الإثنين 20 نوفمبر 2017 م - ٢ ربيع الثاني ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / رأي الوطن: علاقات دبلوماسية تسعى للنمو والنهوض

رأي الوطن: علاقات دبلوماسية تسعى للنمو والنهوض

كان الاقتصاد تاريخيًّا أحد العوامل الأساسية التي تسهم بشكل كبير في التقارب بين الشعوب، فالمصالح الاقتصادية عنوان تاريخي عريض، تحول الأعداء لأصدقاء، وتفتح آفاقًا جديدة من التعاون المثمر البناء في دول المعمورة، وقد كانت الدول دومًا تتخذ من مصالحها الاقتصادية مدخلًا يحدد شكل العلاقة بين هذه الدولة أو تلك، فرفاهية الشعوب غاية تسعى لها كافة الحكومات القديمة والحديثة، ويعد التعاون الدولي الاقتصادي أحد العوامل الرئيسية التي تحقق الرفاهية وتدعم التقدم المطرد للدول، كما يسهم هذا التقارب القائم على المصالح المتبادلة في تبادل العلوم والمعارف قبل السلع والمنتجات، ما يضيف لبنة جديدة في قواعد النهوض الأممي.
ولعل السلطنة من أكثر الدول في العالم التي استفادت من موقعها الجغرافي وميلها الفطري التجاري التليد المتأصل في شعاب التاريخ، فكان أحد العوامل الأساسية لنشر الإسلام في بلدان بعيدة، ما قام به التجار العمانيون من تواصل وتعارف عبر تجارتهم الرحالة فقدموا نموذجًا إنسانيًّا فريدًا نشر روح المحبة والسلام في أرجاء المعمورة، واستلهموا من الدين الإسلامي الحنيف مبادئه وقيمه، فكانوا دومًا خير سفير لهم يغزون القلوب بلا سلاح، فينشرون الإسلام إيمانًا منهم برسالته السمحة التي تدعو دومًا إلى الوئام بين الشعوب والتراحم بين الدول.
ومن رحم هذا التاريخ الممتد لآلاف السنين خرج الابن البار حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ الذي قرأ تاريخ بلاده جيدًا، وعلم مكامن القوة في نفوس شعبه الأبي، فالتمس من التاريخ قواعد تسهم في بناء نهضة حديثة فريدة مزجت بين الحداثة والتطور والتمسك بالقيم التي تعد هي أساس النهوض، فالتقدم الذي لا يبنى على القيم الإنسانية النبيلة كبيوت الرمال تهدم من أهدأ الأمواج وأضعفها. أما هذه النهضة المباركة فقد بنيت على قيم المحبة والتسامح، لتطلق رؤية سامية جديدة اتخذت من التاريخ عونًا، لكنها أضافت له، فالقدماء كانوا يستخدمون تجارتهم ومعرفتهم بالبحار لتحقيق التقارب، أما الأبناء فقد اتخذوا من الثوابت والقيم العمانية مدخلًا يبني علاقات متوازنة مع دول العالم، يحترم الشؤون الداخلية للآخرين وينتظر منهم المعاملة بالمثل، لينطلق من هذا التقارب، علاقات اقتصادية راسخة، تسعى إلى رفاهية الإنسان التي تراه نهضتنا وفق الرؤية السامية، أساس النهوض ومحوره.
وتواصلًا مع هذا النهج جاءت جلسة المباحثات التي جمعت السلطنة ومملكة السويد، لتكون مدخلًا لتقارب يبحث فرص الاستثمار المتاحة، والتطرق إلى إمكانية استفادة السلطنة من الخبرات السويدية في مجال معالجة وتغليف الأطعمة، وطرق تمويل المشاريع الخاصة، والاستفادة من تجربة السويد في مجال تخصيص الكهرباء والمياه والاتصالات، حيث تأتي زيارة الوفد السويدي نتيجة الاهتمام الدولي بالسلطنة بعد اكتمال منظومة المناطق الحرة والمطارات والموانئ والطرق الرئيسية، إضافة إلى الموقع الاستراتيجي الذي يؤهلها أن يكون لها دور أكبر في التبادلات التجارية وفي المجال اللوجستي في مجال النقل والشحن، ولعل أفضل تعبير عن هذا التفرد هو الإشادة التي أطلقتها وزيرة شؤون الاتحاد الأوروبي والتجارة بمملكة السويد بالعلاقات الطيبة التي تربط بلادها بالسلطنة، مؤكدة أن الاستثمار السويدي في السلطنة سيركز خلال الفترة القادمة على عدة قطاعات جديدة ومهمة من بينها تكنولوجيا الاتصال والمعلومات، والعناية الصحية، وإنتاج الأدوية والمستشفيات، وقطاع علوم الحياة، إضافة إلى القطاعات التعليمية، واللوجستية والخدمية وقطاع الكهرباء.
إن مثل هذه الزيارات تصنع الفارق دومًا في التقارب بين الشعوب والتبادل المعرفي، وتعد مدخلًا للنمو الاقتصادي المتبادل، الذي يربط الغرب بالشرق، ويفتح ابوابًا جديدة للنمو والتقدم والازدهار، عبر بوابة دبلوماسية، عرفت قيمة القوة الناعمة، فاتخذتها طريقًا تزيل به ما علق بالعلاقات العالمية من غبار الكراهية الذي لو تركناه لأكل الأخضر واليابس، لذا نرجو أن تعمم التجربة العمانية الساعية دومًا للتقارب ونبذ الفرقة، والتي اتخذت من أدواتها الدبلوماسية مدخلًا فريدًا للنهوض الوطني والعالمي.

إلى الأعلى