الخميس 20 سبتمبر 2018 م - ١٠ محرم ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / باختصار: الإرادة الدولية والمجتمع المحلي

باختصار: الإرادة الدولية والمجتمع المحلي

زهير ماجد

كان عليه أن يقدم استقالته، ففعلها، هي لغة المهزوم وتصرفاته إزاء شعبه والعالم. لو لم يقدم البارزاني استقالته لكان عليه أن يختفي بطريقة من الطرق، فالرجل لم يأبه للكبار، ولا لهمهمات وهمسات الداخل الكردي ولا احترم سيادة العراق ومطالب الحكومة .. هكذا ضحى بنفسه إنقاذا من أخطاء لايمكن التكفير عنها إلا بما فعل من خطوة ..
العالم كله تقريبا رفض استفتاءه، والواقع المحلي الكردي انقسم، بل ذهب إلى تسليم كركوك في لحظة لم تخطر على البارازاني .. وبغداد كانت شجاعة حين قفزت إلى كركوك ثم سدت منافذها. عرف البارزاني أن إسرائيل لايمكن لها أن تضمن سلامته السياسية وغير السياسية مهما اعتمد عليها ومهما دفعته في الاتجاه الذي سلكه.
يعود الأكراد إلى حضن دولتهم التي لارحمة غيرها ولا عنوان إلا هي ولا مقصد. سيسأل كل كردي لو نجحت خطة البارزاني عما ارتكبه تجاه وحدة بلاده العراق، وكيف ساهم بطريقة مباشرة أو غير مباشرة بتلك المؤامرة الفجة التي كانت تستهدف أجياله. لاحلم كرديا خارج وحدة العراق، ولا أمل بكردستان معلقة على مشنقة انفصالها .. العراق واحد من تاريخ إلى تاريخ ، وهاهو يؤرخ اليوم مسيرته بذلك الصفاء الوجداني مع أهله الأكراد إلى جانب كل أطيافه الآخرين.
وكثير وجه الشبه بين كاتالونيا وشمال العراق .. هاهي الدولة الإسبانية تستعجل قراراتها بعزل الرئيس الكاتالوني كارليس بوتشيمون، وقد تحيله إلى المحاكمة ليبقى في السجن أكثر من ثلاثين سنة كما تنص القوانين الإسبانية .. ظن الانفصاليون الإسبان أن دولتهم لاتملك أنيابا من حديد، وأنها تراقب من بعيد فقط، ولم يدر في خلدهم أن الدول تضرب بقوة لحظة الضرورة ، فكيف إذا كان ثمة من يسعى إلى الانفصال ليلعب بالوطن المبني حجرا حجرا ووعيا بوحدة لايمكن المس بها.
المجتمع الدولي واجه الخطوة الكاتالونية برفضها، وكذلك الواقع المحلي الإسباني بأكثريته الساحقة .. لن تسمح أوروبا التي تقيم فيها أسئلة من انفصاليين كثر أن يتشبهوا بالخطوة الإسبانية لو أنها نجحت وصارت حقيقة، أوروبا كلها وقفت إلى جانب الدولة الإسبانية وأيدت خطوات القوة وقرار الفرض على الانفصاليين بانتهاء حلمهم.
هنالك إذن تشابه بين ماجرى في شمال العراق وبين الحالة الكاتالونية، والحالتان تبين للمجتمع الدولي أنهما مشكلتان يتوجب إعادتهما إلى الأصل. لاننسى أن مقاطعتي لومبارديا وفينيتو في إيطالي طالبتا بالانفصال تيمنا بالخطوة الكاتالونية.
من هنا نفهم أن أوروبا الموحدة تدخلت بطريقة غير مباشرة في إسبانيا، في الوقت الذي لم يحظ مسعود البرازاني بأي تأييد عربي أو إسلامي أو عالمي مما جعل خطوته مايشبه الانتحار البطيء، وعرف في النهاية أن نهايته تعني إغلاق الملف التآمري الذي افتتحه وأراد من خلاله أن يكون أول من علق جرس الانفصال في العالم العربي.
هكذا بكل بساطة انتهت في وقت واحد تقريبا عملية تدمير لأكثر من وطن على خارطة العالم .. فخطوة البارازاني كانت مقدمة لما هو أدهى في العالم العربي وفي تركيا وإيران تحديدا، وكاتالونيا كان لها أن تسمم الجو الأوروبي لتزرع فيه جحرا للأفاعي. لاشك أن العالم متنبه إلى الخطوتين، والواقع المحلي أيضا رد سريعا ولم يسكت، بل رفع همساته وهمهماته إلى درحة الصراخ الرافض، وهكذا كان في سالف زمان كما سيقال في المستقبل.

إلى الأعلى