الإثنين 20 نوفمبر 2017 م - ٢ ربيع الثاني ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / من واجباتنا حيال “العربية”

من واجباتنا حيال “العربية”

أ.د. محمد الدعمي

يدرك هؤلاء، وسواهم من المتخصصين جيدا أن عملية اكتساب لغة أجنبية بالمعنى الصحيح والدقيق، أي غير المشوب بالأخطاء والاختلالات المزمنة، لا يمكن أن يتحقق لجمهرة ملايين الراغبين بتعلم العربية في العالم من خلال مثل هذه التقنيات والأفكار الشائعة التي لا يمكن أن تحقق “المعجزات” عبر بضع سنوات. ويتمثل الدليل على نحو دقيق في أهمية ملاحظة ورصد الكيفية التي اتبعتها الأمم الأخرى لنشر لغاتها حتى صارت لغات عالمية بمعنى الكلمة..

ما انفك الأكاديميون والأساتذة العاملون في مختلف دول العالم يصدرون النداءات تلو النداءات الموجهة إلى حكومات الدول العربية، وأجهزتها المتخصصة من أجل ترجمة الاعتزاز باللغة العربية لدى هذه الحكومات إلى أفعال لخدمة هذه اللغة كي تقوم بتسخير الشيء المناسب من أموالها الوفيرة لحقل تدريس اللغة العربية بين الأجانب على سبيل نشرها عبر شعوب العالم، من خلال فتح معاهد تعليم لغة متخصصة وأقسام جديدة للغة العربية في الجامعات العالمية، أي تلك المراكز التي تقدم اللغة العربية على نحو “وجبات ميسرة” لمن يريد أن يتعلم الأساسيات في: كيف يتسوق أو يطلب وجبة غداء في مطعم ما بأية مدينة عربية، أو لمن يرنو أن يتعلم العربية بالأسلوب الخاطئ، من نوع: “تعلم العربية في خمسة أيام”، وهكذا.
يدرك هؤلاء، وسواهم من المتخصصين جيدا أن عملية اكتساب لغة أجنبية بالمعنى الصحيح والدقيق، أي غير المشوب بالأخطاء والاختلالات المزمنة، لا يمكن أن يتحقق لجمهرة ملايين الراغبين بتعلم العربية في العالم من خلال مثل هذه التقنيات والأفكار الشائعة التي لا يمكن أن تحقق “المعجزات” عبر بضع سنوات. ويتمثل الدليل على نحو دقيق في أهمية ملاحظة ورصد الكيفية التي اتبعتها الأمم الأخرى لنشر لغاتها حتى صارت لغات عالمية بمعنى الكلمة، كالإنجليزية والفرنسية والألمانية والإسبانية. أن المختصين في علوم اللغة وفقهها يعرفون جيدا تاريخ علم اللغة Linguistics الطويل الذي امتد لعشرات السنوات كي يصل إلى المستوى الذي وصل إليه اليوم من تعقيد وتقدم. لذا يدرك هؤلاء جيدا حجم الجهود العلمية والأكاديمية التي خصت ذلك الفرع التطبيقي من علم اللغة، المسمى بعلم اللغة التطبيقي Applied Linguistics، أي العلم الهادف إلى تطوير طرائق تدريس وتعليم اللغات العالمية الشائعة لغير الناطقين بها على مستوى العالم. هذه جهود علمية جبارة استأهلت الكثير من الأموال التي خصصتها مؤسسات ذات مصلحة من نشر اللغات القومية للإنجليز أو للفرنسيين في مختلف أنحاء العالم، ناهيك عن الوسائل الأخرى التي أسهمت في نشر وانتشار الرغبة في تعلم هذه عبر القارات عالميا.
هذا، للأسف، ما لا نفعله نحن العرب من أجل خدمة لغتنا العظيمة وترويج الرغبة بتعلمها من خلال تطوير طرائق تعليم هذه اللغة للآخرين، أي من هؤلاء الذين نخصهم بنظرة مشوبة بالدونية بوصفهم “أعاجم”، كناية عن أنهم لا ينطقون العربية بالطريقة الصحيحة.
إن المختصين بعلم اللغة العربية ونحوها في العالم العربي متأخرون كثيرا عن ركب المختصين بعلم اللغة الإنجليزية أو الفرنسية أو الإسبانية من هؤلاء العاملين على طرائق تعليم لغاتهم القومية لغير الناطقين بها في مختلف قارات العالم. ثمة فجوة واسعة يصعب تجسيرها بين دراساتنا وأبحاثنا العلمية في مجال تعليم وتعلم لغة العرب لغير الناطقين بها من مختلف أنحاء العالم، وبين ما قدمه علماء تلك اللغات الأجنبية، الإنجليزية خاصة، على سبيل تسهيل وتيسير تعليم لغاتهم.
انه لمن المؤسف بحق أن نجد فقهاء علم اللغة العربية المعاصرين ما زالوا لا يملكون سوى ما قدمه لهم أساطين النحو من القرن الميلادي الثامن (وما تبع من أزمنة)، أي أزمنة من مدرستي الكوفة والبصرة. هم ما زالوا حتى اللحظة عاجزين عن تقديم شيء يفوق أو يتفوق على ما قدمه عمالقة من عيار الخليل بن أحمد الفراهيدي وتلميذه سيبويه. وهم عاجزون عن إضافة صفحة أصيلة إلى كتاب (الكتاب) وإلى ما قدمه أبو عمر بن العلا والأصمعي وأبو عبيدة وابن سكيت من مؤسسي مدرسة الكوفة في علم اللغة.
إنه لمن الغريب، كذلك أن نجد هذه الأسماء العربية قد تفوقت مذاك على جميع الأمم في أساليب دراسة اللغة عن طريق إعتماد وملاحظة اللغة المستعملة يوميا، usage movement متوجهين صوب البادية، بحثا عما تقوله العرب وقبائلهم وكيفية قوله كي يراكموا خزينا معرفيا وأرشيفيا يعتمدون عليه من أجل استنباط قواعد اللغة وأنماط سلوكها كي يقدموا لنا من الأبحاث والدراسات ما لم يتمكن جهابذة علم اللغة العربية المعاصرين في جامعاتنا (ومجمعاتنا العلمية المتخصصة كذلك) من وسائل مستحدثة في سبيل استنباط وإيجاد طرائق علمية فاعلة لمساعدة الملايين من الأجانب الذين يرومون تعلم اللغة العربية بصدق، من هؤلاء الذين يتحدون جدران الخوف الشائعة من أنها لغة “صعبة” لا يمكن اكتسابها بسهولة! ويعرف علماء وفقهاء اللغة أنه لا يوجد معيار من هذا النوع في علم اللغة؛ أي أنه لا توجد لغة “صعبة”، وأخرى “سهلة” لمن يريد تعلم لغة أجنبية. هذه خرافات راسبة في قعر العقول التي لم تزل غير قادرة على تحرير نفسها من مكبلات المدارس النحوية التقليدية القديمة المعتمدة على تعلم الطرائق التقليدية القديمة لتعليم العربية كلغة أجنبية، أي على الطرق الكلاسيكية المرتكنة إلى الترجمة وليس إلى الاستعمال الحقيقي واليومي للغة.
إنها دعوة لعلمائنا من المختصين بعلم اللغة العربية إلى تحرير طرائق تدريس اللغة العربية وتعليمها من القيود القديمة التي جعلت العربية تبدو أمام الأجنبي الذي يريد أن يتعملها، أشبه بقارة بعيدة المنال: لا يمكن لأحد أن يطأ شواطئها قط.
إنه لمن الواجب على المرء أن يشكر سمو الشيخ محمد بن راشد رئيس مجلس الوزراء في دولة الإمارات العربية المتحدة، لما قدمه للغة العربية من خدمات جليلة، لا بد وأن تثمر بالقريب العاجل بما تتمناه للغة القرآن الكريم من عناية وشيوع.

إلى الأعلى