الثلاثاء 20 نوفمبر 2018 م - ١٢ ربيع الاول ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / ازدواجية تتجسد في انفصالين

ازدواجية تتجسد في انفصالين

” .. بعد قيام النظام الجمهوري بالعراق عام 1958 سمح للقوميين الأكراد بالتنظيم علنا واعترف الدستور العراقي الجديد بـ “حقوق وطنية” للأكراد قبل أن يؤدي تمرد كردي إلى حل الحزب الديمقراطي الكردستاني ثم توافق الحكومة العراقية والأحزاب الكردية على معاهدة سلام تمنح الحكم الذاتي للأكراد والذي تأثر بكافة الأحداث التي مر بها العراق بدءا من الحرب العراقية الإيرانية مرورا بغزو الكويت وحرب 2003 …”
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بين أحلام الانفصال في إقليمي كردستان العراق وكاتالونيا الأسباني تتشابه المقدمات والتسلسل الزمني والآليات لتتضح الازدواجية في التعامل الدولي مع الموقف من الإقليمين.
فمسألة إقليم كاتالونيا بدأت في العام 1714 عندما استولت القوات الفرنسية الاسبانية على برشلونة ليختار الكتالونيون الوقوف إلى جانب ملك النمسا شارل في حربه على عرش اسبانيا مع دوق انجو فيليب الذي ظفر بالعرش واستولت قواته على المدينة.
وفي 1931 ولدت في اسبانيا جمهورية ثانية اقر فيها البرلمان حكما ذاتيا لكاتالونيا لكن وفي تشابه مع الظرف الحالي تصاعدت في العام 1934 مطالب الانفصاليين التي دفعت رئيس حكومة كاتالونيا إلى اعلان “دولة كاتالونية والتي لم تستمر سوى 10 ساعات تدخل خلالها الجيش الاسباني ليلغي بعدها بـ 5 سنوات الجنرال فرانكو المؤسسات الكاتالونية التي عادت في مرحلة الانتقال إلى الديمقراطية عام 1978 مع استعادة الإقليم للحكم الذاتي وتشكيل حكومة لمنطقة كاتالونيا وليصل منحى الصعود إلى منتهاه مع تعزيز الحكم الذاتي في مارس 2006 ليبدأ المنحى في الهبوط بعد ان أصر برلمان الإقليم على نص يعرف كاتالونيا على انها أمة ما تبعه من تصويتات رمزية للاستقلال قبل أن تأمر المحكمة الدستورية في يونيو 2010 بإلغاء أجزاء من ميثاق 2006 تشمل مصطلح “أمة” الأمر الذي تبعه تظاهرات واستفتاءات رمزية توجت بفوز الأحزاب الاستقلالية بأغلبية مقاعد برلمان المنطقة في 2015 وتنصيب كارليس بوتشيمون رئيسا لكاتالونيا في 2016 ثم الاستقلال الأخير الذي فجر مسلسل من عدم الاستقرار آخر حلقاته إعلان مدريد الوصاية على الإقليم.
وبالمثل جاء التسلسل في التطلعات الكردية للانفصال حيث بدأت هذه التطلعات في العام 1918 بعد هزيمة الإمبراطورية العثمانية في الحرب العالمية الأولى واحتلال بريطانيا ولاية الموصل لتقع مناطق تمركز الأكراد تحت الحكم البريطاني قبل أن تعلن جزءا من الدولة العراقية التي أقيمت تحت الانتداب البريطاني في العام 1919 غير أن الأزمة ظلت تحت الرماد بتوقيع الحكومة العثمانية في 1920 اتفاقية سيفر التي تنص على قيام دولة كردية تخضع لموافقة عصبة الأمم وتنص المادة 64 منها على منح الأكراد الذين يسكنون ولاية الموصل حق اختيار الانضمام لدولة كردستان المستقلة في المستقبل.
وتوالت بعد ذلك الانتفاضات الكردية بدءا من 1923 على يد محمود البرزنجي ضد الحكم البريطاني وفي برزان عام 1932 احتجاجا على دخول العراق في عصبة الأمم المتحدة وتجاهل دعوات الأكراد للحكم الذاتي وانتفاضة 1943 التي شهدت سيطرة مصطفى بارزاني على مناطق كبيرة من أربيل وبادينان وغيرها من الانتفاضات التي شهدت تجاذبات وإعلانات لمناطق نفوذ.
وبعد قيام النظام الجمهوري بالعراق عام 1958 سمح للقوميين الأكراد بالتنظيم علنا واعترف الدستور العراقي الجديد بـ “حقوق وطنية” قبل أن يؤدي تمرد كردي إلى حل الحزب الديمقراطي الكردستاني ثم توافق الحكومة العراقية والأحزاب الكردية على معاهدة سلام تمنح الحكم الذاتي للأكراد والذي تأثر بكافة الأحداث التي مر بها العراق بدءا من الحرب العراقية الإيرانية مرورا بغزو الكويت وحرب 2003 حيث تشابكت الأطراف الإقليمية في هذا النزاع قبل أن يحظى الحكم الذاتي للإقليم بعصره الذهبي بدءا من 2005 وحتى الاستفتاء على الانفصال في سبتمبر الماضي.
ورغم التشابه في هذه المقدمات نجد أن التعامل الغربي مع الانفصالين مختلفا جذريا .. ففي حين تشهد تطلعات إقليم كردستان العراق دعما مستترا عبر التبادلات الاقتصادية والعسكرية مع الإقليم أو حتى عبر الإدانات الخجولة المغلفة بدعوات ضبط النفس أو اعتبار أن خطوة استقلال الإقليم غير مناسبة في الوقت الحالي وذلك في مقابل الدعم الشديد الذي تحظى به مدريد وإعطائها الضوء الأخضر في التعامل مع الانفصاليين بل والتغاضي عن العنف الذي صاحب تصدي السلطات لهم.
وإذا كانت تجارب الانفصال بمجملها تنتج خسائر للطرف المنفصل فإن الدرس المستفاد من هذه الازدواجية الغربية في التعامل مع الانفصاليين يؤكد أن شعارات مثل حق تقرير المصير وغيرها من الشعارات الحقوقية ما هي إلا أدوات يتم توظيفها خدمة للمصالح.

Aydi007@yahoo.com

إلى الأعلى