الأربعاء 19 سبتمبر 2018 م - ٩ محرم ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / وداعا للأحلام .. انتهى زمن “الشقاوة”

وداعا للأحلام .. انتهى زمن “الشقاوة”

محمد عبد الصادق

” لم نسمع يوما عن وصفة ناجحة لصندوق النقد والبنك الدوليين لتوليد فرص العمل وتوطين الأنشطة الزراعية والصناعية وإعطاء قروض ميسرة لدعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة أو مساعدة الدول النامية في رفع مستوى الخدمات الصحية والتعليمية وتطوير البنى التحتية والمرافق؛ لتوفير الكهرباء والمياه والصرف الصحي والطرق اللازمة لإيجاد بيئة صالحة لإنشاء المشروعات الإنتاجية…”

عزيزي المواطن والمقيم في دول الخليج .. إذا استيقظت من نومك غدا ووجدت أسعار النفط قفزت فوق المائة دولار فاحذر .. أرجوك لا تفرط في التفاؤل ولا تظن أن الأحوال ستنتعش وحياة الرفاهية ستعاودك من جديد .. فلن ترجع أسعار البنزين إلى ما كانت عليه منذ عامين , ولن تعاود أسعار المياه والكهرباء الانخفاض ولن يعود الإنفاق الحكومي على الدعم والخدمات والمناقصات لمعدلاته السابقة, وكل ما يمكن أن تتعشم فيه أن تبطئ الحكومة من وتيرة تطبيق بقية الإجراءات التقشفية, وتدعو الله ألاَّ تقترب التخفيضات من خدمتي الصحة والتعليم وتبقي الحكومة على مبلغ الدعم الموجه إليهما وألاَّ تستجيب لتوصيات البنك الدولي الذي يورط حكومات العالم في إجراءات صعبة يدفع ثمنها محدودو الدخل ويسميها إصلاحا اقتصاديا وهي في الحقيقة لا تعدو أن تكون إصلاحا ماليا وحلا سهلا تلجأ إليه الدول في زمن الأزمات.
معظم الدول استجابت لنصائح البنك الدولي في محاولة منها لسد العجز في موازناتها بتقليل مصروفاتها عن طريق إلغاء الدعم أو على الأقل ترشيده وفرض ضرائب على الدخل وتجميد التوظيف الحكومي ولجم بند الأجور والمرتبات.
لم نسمع يوما عن وصفة ناجعة لصندوق النقد والبنك الدوليين لتوليد فرص العمل وتوطين الأنشطة الزراعية والصناعية وإعطاء قروض ميسرة لدعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة أو مساعدة الدول النامية في رفع مستوى الخدمات الصحية والتعليمية وتطوير البنى التحتية والمرافق؛ لتوفير الكهرباء والمياه والصرف الصحي والطرق اللازمة لإيجاد بيئة صالحة لإنشاء المشروعات الإنتاجية وجذب الاستثمارات الأجنبية لتحقيق التنمية المستدامة والقضاء على الفقر ورفع المستوى الصحي والثقافي لجموع المواطنين, وفي نفس الوقت مساعدة الدول الفقيرة في الوفاء بالتزاماتها وسداد ديونها عن طريق زيادة حقيقية في الإيرادات ونمو اقتصادي حقيقي وعادل دون الجور على حقوق الأجيال القادمة في ثروات البلاد وتحميلها فاتورة الفوائد والديون.
دول الخليج معذورة فيما اضطرت إليه من إجراءات يراها البعض قاسية, جراء ما مرت به من تجربة أليمة .. فبين ليلة وضحاها تراجعت أسعار النفط ـ المصدر الرئيسي ويكاد يكون الوحيد للدخل لمعظم دولها ـ من 120 دولارا للبرميل في يوليو 2014م ’ حتى لامست الأسعار 26 دولارا في يناير 2016م , ووصل الحال بأغلب الدول خلال العامين الماضيين لعدم كفاية إيراداتها من بيع النفط لتغطية بند الأجور والمرتبات فقط , واضطرت معظمها للسحب من صناديقها السيادية أو الاستدانة من الداخل والخارج وإصدار السندات الدولية لتغطية احتياجاتها ومصروفاتها التي تعاظمت خلال سنوات “العز” الماضية , التي شهدت إنفاقا حكوميا يصل لحد البذخ على بنود غير أساسية.
سيارات فارهة ورحلات خارجية وتذاكر طيران “فيرست كلاس” لكبار وصغار الموظفين بحجة التدريب والتأهيل وإرسال وفود ضخمة للمشاركة في اجتماعات وهمية ببلاد لم نسمع عنها من قبل لا تربطنا بها مصالح ولا قضايا مشتركة, و تنظيم مؤتمرات وملتقيات وندوات؛ كثير منها “عديم الأثر” في فنادق خمس نجوم يكون اهتمام أكثر المشاركين فيها “البوفيه المفتوح” والأظرف المغلقة التي توزع في الختام دون استفادة حقيقية من الأوراق العلمية ولا من “المكلمة” التي نصبت طوال مدة الفعالية “لتحليل الدولارات” وذرا للرماد في العيون.
مع التسليم بأن الأرزاق بيدي الله , لكن المعطيات تشير إلى أن قاطني دول الخليج مقبلون على خمس سنوات عجاف؛ تزيد خلالها أسعار السلع والخدمات وتفرض الضرائب والرسوم على المواطنين والمقيمين ـ الذين سيغادر نصفهم على الأقل منطقة الخليج ـ , وعلى الجميع تهيئة أنفسهم للتعايش مع نمط الحياة الجديد الذي ستنخفض فيه القيمة الشرائية ويتراجع مستوى المعيشة والذي يقدره بعض المحللين الاقتصاديين بنسبة 30% على الأقل.
هذا الواقع الجديد سيجبر الجميع على تغيير سلوكه, والتخلي عن جزء كبير من رفاهيته التي اعتاد عليها خلال العقود الماضية .. تريد اقتناء سيارة .. ليس أمامك سوى الـ” 4 سلندر” لتستطيع تحمل عبء شرائها وتكلفة البنزين الذي تضاعفت أسعاره , إذا كنت شابا في مقتبل حياتك وتريد الزواج و تبحث عن سكن .. فالخيار المتاح أمامك هو شقة صغيرة تفي بالغرض لأن فاتورة الكهرباء في الفيلل والمنازل الكبيرة “ستقصم ظهرك” ناهيك عن الأسعار الخيالية للوحدات السكنية الفارهة, كما أن الشقة الصغيرة ستوفر عليك أجرة الشغالة, إذا كان سبق لك السفر للخارج .. فاشكر ربك وعش على الذكريات ووفر مبلغ الرحلة الخارجية في أمور أكثر أهمية, وإذا لم يسبق لك السفر .. فأمامك فرصة ذهبية للسياحة الداخلية والتعرف على معالم بلدك .. وإذا لم تستمتع فأمامك ” الإنترنت” تتعرف من خلاله على كل بلاد العالم.
إذا كنت مبذرا ولا تجيد ثقافة الادخار, اضغط على نفسك و درب نفسك من الآن على توفير 30% على الأقل من دخلك .. فالأيام القادمة تحتاج أن تضع مبلغا بعيدا عن يديك لمواجهة الطوارئ , فليس مضمونا أن تجد أحدا يسلفك .. فالكل سينكفئ على نفسه .. إذا كنت تعمل في القطاع الخاص لا تفكر في ترك وظيفتك أو طلب زيادة الراتب .. ضاعف جهدك حتى لا تخسر وظيفتك, أما إذا كنت تبحث عن عمل وتعتمد على أبيك في المعيشة .. فأقبل بأي وظيفة ولو بشكل مؤقت مهما كان راتبها حتى تحصل على الوظيفة المناسبة, على الأقل لتخفف عن والدك بعض الأعباء المالية, إذا كنت صاحب عمل (بيزنس مان) ينصحك الاقتصاديون بالتريث والانتباه واكتفي بحجم أعمالك ولا تفكر في التوسع الآن واحسب تكاليفك بدقة وتوقع أن تتراجع أرباحك وترتفع تكاليفك , وبناء على ذلك تستطيع اتخاذ خطوتك القادمة.

إلى الأعلى