وإخراج جوازات السفر والبطاقات الشخصية ومعرفة حرفة صاحب البصمة والتعرف على الأشخاص فى ظروف معينة كالتعرف على الأطفال فى مستشفى الولادة ومعرفة الاجانب المبعدين، ويتم رفع البصمة التى يجب أن يكون على جسم مصقول أو لامع كقطعة زجاج أو رخام املس أو مرآة أو بندقية أو سكين أو اوانى زجاجية أو معدن لامع كمقبض الباب أو خزانة نقود، وعلى المحقق أن يصف أولاً الشيء الذى يراه فى مكان الجريمة وصفاً دقيقاً قبل لمسه وان يندب احد خبراء ادارة تحقيق الشخصية لرفع البصمة وإجراء المضاهاة بينها وبين بصمات أصابع المتهم، ومع تطور استخدام الآلة ودخول عصر الالكترونيات اصبح الآن يكشف تطابق بصمات الاصابع عن طريق وضعها فوق ماسح الكترونى حساس للحرارة فيقرأ التوقيع الحرارى للأصبع، ثم يقوم الماسح بصنع نموذج للبصمة ومضاهاتها بالبصمات المخزنة، كما أن هناك ماسحاً آخر يقوم على التقاط صورة للبصمة من خلال التقاط الآلاف من المجسات يتحسس الكهرباء المنبعثة من الاصابع بل انه يمكن استخدام بعض التليفونات المحمولة فى قراءة البصمات، وهناك أيضا ما يعرف بهندسة اليد الحيوية وهى تستخدم للتعرف على الهوية البشرية ويتم ذلك بإدخال اليد فى جهاز يقيس اصابع الشخص وكف وراحة يديه بدقة، لان اصابع وكف كل شخص لها سماتها الخاصة، ويتم تمييزها اكثر بالتعرف على الاوردة التى تقع خلف راحة اليد وهى جميعها دلائل تأكيدية لبصمة الكف والأصابع كما أن التوقيع على الأوراق والمستندات والشيكات له سماته الشكلية والهندسية المميزة.
أما عن موقف الفقه الاسلامى من بصمة الاصابع لإوشار الباحث الى أنه ونظراً لأن كثيراً من وسائل الاثبات الحديثة لم تكن موجودة فى عهد الرسول (صلى الله عليه وسلم) وبالتالى لم تكن محلا لاجتهادات المتتابعة للعلماء عبر القرون، لذلك لم يتعرض قدامى الفقهاء للإثبات بطريق البصمات (الاصبع أو العين أو الدم أو الصوت) لكن يمكن القول أن موقفهم من الاستدلال بالقرائن التى كانت معروفة فى عهدهم يمكن أن تسرى على القرائن المتحدثة ومنها قرينة بصمات الاصابع ، خاصة أن الاسلام وهو دين العلم والعقل لا يمنع من الاستعانة بالعلوم والنظم الاثباتية المعاصرة مادام ذلك لا يعارض نصا ولا يحل حراماً ولا يحرم حلالاً ولا يخرج عن المبادئ العامة للشريعة الاسلامية خاصة أن البصمة ذكرت فى القرآن.
وقال: ويمكن القول أن بعض العلماء الشرعيين المعاصرين يرون الاعتماد على البصمة فى الاثبات إذا لم تتعارض مع شهادة الشهود، وان الأخذ بدليل البصمة للقطع بوجود صاحب الجريمة فى مسرح الجريمة جائز على أن يكون للمتهم اثبات عكس ذلك، فلا يجوز الاعتماد على قرينة البصمة وحدها فى جرائم الحدود. فإذا وجدت بصمة اصابع المتهم بالسرقة على المكان المسروق منه فلا يدل ذلك بالضرورة على انه السارق، ولا يجوز اقامة الحد اعتماداً على ذلك ما لم يقر بالسرقة أو يشهد على ذلك عدلان ، وإن جاز هنا تعزير المتهم (بالضرب) بسبب تواجده فى مكان لا يجوز له دخوله ، كما يجوز القبض عليه والتحقيق معه للوصول إلى حقيقة الأمر خاصة إذا كان معروفاً بالسرقة، وفى كل الأحوال ليس هناك ما يمنع من الاعتماد على البصمة فى المعاملات الجارية بين الناس كالتصديق على العقود وغير ذلك لان قرينة البصمة مبنية على أسس علمية.
.. البقية الاسبوع القادم.

إلى الأعلى