الإثنين 18 فبراير 2019 م - ١٣ جمادى الأخرة ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / البيئة الاستثمارية.. هل ما تزال تعيق سياسات التنويع 2/4؟

البيئة الاستثمارية.. هل ما تزال تعيق سياسات التنويع 2/4؟

سعود بن علي الحارثي

” إلى متى سنظل معتمدين على الاقتراض والسحب من صندوق الاحتياط واتباع سياسات التقشف لتمويل موازنتنا السنوية وتقليص العجز مع ما لذلك من مخاطر وتأثيرات كبيرة على مستقبل الوطن واستقلالية قراراته ؟ لماذا لا نوجه جهودنا وطاقاتنا إلى محافظات وولايات السلطنة التي تتمتع بمقومات وثروات سياحية وسمكية وزراعية وبشرية ومعادن ومحاجر وغيرها فنستثمر فيها لتحقيق أهداف متعددة… ”
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

من المحزن كذلك والمحفز لطرح الاسئلة تلو الأسئلة – التي إما أنها تظل معلقة لا إجابات مقنعة ترافقها، أو يسعى بعض الكتاب والمحللين والخبراء اجتهادا للوصول إلى إجابات يختلف أو يتفق عليها المتحاورون والمشاركون في النقاشات الوطنية المتواصلة – أن معظم إن لم يكن جميع هذه الملفات والمواضيع طرحت واشبعت حد التخمة نقاشات موسعة وأعدت حولها دراسات وتوصيات متخصصة وشكلت لها لجان وفرق كثيرة ونظمت ندوات وجلسات عمل منذ مطلع الثمانينات، وانا شخصيا شاركت بصفتي موظفا في لجان المجلس الاستشاري للدولة والشورى في مناقشة وطرح مختلف القضايا الاقتصادية بدءا من سوق العمل وما يشهده من فوضى ومخاطر التجارة المستترة وارتفاع عدد اليد العاملة الأجنبية وتعمين الوظائف في القطاع الخاص، مرورا بسياسات التعمين، وسياسات تنويع مصادر الدخل وتشجيع الصناعات والشركات الصغيرة والمتوسطة وجذب الاستثمارات الأجنبية والعمل على تسهيل الاجراءات وأهمية توحيد الامتيازات بين القطاعين الحكومي والخاص لتشجيع الشباب العماني للانخراط في مؤسسات هذا الأخير… الخ، فلماذا ما نزال(محلك سر) بشأن تلك الملفات الوطنية الهامة بالرغم من أن معظمها صاحبها توجيهات وأوامر سامية تؤكد على هذه الأهمية وتدعو جميع الأطراف الفاعلة للعمل على معالجة كل المشاكل والمعيقات التي ترافقها، فأين تكمن المشكلة إذن ؟ هل في تداخل المصالح وارتباط عدد من المسئولين والنافذين بأعمال ومشاريع وعلاقات استثمارية وتجارية، وتشكل العديد من القرارات والسياسات والتشريعات إضرارا بمصالحهم في حال تنفيذها والعمل بها على أرض الواقع ؟ هل في ضعف التشريعات والقوانين والآليات المعدة والمقرة كونها غير محفزة وليست مشجعة لخلق بيئة استثمارية مثالية ؟ أم في تباين السياسات واختلاف وجهات النظر بين طرفي المعادلة في التعامل مع المحاور والمسارات ذات العلاقة بهذه الملفات وهما المؤسستان (الأمنية والحكومية) والتي يمثل الأخيرة مجلس الوزراء، هل في ضعف الجهاز الاداري للدولة وما يعانيه من ترهل ومشاكل تتراكم يوما بعد آخر وتداخل الاختصاصات والمسئوليات بين مؤسساته – وهو ما سنعرض له في وقت لاحق – أدت إلى تعقيد الاجراءات وبطء التجاوب مع التعليمات والتطورات التي تمليها الظروف الاقتصادية الراهنة والدعوة إلى الانتقال إلى (الحكومة الالكترونية) و(المحطة الواحدة) ؟ هل كل تلك العوامل مجتمعة وغيرها تؤخر مسارنا وتعيق أهدافنا وتحبط تطلعاتنا في إحداث نقلة اقتصادية وثابة تعالج أزمة اليوم وتعد بمستقبل مزدهر مشرق ؟ لماذا لم ننجح في معالجة ملف التعمين بكل إشكالاته ومخاطره، وتنظيم سوق العمل ومحاصرة التجارة المستترة والقضاء عليها، وتعزيز الموارد وزيادة مساهمات قطاعات الزراعة والاسماك والسياحة والصناعة والتجارة والمعادن وغيرها في الاقتصاد القومي وفقا للنسب التي تضمنتها الخطط والموازنات المعدة منذ الثمانينيات، وتحرير شركات ومؤسسات القطاع الخاص وخلق اقتصاد قوي متعدد المصادر متحرر من الاعتماد على المشاريع والدعم الحكومي، وتسهيل الاجراءات، والاستغناء عن النفط ، وإحراز تقدم ملموس يفترض ان نشهد ملامحه ونحصد ثماره اليوم مع تراجع أسعار النفط ؟ لماذا لم نحسب حساب السنوات العجاف عندما كانت أعوامنا سمانا وأيامها مزدهرة بأسعار نفط تصل إلى المئة دولار ؟ لماذا ضاقت بنا الخيارات وألجأتنا الظروف التي لم نحسب حسابها الى التضييق على المجتمع بفرض المزيد من الضرائب ورفع الدعم عن بعض الخدمات المهمة ووقف الترقيات والتوظيف وتقليص المشاريع الحكومية التي أضرت كثيرا بالشركات الصغيرة والمتوسطة، وقد تفضي إلى تسريح العديد من العمانيين العاملين فيها .؟ لماذا لا نفيق من غفوتنا وننتفض من سباتنا ونتحرر من الأمل المسيطر علينا بارتفاع أسعار النفط لمعالجة أزمتنا الاقتصادية في الوقت الذي قررت فيه الكثير من دول العالم المتقدم ومصانعه التوقف عن تصنيع السيارات التي تعمل بالبترول ؟ إلى متى سنظل معتمدين على الاقتراض والسحب من صندوق الاحتياط واتباع سياسات التقشف لتمويل موازنتنا السنوية وتقليص العجز مع ما لذلك من مخاطر وتأثيرات كبيرة على مستقبل الوطن واستقلالية قراراته ؟ لماذا لا نوجه جهودنا وطاقاتنا إلى محافظات وولايات السلطنة التي تتمتع بمقومات وثروات سياحية وسمكية وزراعية وبشرية ومعادن ومحاجر وغيرها فنستثمر فيها لتحقيق أهداف متعددة منها : توفير فرص عمل للشباب، تشجيعهم وتحفيزهم للعمل والاستثمار في الصناعات والتجارة والقطاعات الاقتصادية المتعددة، تشجيع ثقافة العمل الخاص وتنمية المواهب، تعزيز مسارات التنمية وازدهار المحافظات والولايات، تحقيق سياسات وأهداف التنويع … ؟ في حقيقة الأمر فإن الأسئلة تتزاحم وهي ليست بجديدة فقد طرحت من قبل في عشرات المقالات التي نشرتها وزملائي الكتاب، وما تزال إجاباتها معلقة. ويبقى الأمل معقودا بأن تؤدي السياسات الحالية، وجهود البرنامج الوطني لتعزيز التنويع الاقتصادي (تنفيذ)، والمشاريع والاتفاقيات التي تنفذ في العديد من مناطق السلطنة وفي مقدمتها المنطقة الاقتصادية في الدقم إلى تحقيق الأهداف والسياسات المرجوة في قيام اقتصادي عماني متعدد الموارد وفي خلق بيئة استثمارية جاذبة ومحفزة، قادرة على توفير الكثير من الفرص الوظيفية للباحثين عن عمل، ولن يتأتى ذلك بالطبع ولن تتحقق الغايات إلا بمعالجة المشكلات والمعيقات التي تطرح من قبل العديد من رجال الأعمال ومؤسسات القطاع الخاص وأصحاب الطلبات والمبادرات الذين تختزن تجاربهم اليومية بعشرات المواقف والصور المؤسفة والمحبطة والتي سنستعرضها بإيجاز في الجزئين الثالث والرابع من المقال (يتبع).

سعود بن علي الحارثي
Saud2002h@hotmail.com

إلى الأعلى