الأربعاء 18 أكتوبر 2017 م - ٢٧ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / حتى لا تغيب المناسبة عن وجدان الأمة

حتى لا تغيب المناسبة عن وجدان الأمة

سعود بن علي الحارثي

” اعتدت في هذه الأيام المباركة من كل عام التعبير عن مكانة رمضان الذي تشرق أنواره أرجاء الكون،وعن سماته وحقوقه وروحانياته والمضي في إجراء المقارنات بين حال الأمة في أيامه الراهنة وحالها في سابق الأيام من زوايا متعددة إيمانية وعلمية واجتماعية واقتصادية وقيمة المنجز،والدعاء الخالص للخالق عز وجل بأن يجعل أيام الأمة في المستقبل أفضل حالا من الحاضر…”
ــــــــــــــ

اعتدت الكتابة عن المناسبات الإسلامية التي نحتفي بها مرة كل عام في أشهر وأيام مباركة،إذ نتفاءل بإشراقاتها،مؤملين الخير الجزيل مستشعرين أجواء الطمأنينة وراحة البال،يدفعنا الحرص والتفاني على إتيان الأعمال الصالحة،وتشكل هذه المناسبات جزءا أساسيا من الدورة الزمنية للسنة الهجرية،وهي إلى كونها مناسبات تتسم بالتنوع والاختلاف والثراء في الغايات والمعاني والدلالات وفي طريقة وأسلوب الاحتفاء والمكانة الدينية،وشكلت تحولا كبيرا في حياة الأمة وتقف وراء الاحتفاء بها أهداف جوهرية لا يفترض أن تغيب عن بال الإنسان المسلم في الزمان والمكان لكي يضمن بقاءها حية في وجدانه،فهي إلى كونها كذلك تقدم للكاتب العادي الذي ألزم نفسه ما لا طاقة لها به من عبء المقال الأسبوعي الذي يحسب لموضوعه وعنوانه وإعداده وطباعته ومراجعته ألف حساب قبل أن يصل إلى المختصين فينزل في موقعه بصحيفة الرأي في يومه المعروف،تقدم مادة دسمة قادرة على معالجة ما يجده من شح وما يئن له من عي وحصر … وقد اعتدت في هذه الأيام المباركة من كل عام التعبير عن مكانة رمضان الذي تشرق أنواره أرجاء الكون،وعن سماته وحقوقه وروحانياته والمضي في إجراء المقارنات بين حال الأمة في أيامه الراهنة وحالها في سابق الأيام من زوايا متعددة إيمانية وعلمية واجتماعية واقتصادية وقيمة المنجز،والدعاء الخالص للخالق عز وجل بأن يجعل أيام الأمة في المستقبل أفضل حالا من الحاضر الذي تعاني فيه من الضعف ومن التمزق ومن التخلف والصراعات والحروب التي عمت معظم مدنه ومجتمعاته كما نشاهده ونعيشه ونلمسه في أكثر من صعيد وفي أكثر من مكان وزاوية،وفي كل عام حيث نلتقي مع هذا الضيف الكريم نعتقد بأن واقع الأمة قد بلغ المنتهى في الهشاشة والتراجع والعبثية ولن يلبث هذا المسلسل التراجيدي المحزن إلا أن يتوقف،وسوف نشهد في رمضان القادم واقعا آخر تكتسي فيه الأمة حلة جديدة مطرزة بالأمل المعقود بالعمل،المفضي إلى التطور والنهوض والنشاط والارتقاء وتنقية رسالة الإسلام من الشوائب التي تلصقها أفعالنا به،من منطلق أن الغفلة والتراجع والضعف واهتزاز الثقة بالنفس وبحور الدم التي سالت أودية وأنهارا لها حدود ونهاية وآن لها أن تتوقف،ونغرق عاما كاملا في الأحلام مستسلمين إلى واقع خيالي جميل يأبى للأسف أن يتحقق،وتعود المناسبة من جديد والأمة في حال أكثر تعقيدا واشد تمزقا غارقة في البؤس والفتن وتصفية الاخوة لبعضهم البعض بأشد الأسلحة فتكا ،متجاهلين غايات الإسلام ورسالته ونصوصه القرآنية وأخلاق النبي وتعليماته،ومما يؤسف له وهو ما يضاعف من حزننا وألمنا أننا نحدث كل تلك المآسي والكوارث وأعمال القتل الوحشية والتشريد والتدمير الهائل والخراب وتمزيق جسد الأمة باسم الإسلام وبتبرير من نصوصه التي لم تسلم من العبث والالتواء والتوجيه المتعمد في التفسير والتزوير لننفذ منها تبريرا إلى أعمالنا الوحشية .. ولا يملك المسلم البسيط الذي لا غاية له في هذه الحياة ولا هدف أكثر من ممارسة شعائره الدينية بما يعزز إيمانه ويحقق رضا خالقه،والعيش بكرامة واستقرار إلا أن يتساءل عن مستوى ودرجة تأثير هذه المناسبات علينا في أخلاقنا وفي قيمنا وفي تمسكنا بديننا الحنيف وفي قوة إيماننا بعقيدتنا السمحة ومضامينها الثرية وتعليماتها الإصلاحية التي تستهدف أولا وأخيرا صلاح الإنسان والارتقاء بإنسانيته في مقابل الصورة المؤلمة للأعمال التي نراها وأشرنا لها ؟ لماذا نتأثر بهذه المناسبات تأثيرا وقتيا يرتبط بالزمن القصير للمناسبة ويتسم بالعاطفة التي ما تفتأ أن تخفت قبل أن يكمل اشتعالها،تأثرا يخلوا من التعقل ومن الحكمة من حيث التفكر والتدبر في عمق المناسبة وتحليل أغراضها ومعانيها التي تستهدف كما أشرنا مصلحة الإنسان وصلاح الأمة وبعد رحيلها نعود إلى سابق عهدنا وكأن شيئا لم يحدث؟،يؤدي المسلم في هذا الشهر المبارك فريضة الصيام،ويسابق الآخرين إلى المسجد لأداء الصلوات الخمس وقيام الليل وقراءة القرآن والدعاء الخالص والحرص على فعل الخير في أكثر من موقع وبطرق متعددة وهي أفعال طيبة ومقدرة ولا يختلف على أهميتها اثنان … ولكن في المقابل تبقى الأفكار المغلوطة مترسخة مترسبة في ذهنه تأبى أن تفارقه،أفكار تسببت في مآسي هذه الأمة وفي تفككها وفي تخلفها وقي تشويه صورتها المشرقة … إقصاء الآخر وتكفيره ونبذ سبل الحوار وقتل النفس والإفساد في الأرض،وهي أفعال حرمها ديننا الحنيف كما حرمتها جميع الشرائع من قبل،وينبغي على المسلم وهو يعيش هذه الأيام المباركة ويستضيف المناسبات العظيمة أن يتدبر بعمق في واقعه ويتأمل نتائج سلوكه وأفعاله ويسعى جاهدا وبكل تجرد وموضوعية إلى تمييز الصالح منها والفاسد والحرص على تعزيز الجانب المرتبط بالصلاح والتخلص من الأخر المسيء لصورة الإنسان المشرقة التي تجسد حقيقة المسلم كما أراده خالق هذا الكون وهو ما تهدف إليه وتبتغيه هذه المناسبة وأمثالها،إصلاح النفس وإعادتها إلى جادة الصواب.

إلى الأعلى