الثلاثاء 21 نوفمبر 2017 م - ٣ ربيع الثاني ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / المحليات / رحاب : سمحان.. يا جبل الصلاة (1)

رحاب : سمحان.. يا جبل الصلاة (1)

أحمد المعشني

ها نحن نعيد التجربة الممتعة مرة أخرى، في 27 أكتوبر من العام الماضي2016 جئنا إلى هذا المكان بعد الغروب بقليل، كنا سبعة أشخاص، خططنا للرحلة التي بدأت مزاحا ثم صارت فكرة تحد عندما كنا في رحلة خلوية إلى جبل سمحان، فكنا ننظر من ذلك الإرتفاع الشاهق وفي عقولنا ما سمعنا من أساطير وما قرأنا لأحد المدونين ويدعى أبو تميم العمري في مدونته التي عنون فيها مقاله ” رحلة شقاء” فاستطرد يسرد الأهوال التي لقيها جراء رحلته التي لم يخطط لها وما انتابه من خوف وفزع ورعب بعد أن قاده حظه العاثر وعدم التخطيط وانقطع به الحال ليلا في عين” قفة” التي تتموضع بطن الجبل وتمثل ” سرته” التي تفصل جذعه الأعلى عن أطرافه التي تتمدد في شعاب ” صولوت” فتصل الجبال الشاهقة بالمحيط الواسع، بينما يحتضن رأسه منابت اللبان الحوجري ومراتع الغزلان والوعول وشتى الحيوانات البرية. كانت كلمات أبي تميم ومشاهد ليلة الرعب التي قضاها في ذلك المكان الموحش تستفز مشاعر التردد والخوف عندما كنا نفكر بالرحلة، ولكي أتأكد من صدق ما ذهب اليه المدون، سألت أحد أصدقائي المحبين للمغامرات ورحلات الاستكشاف عن صعوبة ومشقة الرحلة، فأكد لي بأن الصعود صعب وشاق، ولكنه ليس مستحيلا. وذكر أنه منذ سنوات قام برحلة بمعية بعض المغامرين واضطرتهم ظروفهم أن يقضوا ليلة في الجبل عند عين الماء ” قفة” أو “قوفات” كما تنطق باللهجة المحلية، بعد ذلك قرأت موضوعا لأحد المدونين يصف رحلته إلى ذلك المكان بعنوان “رحلة رعب” فازداد فضولي، وصرت أتساءل أي رعب هذا؟! وكيف استطاع أجدادنا بجمالهم ووسائلهم البدائية وظروف معيشتهم الصعبة أن يسلكوا ذلك الممر المسمى( خارش) صعودا وهبوطا يسوقون جمالهم الضامرة محملة باللبان من وإلى منابت اللبان في “حوجر”. وكيف استطاع رعاة الإبل والأغنام أن يتكيفوا في تلك المناطق الوعرة، معرضين عن المناطق السهلة في سفوح جبال سمحان و وديان” صولولت”؟! ولم يمض وقت طويل وأنا أجمع المعلومات عن الممر وأقرأها وأسمعها من محبي رياضة المشي والتسلق حتى قرأت مقالا أكثر واقعية للصحفي بخيث كيرداس الشحري نشره في أحد أعداد جريدة عمان عام 2015 بعنوان” ممر خارش” في جبل سمحان.. يمثل سياحة المغامرات والترحال في ظفار” عرض فيه الكاتب كلاما متزنا يظهر أن الصعود عبر الممر شاق جدا، وأنه سيبقى حكرا على محبي المغامرات والمستشكفين، فازددت شوقا، وصار صعود الجبل هاجسا في عقولنا فقررنا أن نخوض تدريبات لاستعادة لياقتنا الجبلية، فجميعنا قضينا طفولتنا في الجبال، وقطعت أقدامنا الآف اليكلومترات قبل أن نعرف السيارات، وصعدنا جيالا ووديانا وسفوحا قبل أن نلتحق بالمدارس ونعرف الرفاهية، وأذكر أننا في غمرة الإستعداد كنا ننتهز الفرص ونصعد بعض المرتفعات ونسلك بعض الطرق الوعرة في وديان ريثوت وجنين وعوربات وغيرها من وديان ظفار، وبعد قررنا أن نكتشف أفضل الممرات لطلوع ” خارش” وخارش كلمة عربية قديمة متجذرة في اللهجة الظفارية الجنوبية وتعني في اللغة العربية حسب تفسير معجم المعاني أخذ الشيء على كره، أو هرش الشي، أو أنشب فيه أظافره، فالإيقاع الصوتي للكلمة يبعث على عدم الراحة، ويظهر ما وقر في العقول من مشقة وصعوبة. استمر التدريب على المشي خلال العطلات الرسمية ضمن برامج رحلاتنا، وكنا نستعرض قصص المغامرين الذين يتحدثون عن رحلاتهم بالفخر وينقلون أخبار من تعرضوا لمخاطر الجلطات القلبية وبعض الذين أصابهم الإعياء فاضطر رفاقهم لحملهم أو حمل أمتعتهم، ومنهم من سقطوا ضحايا للشد العضلي. أخبار لا تسر من يفكرون بالصعود، كانت هذه الحكايات في عقلي وأنا أنظر في العجز الأخير من الليل إلى الجبل العملاق يطل بكل عظمة وعنفوان، والنجوم ترصع السماء الزرقاء فتزيدها جلالا وبهاء، والنسيم الصربي الناعس يدغدغ مناجاة” يا الله” يا الله” يا الله” كم أنت عظيم وأتذكر جيدا ما رواه لي الصديق د. محمد بن مسلم دبلان عامرجيد المهري بأن كلمة ” صولوت” تعني في اللغة العربية القديمة الجبل المقدس، وهي فعلا تحوير جميل لكلمة” صلاة” لا تملك وأنت تنظر إلى جبال سمحان إلا أن تشعر بكل طاقتك الروحية تستعيد حياتها ونشاطها وتستيقظ في داخلك جميع الصلوات وبجميع اللغات في تدفق عجيب، أريد أن أصرخ وأهتف وأنا أناجي الله سبحانه وتعالى تحضر في عقلي قصص الأنبياء والنساك والعباد الذين قادهم التأمل في الجبال إلى معرفة الخالق عزوجل.. الجبال تتكلم، وجبل سمحان في تلك اللحظات من تلك الليلة كان يخاطبني في أعماقي، ويدعوني إلى الصلاة والسجود والصعود. للحديث بقية.

د. أحمد بن علي المعشني
رئيس مكتب النجاح للتنمية البشرية

إلى الأعلى