السبت 18 نوفمبر 2017 م - ٢٩ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / الوعد الجريمة.. والافتخار العار

الوعد الجريمة.. والافتخار العار

علي عقلة عرسان

لقد كُثِّفَت خلاصة هذا الفعل الفاضح، الذي تضمنه الوعد البريطاني لليهود، وعُرف بـ”وعد بلفور”، بجملة واحدة، دقيقة، وشديدة الدلالة، تقول: “أعطى مَن لا يملك، لِمَن لا يستحق”. فبريطانيا التي كانت في خضم الحرب العالمية الأولى، حين أصدرت ذلك الوعد المشؤوم، تقاسمت لاحقا، هي وفرنسا، تركة الدولة العثمانية المهزومة، وفي مؤتمر سان ريمو، ١٩ – ٢٥ نيسان/ أبريل ١٩٢٠، قسَّمتا بلاد الشام “سوريا الطبيعية، إلى أربع دول، ونُصِّبَت بريطانيا وصية على فلسطين، فهيأتها: “جغرافيا وسياسيا واقتصاديا وسكانيا، بهجرة اليهود غير المشروعة إليها، لتكون “دولة يهودية”؟!

مدهش، حتى حدِّ الصدمة، افتخار رئيسة وزراء بريطانيا، تيريزا ماي، بجريمة، هي أم جرائم، وحروب، وصراعات دامية، ومآسٍ متنامية، لشعب فلسطين والأمة العربية.. أعني افتخارها، باسم بريطانيا، بوعد بلفور، الذي أسس لجريمة إنشاء كيان عنصري، إرهابي، صهيوني، في فلسطين، بقوة الاحتلال، وبتآمر غربي ـ استعماري فاضح، وبانعدام تام للمسؤولية الأخلاقية والسياسية والإنسانية، لدولة “بريطانيا”، ذات تاريخ باذخ بالاستعمار، تقاسمت مع فرنسا، سوريا التي أعلن استقلالها المؤتمر السوري في (16 جمادى الآخرة 1338هـ= 8 مارس 1920م)، بحدودها الطبيعية، استقلالا تاما، وأعلنها مملكة، ونصَّب فيها ملكا،” فيصل الأول”، مؤكدا رفضه التام، لوعد بلفور، بإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين. ولم تقف السيدة ماي عند حدود الافتخار بالجريمة، بل مضت إلى أبعد من ذلك، إذ قالت، يوم الأربعاء ٢٥/١٠/٢٠١٧، أمام مجلس العموم البريطاني: “إننا نشعر بالفخر من الدور الذي لعبناه في إقامة دولة إسرائيل”، ونحن بالتأكيد سنحتفل بهذه الذكرى المئوية بفخر”.. وعن رسالة بلفور لليهودي روتشيلد، قالت ماي: “إن هذه الرسالة واحدة من الأهم في التاريخ”؟!
تلك رسالة عار، تستوجب أكثر بكثير من الخجل والاعتذار، لكن الاستعمار لا يستحي، ولا يعتذر عن جرائمه بحق الشعوب، والقوة الغاشمة العمياء، لا ترعوي، ولا ترتدع، ولا ترى رؤية أخلاقية ـ إنسانية سليمة.
لقد أصدر وزير الخارجبة البريطاني، في حكومة لويد جورج (١٩١٦ – ١٩١٩) جيمس آرثر بلفور، يوم ٢ نوفمبر/ تشرين الثاني ١٩١٧، تصريحا مكتوبا وجهه، باسم الحكومة البريطانية، إلى اللورد ليونيل والتر روتشيلد، هذا نصه:
(وزارة الخارجية
في الثاني من نوفمبر/ تشرين الثاني سنة 1917
عزيزي اللورد روتشيلد
يسرني جدا أن أبلغكم، بالنيابة عن حكومة جلالته، التصريح التالي، الذي ينطوي على العطف على أماني اليهود والصهيونية، وقد عرض على الوزارة وأقرّته:
“إن حكومة صاحب الجلالة، تنظر بعين العطف، إلى تأسيس وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين، وستبذل غاية جهدها، لتسهيل تحقيق هذه الغاية، على أن يُفهم جليا، أنه لن يؤتى بعمل من شأنه أن ينتقص من الحقوق المدنية والدينية التي تتمتع بها الطوائف غير اليهودية، المقيمة الآن في فلسطين، ولا الحقوق أو الوضع السياسي الذي يتمتع به اليهود في البلدان الأخرى”.
وسأكون ممتنا، إذا ما أحطتم الاتحاد الصهيونى علما بهذا التصريح.
المخلص
آرثر بلفور).
لقد كُثِّفَت خلاصة هذا الفعل الفاضح، الذي تضمنه الوعد البريطاني لليهود، وعُرف بـ”وعد بلفور”، بجملة واحدة، دقيقة، وشديدة الدلالة، تقول: “أعطى مَن لا يملك، لِمَن لا يستحق”. فبريطانيا التي كانت في خضم الحرب العالمية الأولى، حين أصدرت ذلك الوعد المشؤوم، تقاسمت لاحقا، هي وفرنسا، تركة الدولة العثمانية المهزومة، وفي مؤتمر سان ريمو، ١٩ – ٢٥ نيسان/ أبريل ١٩٢٠، قسَّمتا بلاد الشام “سوريا الطبيعية، إلى أربع دول، ونُصِّبَت بريطانيا وصية على فلسطين، فهيأتها: “جغرافيا وسياسيا واقتصاديا وسكانيا، بهجرة اليهود غير المشروعة إليها، لتكون “دولة يهودية”؟! حين انعقد المجلس الأعلى للحلفاء، في سان ريمو، لبحث شروط الصلح مع تركيا، وفق معاهدة سيفر “١٠ آب/ أغسطس ١٩٢٠”، ووافق على ذلك التقسيم، والتقاسم، والتنصيب، كانت الإرادة الشعبية في سوريا الطبيعية، “بلاد الشام”، قد أعلنتها في الثامن من آذار/مارس ١٩٢٠ مملكة مستقلة.. وما كان قرار المجلس الأعلى للحلفاء عام ١٩٢٠ في سان ريمو، إلا مشاركة في العدوان على حق الشعب العربي في بلاد الشام، ومن ثمَّ مشاركة بنصيب من الجريمة والعار، اللذين يمثلهما الفعل البريطاني المُسَمَّى وعد بلفور، الذي استنادا إليه، وتطويرا له، تم تأسيس كيان الإرهاب الصهيوني على حساب شعب فلسطين. وكان البريطانيون يعارضون هجرة اليهود إلى بريطانيا، ويرون أن من الأفضل لهم أن يستغلوهم في دعم بريطانيا خارج أوروبا.
وقد لاقى ذلك الوعد المشؤوم، غضبة عارمة من الأمة العربية، المغدور بها من الحلفاء، بموجب اتفاق سايكس بيكو، لا سيما في بلاد الشام، ومصر والعراق، على الخصوص، واستمر رفض الوعد، واستمرت الاحتجاجات، وبدأت الثورة ضد الاستعمار، بعد دخول القوات الفرنسية إلى لبنان وسوريا، ورغم وجود جيش الجنرال “اللنبي” في فلسطين والأردن.
وحين قام السيئ الذِّكر، جيمس آرثر بلفورد، الصهيوني العقيدة، التلمودي الثقافة، والصديق الحميم للصهيوني حاييم وايزمن.. بزيارة لفلسطين، عام ١٩٢٥، ووجه باحتجاج شعبي عارم، منذ نزوله في ميناء الاسكندرية، وحتى مغادرته دمشق، عائدا إلى بلاده. وعن زيارته تلك، أقتبس، من الأهرام، الذي غطى تلك الزيارة، في ذلك الحين، بعض ما وصف به مراسلوها ما كان، وما جرى، ولأُعذَر، إذا كان المقتَبَس طويلا بعض الشيء: “ذهب أولا إلى الإسكندرية بعد ظهر الاثنين 23 مارس 1925. وكان في استقباله وفد من المنظمات الصهيونية في مصر، وطلاب المدارس اليهودية، ويرأسهم حاخام. ولدى وصول السفينة أسپريا، الساعة 4 عصرا، صعد الحاخام إلى السفينة للترحيب به. وبعد استقبال دام ساعتين لم يحضره سوى المنظمات الصهيونية، سافر في عربة قطار، مجهزة خصيصا له، إلى القاهرة. وفي القاهرة نزل ضيفا على اللورد اللنبي وزوجته. وفي القاهرة قامت مظاهرات عارمة مندِّدة بوصوله. وكان أكبرها في حديقة الأزبكية.
وبينما كان القطار المقل لبلفور، يتقدم نحو فلسطين، انهالت رسائل وتلغرافات الاحتجاجات على مكاتب الأهرام. كانت إحداها مرسلة باسم الجالية السورية في مصر، وتخاطب بلفور: “نحن ندين إعلانك الجائر. ولن نتخلى عن حقوقنا السليبة وسنواصل نضالنا للنهاية على أمل تحقيق طموحاتنا القومية.” وكان التلغراف موقعا من أكثر من 20 شخصا، بينهم شكري القوتلي. وتلغراف آخر أرسلته الجالية الأردنية في مصر، مذكرة بلفور بأنه في طريقه إلى “البلد الذي دمر وعدُه المستهجن حريته”، وأن وصوله “سيزيد من تمسك الفلسطينيين ببلدهم”.
قضى بلفور أسبوعين في فلسطين، وسط إضرابات عامة، واحتجاجات من قبل الفلسطينين، وابتهاج من الصهاينة، الذين شرعوا في تسمية الشارع الدي مرت منه سيارته باسمه. وكانت المحطة الأخيرة له قبل أن يغادر في 7 إبريل، حيفا حيث المدينة بأكملها في داك الحين أضربت.
المرحلة التالية من جولة بلفور، أخذته إلى سوريا، وفي صباح 8 إبريل تم تعيين حراسة مشددة على القطار الذي سينقل بلفور، والوفد المرافق له، من حيفا إلى دمشق. واصطحب بلفور معه مسؤولين حكوميين، وعملاء بريطانيين، أرسلوا لضمان سلامته، لكن هذا لم يمنع القرويين من أن يحتجوا ويرفعوا لوحات سوداء أثناء مرور القطار.
كما أمَّنت السلطات البريطانية اتفاقية من حكومة المحمية الفرنسية في سوريا، لحماية بلفور، أثناء زيارته.
في اليوم التالي حدثت الاضطرابات في دمشق. بعد صلاة الظهر، وهرعت حشود تجاه فندق فيكتوريا، وحطمت حواجز الشرطة، ووصلت الحشود تقريبا أبواب الفندق”. المسؤولون حاولوا منعهم، وأطلاقوا عيارات نارية في الهواء. وفي 02:00 مساء، أرسلت ثماني عربات مدرعة لاستعادة النظام.” ووفقا لعدة وكالات الأنباء، أصيب حوالي 50 متظاهرا، وثلاثة في حالة حرجة، كما اصيب اثنان من رجال الشرطة في حين عانى العديد من رضوض وكدمات.
وجاء المتظاهرون في اليوم التالي والطائرات تحلق فوق المدينة على ارتفاع 150 مترا، في حين تم جلب عشرات من المدرعات والدبابات، ولم يستطع بلفور الخروج من الفندق، بسبب الحصار والاشتباكات. وفي لقاء مع اللورد بلفور والقنصل البريطاني في دمشق اقنعه القائد الفرنسي العام على مغادرة دمشق ومن أجل خروج الأعيان البريطانية، وضع الجنرال الفرنسي حيلة ذكية، هو أن يجعل الطائرات تحلق وتلف وتشتت انتباه الناس، وكان أن غادر بلفور الفندق في ٧ نيسان/ أبريل، دون لفت الانتباه.
وفي تحليله لجولة بلفور، علق الأهرام أنها: “أججت غضب المشرقيين في كل مكان وطأته قدم صاحب الوعد الآثم. وهو الأمر الذي ترك، بلا شك، أثرا في ذهن اللورد بلفور”. وعلق الأهرام أنها “أججت غضب المشرقيين في كل مكان وطأته قدم صاحب الوعد الآثم. وهو الأمر الذي ترك، بلا شك، أثرا في ذهن اللورد بلفور.”./ انتهى المُقتَبَس من الأهرام.
يقول الصهاينة اليوم، وبعد عقود من ممارسة العنصرية، والأرهاب، ومتابعة تنفيذ برنامج منهجي مُعتَمَد، لإبادة الشعب الفلسطيني، ماديا أو معنويا، أو الاثنين معا، ويقول معهم البريطانيون، شركاؤهم في تلك الممارسات الممتدة منذ بداية القرن العشرين، بأشكال مختلفة وعلى رأسهم تيريزا ماي: “في ٢ نوفمبر، سنحتفل بمرور 100 عام على وعد بلفور ـ الوعد الذي تعهد بوطن قومي للشعب اليهودي في أرض إسرائيل”؟! وعليهم أن يعلموا، أنهم إنما يحتفلون بالجريمة والعار، بالعنصرية، وممارسة الإرهاب، بالتسبب الكامل بمأساة شعب فلسطين، صاحب الأرض والحق، والتاريخ، والتراث، في فلسطين، وعاصمتها القدس.. وأن وراء هذا الشعب الكثير الكثير من العرب، ومن أحرار العالم، الذين يدركون مدى مظلوميته، ويعرفون بعض ما لحق به من تنكيل، وقتل، وتشريد، ومعاناة، على أيدي حثالة من العنصريين، قذفتها أوروبا إلى وطننا العربي، لنشقى بها، وليتذرعوا “بمظلوميتها” التي تمت على أيدي الأوروبيين، وليس على أيدينا، نحن الضحايا، فيتدخلوا في شؤؤننا، ويسعرون حروب إبادة، مادية ومعنوية ضدنا. وأننا لن ننسى، ولن تنهزم منا الأعماق ولن تخوننا الذاكرة، وسننتصر، على الرغم من الآلاف المؤلفة، ممن يوالونهم، ويوالون حلفاءهم، وأسيادهم الصليبيين.
وفي مقابل القول الإسرائيلي ـ البريطاني “نفتخر وسنحتفل”، نقول لهم: أنتم تفتخرون بالجريمة، وتحتفلون بالعار. ولا يمكن لبريطانيا، أن تتهرب من المسؤولية عما أصاب الشعب الفلسطيني، وما لحق بالأمة العربية، نتيجة تلك السياسة الاستعمارية ـ العدوانية ـ الحاقدة، الرعناء، التي خلقت صراعا داميا، وأسست لحروب ودمار، ولكراهية وفتنة، في هذه المنطقة الحضارية، ذات الإرث المقدس، من العالم.
لقد استدركت، السيدة تيريزا ماي، أمام سؤال، في مجلس العموم، إبَّان جلسة “الافتخار؟!” بالوعد ـ الجريمة، والعار، فقالت: “.. علينا أن ندرك حساسية بعض الأشخاص بشأن تصريح بلفور، ونحن نعترف أن هناك المزيد من العمل للقيام به. وما زلنا نلتزم بحل الدولتين، الذي هو هدف هام. من المهم أن نتعهد جميعنا، بأننا نستطيع توفير الأمن والاستقرار والعدل للإسرائيليين والفلسطينيين في إطار سلام دائم”؟!.. إن مما يؤسف له، بعد مرور مئة عام على الوعد ـ الجريمة، أنه ما زال النفاق البريطاني ـ حتى لا نقول أكثر من ذلك ـ يتدفق في الأقوال والأفعال والمواقف، في السياسات والممارسات، في التآمر والتواطؤ.. ضد قضايا عادلة، وشعوب مظلومة، تُنتهَك حقوقها وتُباد، وعلى رأسها الشعب الفلسطيني.. وما زال التوجه العدائي ـ الاستعماري ـ الصهيوني ـ التآمري، قائما، على قدم وساق، ضد العرب، وضد المسلمين.. ومن أبرز تجلياته، خلق “إسرائيل” ثانية، وثالثة، و.. والاستمرار في تجزيء البلدان العربية المجزأة، وتمزيق الأمة العربية وتدميرها، والاستثمار في الإرهاب، وتغذية الفتن والصراعات بين العرب والعرب، والمسلمين والعرب، والمسلمين والمسلمين.. والنهب مستمر، وتجارة السلاح، والحرب، والدم في ازدهار، وتنتقل من أوج إلى أوج.
لكن.. سيبقى العرب، وسيبقى الإسلام والمسلمون، وسيدركون، وسينتصرون، بعون الله..
وعمر الأمم والشعوب، لا يُقاس بعقود من الزمن، ووجودها لا تحدده خسارة معارك، ولا تواتر مؤامرات.

إلى الأعلى