الثلاثاء 21 نوفمبر 2017 م - ٣ ربيع الثاني ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / خطبة الجمعة: العفاف زينة الأتـقـياء
خطبة الجمعة: العفاف زينة الأتـقـياء

خطبة الجمعة: العفاف زينة الأتـقـياء

الحَمْدُ للهِ الَّذِي جَعَلَ فِي الحَلالِ عَنِ الحَرَامِ غِنًى وَكِفَايَةً، وَجَعَلَ المُؤمِنِينَ بِمَا أَحَلَّ أَعِفَّةً ذَوِي هِدَايَةٍ، وَأَشْهَدُ أن لا إِلَهَ إِلا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، مِنْهُ البِدَايَةُ وَإِلَيْهِ النِّهَايَةُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، بَلَغَ فِي التَّزَيُّنِ بِالعَفَافِ الغَايَةَ، (صلى الله عليه وسلم) وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ الَّذِينَ كَانُوا فِي العِفَّةِ وَالنَّزَاهَةِ آيَةً، وَعَلَى مَنْ تَبِعَهُمْ إِلَى يَوْمِ الإِكْرَامِ وَالإهَانَةِ.
أَمَّا بَعْدُ، فَيَا عِبَادَ اللهِ: اتَّقُوا اللهَ؛ فَإِنَّ تَقْوَى اللهِ إِلَى الخَيْرِ دَاعِيَةٌ، وَعَنِ الشَّرِّ وَالفَحْـشَاءِ نَاهِيَةٌ، وَاعْـلَمُوا أَنَّ زِينَةَ التَّقِيِّ النَّقِيِّ أَنْ يَكُونَ عَفِيفَ النَّفْسِ طَاهِرَ الأَثْوَابِ، يَمْنَعُ نَفْسَهُ عَمَّا لا يَحِلُّ، وَيَتَرَفَّعُ عَنْ فِعْلِ مَا لا يَجْمُلُ بِكُلِّ مُسْلِمٍ، وَمَا أَحْوَجَنَا إِلَى التَّزَيُّنِ بِهَذِهِ الزِّينَةِ الَّتِي هِيَ خَيْرُ لِبَاسِ القُلُوبِ، وَيَصْدُقُ عَلَيْهَا مَا وَصَفَ بِهِ اللهُ تَعَالَى التَّقْوَى فِي قَوْلِهِ:(يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَىٰ ذَٰلِكَ خَيْرٌ ذَٰلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّـهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ) (الأعراف ـ 26) ، فَالتَّقْوَى وَالعِفَّةُ وَجْهَانِ لِعُمْلَةٍ وَاحِدَةٍ، وَإِذَا كَانَتِ التَّقْوَى جِمَاعَ كُلِّ خَيْرٍ فَإِنَّ العَفَافَ بَابٌ لِكُلِّ خَيْرٍ، وَمُفْتَاحٌ لِكُلِّ مَعْرُوفٍ. وَلَقَدْ كَانَ العَرَبُ فِي جَاهِلِيَّتِهِمْ – يَا عِبَادَ اللهِ – يَمْدَحُونَ فِي الرَّجُلِ عِفَّتَهَ، وَيَرَوْنَ أَنَّ العِفَّةَ مِنْ مَكَارِمِ الأَخْلاقِ، وَجَاءَ الإِسْلامُ فَكَانَ النَّبِيُّ (صلى الله عليه وسلم) أَوْفَى النَّاسِ عِفَّةً، وَأَحْسَنَهُمْ سِيرَةً، وَأَطْهَرَهُمْ سَرِيرَةً حَتَّى دَعَاهُ قَوْمُهُ: بِـ”الصَّادِقِ الأَمِينِ”، وَقَدْ مَرَّ (صلى الله عليه وسلم) يَوْمًا بِتَمْرَةٍ فِي الطَّرِيقِ فَقَالَ: (لَوْلا أَنِّي أَخَافُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الصَّدَقَةِ لأكَلْتُهَا)، وَكَانَ مِنْ دُعَائِهِ ـ عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ ـ قَوْلُهُ: (اللَّهُمَّ إِنَّي أَسْأَلُكَ الهُدَى وَالتُّقَى وَالعَفَافَ وَالغِنَى)، وَلَقَدْ فَهِمَ النَّاسُ مِنْ سِيرَتِهِ (صلى الله عليه وسلم) أَنَّ العِفَّةَ لَيْسَت مُقْتَصِرَةً عَلَى حِفْظِ الفَرْجِ فَحَسْبُ، بَلْ هِيَ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ وَأَشْمَلُ، فَيَنْدَرِجُ فِي العِفَّةِ مَعَ حِفْظِ الفَرْجِ عِفَّةُ اللِّسَانِ عَمَّا لا يَحِلُّ، وَعِفَّةُ العَيْنِ عَنِ النَّظَرِ المُحَرَّمِ، وَعِفَّةُ اليَدِ عَنِ اللَّمْسِ المُحَرَّمِ، وَعِفَّةُ القَدَمِ عَنِ المَشْيِ إِلَى أَيِّ مَأْثَمٍ، فَحِفْظُ الجَوَارِحِ جَمِيعِها دَاخِلٌ تَحْتَ مَفْهُومِ العِفَّةِ، وَمَرَدُّ ذَلِكَ كُلِّهِ إِلَى حِفْظِ أَوَامِرِ اللهِ وَمُرَاعَاةِ مَقَامِهِ العَظِيمِ، (وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَىٰ، فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَىٰ) (النازعات 40 ـ 41).
أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ:
كَمْ لِلْعِفَّةِ مِنْ آثَارٍ حَسَنَةٍ وَعَوَائِدَ طَيِّبَةٍ، حَيْثُ تَعُودُ عَلَى النُّفُوسِ بِالتَّزْكِيَةِ، وَعَلَى المُجْتَمَعَاتِ الَّتِي تُرَاعِيهَا بِالطَّهَارَةِ، وَبِهَا يَنَالُ أَهْلُ الإِيمَانِ الفَوْزَ وَالفَّلاحَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ:(قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ، الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ، إِلَّا عَلَىٰ أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ) (المؤمنون 1 ـ 6)، وَقَدْ بَيَّنَ تَعَالَى مَا أَعَدَّ لأَهْلِهَا فِي قَوْلِهِ:(إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّـهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّـهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا) (الأحزاب ـ35)، وَهِيَ مِنْ جُمْلَةِ أَسْبَابِ الاصْطِفَاءِ الإلَهِيِّ، فَقَدْ أَشَارَ إِلَيْهَا القُرْآنُ الكَرِيمُ وَهُوَ يُمَهِّدُ لِذِكْرِ قِصَّةِ وِلادَةِ المَسِيحِ عَلَيْهِ السَّلامُ وَيُقَرِّرُ بَرَاءَةَ أُمِّهِ مِمَّا رَمَاهَا بِهِ قَوْمُهَا مِنَ الإِفْكِ وَالبُهْـتَانِ، (إِنَّ اللَّـهَ اصْطَفَىٰ آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ، ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ وَاللَّـهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (آل عمران 33 ـ 34)، وَكَمْ تَفْرَحُ المُؤْمِنَةُ العَفِيفَةُ إِذَا رَأَتِ العِفَّةَ لِبَاسَ المُؤْمِنِ، فَعِنْدَمَا تَنَبَّهَتِ ابْنَةُ الرَّجُلِ الصَّالِحِ لِلْعِفَّةِ الَّتِي كَانَ يَتَحَلَّى بِهَا سَيِّدُنَا مُوسَى عَلَيْهِ السَّلامُ أَوْصَتْ أَبَاهَا بِقَوْلِهَا:(قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ) (القصص ـ 26)، وَالعِفَّةُ ـ يَا عِبَادَ اللهِ ـ سَبَبٌ لِلنُّصْرَةِ وَالمَعُونَةِ، فَانْظُرُوا مَا انْتَهَى إِلَيْهِ حَالُ العَفِيفِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَمَا رُمِيَ بِالإِفْكِ وَأُلْقِيَ فِي السِّجْنِ، فَآلَ أَمْرُهُ إِلَى مُلْكِ خَزَائِنِ مِصْرَ، وَبَرَّأَهُ مَنِ اتَّهَمَهُ مِنْ جَمِيعِ مَا رُمِيَ بِهِ، ذَلِكَ لأنَّهُ الْتَزَمَ العِفَّةَ قَائِلاً: (وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ) (يوسف ـ 54)، وَتِلْكُمُ العَفِيفَةُ مَرْيَمُ الصِّدِّيقَةُ ـ عَلَيْهَا السَّلامُ ـ عَانَتْ مِمَّا اتَّهَمَهَا بِهِ قَوْمُهَا مِنَ الإِفْكِ العَظِيمِ، فَنَصَرَهَا الرَّبُّ الرَّحِيمُ ،(وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ) (التحريم ـ 12)، وَلا تَنْسَوُا الابْـتِلاءَ الَّذِي نَالَ أُمَّ المُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا ـ وَعَنْ أَبِيهَا، لَمَّا خَاضَ الخَائِضُونَ فِي عِرْضِهَا، فَبَرَّأَهَا اللهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ النُّورِ، بَرَاءَةً تُتْلَى عَلَى مَرِّ الدُّهُورِ، وَمَا هُوَ إِلا نَتِيجَةُ العَفَافِ وَالصَّوْنِ.
عِبَادَ اللهِ:
لَكُمْ أَنْ تَتَصَوَّرُوا فَدَاحَةَ الجُرْمِ وَعِظَمَ النَّتِيجَةِ بِذَهَابِ العَفَافِ وَخُلُوِّ المُجْـتَمَعَاتِ مِنَ العِفَّةِ، حِينَهَا لا وَازِعَ يَزَعُ النُّفُوسَ، وَلا نِهَايَةَ لِلشَّهْوَةِ البَهِيمِيَّةِ الَّتِي تَنْطَلِقُ مِنْ عِقَالِ العِفَّةِ، وَتَتَحَرَّرُ مِنْ قَيْدِ العَفَافِ، فَيَنْـتَشِرُ الحَيْفُ وَالظُّلْمُ وَالجَوْرُ، وَيَتَّكِلُ النَّاسُ عَلَى عَفْوِ اللهِ مُتَنَاسِينَ عِقَابَهُ الأَلِيمَ:(فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَـٰذَا الْأَدْنَىٰ وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِّثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مِّيثَاقُ الْكِتَابِ أَن لَّا يَقُولُوا عَلَى اللَّـهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ) (الاعراف ـ 169)، وَقَالَ عَزَّ مِنْ قَائِلٍ:(فَمَنِ ابْتَغَىٰ وَرَاءَ ذَٰلِكَ فَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْعَادُونَ) (المؤمنون ـ 7) وهَا أَنْتُمْ تَشْهَدُونَ ـ يَا عِبَادَ اللهِ ـ فِي هَذَا العَصْرِ أَنْوَاعًا مِنَ الأَمْرَاضِ الفَتَّاكَةِ الَّتِي تُصِيبُ المُتَحَلِّلِينَ مِنَ العِفَّةِ، فَكَمْ قَضَتْ عَلَى شَبَابٍ فِي نَضَارَةِ شَبَابِهِمْ، وَهَلَكَتْ بِسَبَبِها أُسَرٌ، وَتَهَاوَتْ عَلَى أَثَرِها بُيُوتٌ، فَتَوَاصَوا ـ رَحِمَكُمُ اللهُ ـ فِيمَا بَيْنَكُمْ بِالعِفَّةِ، وَرَبُّوا أَبْـنَاءَكُمْ وَبَنَاتِكُمْ عَلَيْهَا، وَاحرِصُوا عَلَى تَقْوِيَةِ صِلَتِكُمْ بِهَا، وَاجعَلُوهَا شِعَارًا، وَاتَّخِذُوهَا حِصْـنًا حَصِينًا، (وَاللَّـهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا، يُرِيدُ اللَّـهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا) (النساء 27 ـ 28)، أقُولُ قَوْلي هَذَا وَأسْتغْفِرُ اللهَ العَظِيمَ لي وَلَكُمْ، فَاسْتغْفِرُوهُ يَغْفِرْ لَكُمْ إِنهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ، وَادْعُوهُ يَسْتجِبْ لَكُمْ إِنهُ هُوَ البَرُّ الكَرِيْمُ.
الحَمْدُ للهِ الَّذِي هَدَانَا لِهُدَاهُ، وَأَمَرَنَا بِتَقْوَاهُ، وَمَا كُنَّا لِنَهْـتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللهُ، وَنَشْهَدُ أن لا إِلَهَ إِلا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، خَيْرُ مَنْ تُنَاجِيهِ القُلُوبُ وَتَتَحَرَّكُ بِذِكْرِهِ الشِّفَاهُ، وَنَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اجتَبَاهُ رَبُّهُ وَاصطَفَاهُ، (صلى الله عليه وسلم) وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ سَارَ عَلَى نَهْجِهِ وَاتَّبَعَ هُدَاهُ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعْدُ، فَيَا عِبَادَ اللهِ:
مَا أَحْوَجَنَا إِلَى تَرْبِيَةِ أَنْـفُسِنَا وَنُفُوسِ أَبْـنَائِنَا وَبَنَاتِنَا وَأَهْـلِنَا عَلَى العِفَّةِ وَالعَفَافِ، وَخَيْرُ سَبِيلٍ إِلى ذَلِكَ أَنْ تَكُونَ التَّرْبِيَةُ مُنْذُ نُعُومَةِ الأَظْفَارِ، فَيُبَيَّنَ لِلطِّـفْلِ أَحْكَامُ التَّعَامُلِ مَعَ عَوْرَتِهِ بِحِفْظِهَا، وَيُرَبَّى عَلَى العِفَّةِ وَالنَّزَاهَةِ وَالصِّيَانَةِ، وَتُرَبَّى الطِّفْـلَةُ عَلَى الحَيَاءِ وَالسِّتْرِ وَالعَفَافِ، وَيَجِبُ تَجَنُّبُ الاخْتِلاطِ فِي مَنَامِ الأَوْلادِ، وَهُوَ أَوْكَدُ فِي تَعْـلِيمِهِمْ، فَإِنَّ التَّعْـلِيمَ تَرْبِيَةٌ عَلَى الفَضِيلَةِ قَبْـلَ كُلِّ شَيْءٍ، وَجَاءَ فِي سُورَةِ النُّورِ مَا يَنْبَغِي أَنْ يُعَوَّدُوا عَلَيْهِ مِنَ الاستِئْذَانِ عَلَى آبَائِهِمْ وَأُمَّهَاتِهِمْ فِي الغُرَفِ الخَاصَّةِ فِي ثَلاثَةِ أَوقَاتٍ، مِنْ قَبْـلِ صَلاةِ الفَجْرِ وَعِنْدَ الاستِرَاحَةِ فِي وَقْتِ الظَّهِيرَةِ، وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ العِشَاءِ، وَمَتَى عُوِّدَ الصَّغِيرُ عَلَى غَضِّ البَصَرِ عَنِ العَوْرَاتِ كَانَ ذَلِكَ حِفْظًا لِقَلْبِهِ وَعَقْلِهِ، وَتَرْبِيَةً لَهُ عَلَى العَفَافِ، وَقَدْ وَرَدَ أَنَّ النَّبِيَّ (صلى الله عليه وسلم) لَمَّا كَانَ بِحَجَّةِ الوَدَاعِ وَبِصُحْـبَتِهِ الفَضْـلُ بْنُ العَبَّاسِ، وَكَانَ غُلامًا وَضِيءَ الوَجْهِ، جَاءَتْ فَتَاةٌ خَثْعَمِيَّةٌ تَسْـتَفْتِي النَّبِيَّ (صلى الله عليه وسلم) فَأَخَذَ الفَضْـلُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا وَتَنْظُرُ إِلَيْهِ، أَتَدْرُونَ مَاذَا فَعَل النَّبِيُّ (صلى الله عليه وسلم)؟ أَخَذَ ـ عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ ـ بِوَجْهِ الفَضْـلِ فَصَرَفَهُ إِلَى الشِّقِّ الآخَرِ، وَهُوَ أُسْـلُوبٌ لَطِيفٌ يُعَلِّمُنَا مِنْ خِلالِهِ النَّبِيُّ (صلى الله عليه وسلم) كَيْفَ نُحْسِنُ التَّصَرُّفَ فِي تَرْبِيَةِ أَبْـنَائِنَا عَلَى العِفَّةِ، وَاللهُ تَعَالَى أَمَرَنَا جَمِيعًا بِقَولِهِ:(قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ إِنَّ اللَّـهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ، وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَىٰ عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّـهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (النور30 ـ 31)، وَخَيْرُ طُرُقِ تَنْمِيَةِ العَفَافِ فِي القُلُوبِ ـ يَا عِبَادَ اللهِ ـ تَذْلِيلُ العَقَبَاتِ أَمَامَ الزَّوَاجِ، فَإِنَّ النِّكَاحَ حِصْنٌ حَصِينٌ، فَهُوَ قَلْعَةُ الفَضَائِلِ، وَيَنْبُوعُ الخَيْرَاتِ (وَأَنكِحُوا الْأَيَامَىٰ مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِن يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّـهُ مِن فَضْلِهِ وَاللَّـهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) (النور ـ 32)، وَقَدْ جَاءَ فِي وَصِيَّةِ رَسُولِ اللهِ (صلى الله عليه وسلم) إِلَى الشَّبَابِ قَوْلُهُ:(يَا مَعْـشَرَ الشَّبَابِ: مَنِ استَطَاعَ مِنْكُمُ البَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ؛ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَستَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ)، إِنَّ خَيْرَ مَا تُصْرَفُ بِهِ دَوَاعِي الانْحِرَافِ لَدَى الشَّبَابِ مَلْءُ الأَوقَاتِ بِالنَّافِعِ مِنَ الأَعْمَالِ، وَالمُشَارَكَةُ فِي الأَنْشِطَةِ النَّافِعَةِ الَّتِي تَصْرِفُ طَاقَاتِهِمْ إِلَى الخَيْرِ وَتُوَجِّهُهَا إِلَى كُلِّ عَمَلٍ نَبِيلٍ.
فَاتَّقُوا اللهَ – عِبَادَ اللهِ -، وَعَلَيْكُمْ بِالعِفَّةِ، وَاسأَلُوا رَبَّكُمْ أَنْ يُلْبِسَكُمْ لِبَاسَهَا، فَتَحْيَوْا عَلَى العَفَافِ وَتَمُوتُوا عَلَيْهِ، فَإِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ المُتَطَهِّرِينَ.
هَذَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى إِمَامِ المُرْسَلِينَ، وَقَائِدِ الغُرِّ المُحَجَّلِينَ، فَقَدْ أَمَرَكُمُ اللهُ تَعَالَى بِالصَّلاةِ وَالسَّلامِ عَلَيْهِ فِي مُحْكَمِ كِتَابِهِ حَيْثُ قَالَ عَزَّ قَائِلاً عَلِيمًا:(إِنَّ اللَّـهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) (الاحزاب ـ 56)، اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ وسَلَّمْتَ عَلَى سَيِّدِنا إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنا إِبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى سَيِّدِنَا إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنا إِبْرَاهِيمَ، فِي العَالَمِينَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عَنْ خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ، وَعَنْ أَزْوَاجِهِ أُمَّهَاتِ المُؤْمِنِينَ، وَعَنْ سَائِرِ الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ، وَعَنْ المُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَعَنَّا مَعَهُمْ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.
اللَّهُمَّ اجْعَلْ جَمْعَنَا هَذَا جَمْعًا مَرْحُومًا، وَاجْعَلْ تَفَرُّقَنَا مِنْ بَعْدِهِ تَفَرُّقًا مَعْصُومًا، وَلا تَدَعْ فِينَا وَلا مَعَنَا شَقِيًّا وَلا مَحْرُومًا.
اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلامَ وَالمُسْلِمِينَ، وَوَحِّدِ اللَّهُمَّ صُفُوفَهُمْ، وَأَجْمِعْ كَلِمَتَهُمْ عَلَى الحَقِّ، وَاكْسِرْ شَوْكَةَ الظَّالِمِينَ، وَاكْتُبِ السَّلاَمَ وَالأَمْنَ لِعِبادِكَ أَجْمَعِينَ.
اللَّهُمَّ يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ يَا ذَا الجَلالِ وَالإِكْرَامِ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ بِكَ نَستَجِيرُ، وَبِرَحْمَتِكَ نَسْتَغِيثُ أَلاَّ تَكِلَنَا إِلَى أَنْفُسِنَا طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ، وَأَصْلِحْ لَنَا شَأْنَنَا كُلَّهُ يَا مُصْلِحَ شَأْنِ الصَّالِحِينَ.
اللَّهُمَّ رَبَّنَا احْفَظْ أَوْطَانَنَا وَأَعِزَّ سُلْطَانَنَا وَأَيِّدْهُ بِالحَقِّ وَأَيِّدْ بِهِ الحَقَّ يَا رَبَّ العَالَمِينَ، اللَّهُمَّ أَسْبِغْ عَلَيْهِ نِعْمَتَكَ، وَأَيِّدْهُ بِنُورِ حِكْمَتِكَ، وَسَدِّدْهُ بِتَوْفِيقِكَ، وَاحْفَظْهُ بِعَيْنِ رِعَايَتِكَ.
اللَّهُمَّ أَنْزِلْ عَلَيْنَا مِنْ بَرَكَاتِ السَّمَاءِ وَأَخْرِجْ لَنَا مِنْ خَيْرَاتِ الأَرْضِ، وَبَارِكْ لَنَا فِي ثِمَارِنَا وَزُرُوعِنَا وكُلِّ أَرْزَاقِنَا يَا ذَا الجَلالِ وَالإِكْرَامِ. رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.
اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلمُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ، المُسْلِمِينَ وَالمُسْلِمَاتِ، الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالأَمْوَاتِ، إِنَّكَ سَمِيعٌ قَرِيبٌ مُجِيبُ الدُّعَاءِ.
عِبَادَ اللهِ:(إِنَّ اللَّـهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) (النحل ـ 90).

إلى الأعلى