السبت 18 نوفمبر 2017 م - ٢٩ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / باختصار : وعدنا ووعدهم

باختصار : وعدنا ووعدهم

زهير ماجد

ما اكثرها المائة عام بالنسبة لفرد واحد، وما اقلها إذا ما قيست بحركة التاريخ ونحن نقرأه لنرى ونكتشف ان الصليبيين مثلا مكثوا في بلادنا اكثر من مائتي عام، وان العثمانيين بقوا اربعمائة عام، وان حملات على بلادنا استمرت عشرات وربما مئات الاعوام ..
اليوم حين تستيقظ فينا تلك المساحات التاريخية الطويلة التي عاشتها اجيال ودونتها بما استطاعت اليه، فان مائة سنة على وعد بلفور المشؤوم هي جزء من تلك الحركة، وانها بتراكم سنينها، كانت مكثفة وغير ضائعة .. اذ لم يستسلم الشعب الفلسطيني في ثوراته التي اعقبت الوعد، كان الشعور الشعبي الفلسطيني انه مهدد فعلا في وجوده فسعى لآن يمتلك مايدافع عنه، لكن هيهات بين مستوطنين يهود نقف دول كبرى وراءهم، وبين شعب اعزل وحيدا بلا عون وبلا مساندة.
حقق البريطانيون وعدهم لليهود الذين اوقعوا كارثة انسانية بشعب فلسطين .. ظن هؤلاء ان كيانهم سيحقق غايات وجوده، فإذا به معلق على تأجيل تلو تأجيل إلى ان يتقرر نهائيا مصير وجوده .. فلقد اكتشف العاقلون من اهل الغرب، استحالة بقاء اسرائيل الا اذا انقرضت الامة العربية برمتها وذاب فيها الأمل اولا وفقدته نهائيا. لكن لا الاجيال الفلسطينية نسيت بل قدمت تضحيات عظيمة ما زالت إلى اليوم، ولا العرب قبلوا كيانا دائم الشر وسط جغرافيتهم رغم ما ظن البعض ان الانفتاح على اسرائيل ضرورة للمواجهة التي لها عنوان بات معروفا.
صدق وعدهم بكيان يحمل موته في متنه وفي تفاصيله، وظلت المنطقة على رفضها التجانس مع غدة سرطانية تسعى لأكل محيطها كي تستمر اكثر وتعيش، لكن المحيط على عناده وسهره على مستقبل اجياله يسعى لدور تاريخي يجعل من وجود هذا الكيان عبورا ليس اكثر ويسدل الستار عليه.
مرت الاعوام المائة من تاريخ الوعد المشؤوم، آه ما اكثر مارافقها وما صار من محطات مكثفة ومن عناوين لها معنى .. يذكر خالد محي الدين في كتابه “الآن اتكلم” انه بعد حصول النكبة الفلسطينية قامت الحكومة المصرية آنذاك بفتح معسكرات لتدريب من يريد القتال في فلسطين، فكانت النتيجة ان اكثر من ستماية سعودي انتسبوا يومها وهم العدد الاكبر بالنسبة للمنتسبين العرب، بل ان عددهم بز العدد الفلسطيني. ويوم انطلقت المقاومة الفلسطينية بعد هزيمة العرب في الخامس من يونيو 1967، وخصوصا اثر معركة الكرامة، انخرط مئات العرب فيها، بل مسحت يومها حالة الاحباط التي ولدتها النكسة واعادت بعض الثقة التي فقدت بإمكانية تحرير فلسطين.
تلك ومضة في متن الأعوام المائة التي مرت .. حتى وصلنا إلى يوم الحساب المصيري الذي نعيشه على وقع حروبنا العربية مع الارهاب الذي كان صناعة غربية اسرائيلية، وهو جزء مما تعرضت له المنطقة من اجل ان تستمر اسرائيل وتعيش اطول مدة ممكنة، اضافة إلى ابقاء السيطرة الاستعمارية على مقدرات الامة التي تجاوز عددها الاربعماية مليون عربي.
عبر اعوام كنا ندفن بالتقسيط وعدهم لنقيم وعدنا الذي نعيش اليوم سطوته في انتصارات جيوشنا العربية وخصوصا في سورية والعراق قلب المنطقة وعقلها. بل نملك اليوم القول، ان اسرائيل تعيش سؤال وجودها لأول مرة امام صورة لم تعتد عليها وهي تلك الجموع العربية التي ولدتها المعارك فصارت جيشا عرمرميا ينتظر دوره المفترض كي يقفل نهائيا وجود الكيان الصهيوني إلى غير رجعة.

إلى الأعلى