السبت 18 نوفمبر 2017 م - ٢٩ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / طرق الاثبات المعاصرة .. فقه العدالة فى الاسلام (6 ـ 8)

طرق الاثبات المعاصرة .. فقه العدالة فى الاسلام (6 ـ 8)

قراءة ـ علي بن صالح السليمي:
جاءت ندوة تطور العلوم الفقهية في عُمان من خلال عنوانها:(فقه العصر .. مناهج التجديد الديني والفقهي) والتي عقدت خلال الفترة من 15 إلى 18 جمادى الأولى 1436هـ، الموافق 5 إلى 8 ابريل 2015م في نسختها الحادية عشرة من قبل وزارة الأوقاف والشؤون الدينية بتوجيهات سامية من حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه.
ومن ضمن ما قدم خلال الندوة من بحوث وأوراق عمل كانت لنا هذه القراءة في بحث بعنوان:(طرق الاثبات المعاصرة .. فقه العدالة فى الاسلام) دراسة فى البصمة الوراثية وبصمات الأصابع والعين والصوت والدم والرائحة والإثبات الالكترونى وموقف الفقه الاسلامى منها) للاستاذ الدكتور أحمد هندي ـ أستاذ قانون المرافعات وعميد كلية الحقوق جامعة الاسكندرية السابق.
بصمة الصوت:
يقول الباحث حول هذا الجانب: تجزم الدراسات العلمية بأن لكل شخص صوتاً خاصاً به لا يتصور صدوره من غيره بما يمكن تمييزه عن غيره من الأصوات التى تصدر عن الأشخاص الآخرين، فالصوت سواء اتخذ صورة التسجيل الصوتى أو البصمة الالكترونية، من الحواس المميزة لشخصية الانسان، فهو يشبه بصمات الاصابع من حيث المساهمة فى تحديد شخصية مصدر الصوت، ولقد شاع استخدام البصمة الصوتية (Voice Print) لقبول الناس هذا النوع من التقنية فى الاستخدامات اليومية ولتسارع ارتفاع دقة التعرف على المتحدث، حيث ثبت حتى الآن أنه لم يعثر على صوتين متطابقين تماماً.
موضحاً بقوله: إن التسجيل الصوتى بصفة عامة يعرّف بأنه عبارة عن عملية يتم بها ترجمة للتغيرات المؤقتة لموجات الصوت الخاصة بالكلام إلى نوع آخر من الموجات أو التغيرات الدائمة، ويتدخل لإتمام ذلك آلة تترجم موجات الصوت إلى اهتزازات ذات طبيعة خاصة ويحفظ التسجيل على سلك بلاستيكى ممغنط لحفظ هذه التسجيلات وإعادة ترديدها، فمن خلال جهاز الاسبكتوجراف يتم تحليل الصوت البشرى الكترونياً وتحويله إلى خطوط مقروءة ومن ثم مقارنته مع أصوات المشتبه بهم وإعطاء الرأى بالمطابقة أو الاختلاف ذلك أن نطق الكلمات أو الجمل يختلف من شخص لآخر وان الاختلافات بين عدد من الأفراد تكون أكبر عن الاختلافات فى النطق لفرد واحد، وحتى إذا حدثت محاولات تصنع أو تلاعب فى الصوت (عن طريق الحديث بالهمس أو غلق الأنف عند الكلام) فإن ذلك لا يؤثر ولا يترتب عليه أي تغيير فى الملامح الأساسية لبصمة صوت الشخص، كذلك إذا حاول الشخص تقليد الاصوات أو التكلم من اقصى الحلق.
وقال: وتتمثل الطرق التى يمكن التعرف بها على المتحدث من خلال صوته فى استخدام احدى الوسائل الثلاثة الآتية:
أولاً: بسماع الصوت مباشرة، حيث تتميز الاذن بتضخيم الترددات الصويتة الخاصة بالكلام بما فيها من معطيات متنوعة عن المتحدث كلهجته وأسلوب حديثه وإلى من كان يوجه الحديث وهو ما يفسر استعانة الخبراء بالسمع بالإضافة إلى الأجهزة والبرمجيات المختلفة فى التعرف على المتحدث، وثانياً: البصر، حيث يمكن استخدام حاسة البصر فى التعرف على المتحدث بتحويل الموجات الصوتية إلى رسم صورة (رسم طيفي) يمكن من خلالها مقارنة مختلف الاصوات للوصول إلى نتيجة ما، وثالثاً: الأدلة، حيث يتم تطوير نظم حاسوبية مهمتها مقارنة الأصوات وتحديد ما إذا كان صوت شخص ما هو ذات الصوت الذى سبق وتم تسجيله، وتستخدم هذه الطريقة التى تعتمد على الآلة تماما فى المضاهاة فى النفوذ إلى مواقع معينة فى الشبكة العالمية (الانترنت) أو فتح باب المكتب أو المنزل أو فى التعرف على المتهمين، فالصوت أصبح كالبصمة، ويمكن التعرف على شخصية صاحب الصوت، بالطرق الحديثة الدقيقة، وهو ما يساعد فى الكشف عن الجرائم وخاصة جرائم الابتزاز عن طريق التهديد والوعيد عبر الهاتف أو بواسطة التسجيل على شرائط الكاسيت وفى جرائم المؤامرة الجنائية والسب والقذف الصادر عبر الوسائل السمعية، كما أنه فى الجرائم المنظمة وجرائم الاشتراك تكون الأصوات وسيلة ملازمة فى جميع مراحل الاعداد والتحضير والتنفيذ والتعرف على الجريمة المنظمة التى لا يظهر فيها رؤساء العصابات والمجرمون، وقد تصدر الأصوات فى مسرح الجريمة من المتهم أو من المجنى عليه أو من الشهود أو من وسيلة النقل المستعملة فى الجريمة أو الاسلحة أو المواد المتفجرة أو من الحركة الديناميكية للشئ أو من حيوانات مثل نباح الكلب كذلك تستخدم بصمة الصوت فى المصارف فى التعرف على صاحب الحساب المصرفى وفى تأمين خزائن البنك لما لبصمة الصوت من دقة فائقة.
وقال: ويسري على مدى مشروعية بصمة الصوت وضوابط الأخذ بها، ما اوضحه الفقه الاسلامي بصدد قيمة القرائن فى اثبات الحقوق أو وقوع الجرائم ونفيها، وما سبق توضيحه بصدد بصمة الاصابع مع مراعاة حرص الشريعة الاسلامية على ضرورة الاستئذان وتحريم التجسس ويتفق مع ذلك القانون الوضعي، حيث تتم عملية اخذ بصمة الصوت (التسجيل الصوتي) فى إطار قانوني بعد الحصول على إذن من الجهة المختصة.
بصمة العين:
اما حول بصمة العين فقال الباحث: تعتبر بصمة العين أكثر دقة من بصمة الأصابع، لأن لكل عين خصائصها فلا تتشابه مع غيرها ولو كانت لنفس الشخص. ويمكن رؤية بصمة العين مكبرة 300 مرة بالجهاز الطبى (المصباح الشقي)، يحددها أكثر من 50 عاملاً، تجعل للعين الواحدة بصمة امامية وأخرى خلفية وباللجوء اليهما معا يستحيل التزوير، ويعتمد قياس بصمة العين على جزئين أساسيين فيها وهما بصمة الشبكية وبصمة القزحية وتم تطوير تقنية للتعرف على الهوية البيومترية عبر قزحية العين، والتى تعتبر من أكثر التقنيات دقة فى العالم، حيث لكل فرد قزحية مختلفة عن سواه، حتى أن شكل القزحية يختلف بين التوائم ذاتها، لأن قزحية العين البشرية تحتوى على مائتين وست وستين خاصية قياسية مميزة لها فى حين أن بصمة الاصابع مثلاً تحتوى على أربعين خاصية قياسية يمكن التعرف على الشخص وتمييزه من خلالها، منوهاً بأن أجهزة الشرطة فى العديد من دول العالم قامت بتركيب نظام خاص ببصمة العين، يعتمد علمياً على تقنية تصوير قزحية العين، بوصفها الجزء الأدق بين تقنيات التعرف الحيوي فى جسم الانسان خاصة أن قزحية عين أى انسان تبقى ثابتة بدون أي: تغيير، منذ عامه الأول وحتى وفاته، كما أنها منطقة غنية فى المعلومات الجينية وبصورة أفضل من الحامض النووى (DNA)، كما أنها لا تتأثر بالعمر أو بالعمليات الجراحية أو لون العدسات اللاصقة والنظارات أو عوامل الطبيعة، كما انها لا تهترئ لأنها محمية من القرنية بل وآمنة جداً للاستخدام، وتستخدم تقنية الفيديو العادي بدون أى اشعاعات ضارة ولا يتطلب اللمس ولا يمكن خداعها، ويتم التقاط صورة العين وتخزينها فى أقل من ثانيتين ثم تكون هناك رموز مشفّرة لقزحية العين لا يمكن تقليدها أو العبث بها.
وقال: وتستخدم العديد من الدول بصمة العين فى المجالات العسكرية، خاصة فى أميركا وأوروبا، كما تستخدمها الامارات، ومعظم دول الخليج، فى كافة منافذها الجوية والبرية والبحرية للتعرف على هوية القادمين والمغادرين، كما تستخدم بصمة العين فى مجال تأمين خزائن البنوك حيث يضع عميل البنك عينه فى جهاز متصل بحاسب آلي فإذا تطابقتا مع البصمة المحفوظة بالجهاز فتحت الخزينة المطلوبة على الفور، ويمكن كذلك استخدام بصمة العين كدليل اثبات فى بعض الجرائم، وتخضع بصمة العين لما سبق قوله وتوضيحه بصدد بصمة الاصابع وبصمة الصوت من جواز اعتبارها قرينة فى اثبات الحقوق، مع ذات الضوابط الشرعية السابقة.
.. وللحديث بقية الاسبوع القادم.

إلى الأعلى