Alwatan Newspaper

اضغط '.$print_text.'هنا للطباعة

من الاصدارات العمانية (فيوض ربانية)

عرض ـ مبارك بن عبدالله العامري:
خلق الله عزوجل الخلق، وجعل للكون سُننًا، فجعل الطاعة سببًا لكل خير في الدنيا والآخرة، وجعلَ المعصِيةَ سببًا لكلِّ شرٍّ في الدنيا والآخرة. وهل شقِيَ بطاعةِ الله أحد؟! وهل سعِدَ بمعصِيةِ الله أحد؟! وقد قصَّ الله سبحانه علينا في كتابِه، وقصَّ علينا رسولُه (صلى الله عليه وسلم) مِن قصصِ وأحوالِ الأنبياءِ والمُرسَلين والمُؤمنين ما فيه العِبَر، وما فيه القُدوةُ لمَن بعدَهم، وما فيه النَّجاةُ مِن العقوبات، والفوزُ بالخيرات، وما فيه أحسنُ العواقِبِ ورفع الدرجات، قال الله تعالى:(لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) وما ذكَرَ الله سِيرةَ الأنبياء والمُرسَلين، وخاتَمُهم نبيُّنا محمدٌ (صلى الله عليه وسلم) إلا لنَعتَبِرَ بتاريخِهم، ونقتَدِيَ بهَديِهم وأخلاقِهم، ونسلُكَ طريقَهم، وقد أمَرَ الله نبيَّه محمدًا (صلى الله عليه وسلم) بالاقتِداءِ بهم، فقال سبحانه:(أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ) (الأنعام ـ 90)، وجاء إصدار فيوض ربانية، مبيناً أهمية القرآن في حياة الإنسان وأهمية التقوى وأهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والعديد من المواضيع عبر هذا الكتاب هذا الإصدار من تأليف ميمونة بنت حميد الجامعية ويقع هذا الكتاب في (700) صفحة.
أشارت المؤلفة في بداية هذا الإصدار عن أهمية القرآن الكريم: للذكر في القرآن رونق وقيمة، لا تحلو حياة الإنسان إلا به، تأتي قيمة الآيات من يقين المخلوقات بعظمة الخالق وما أنزل على رسوله (صلى الله عليه وسلم) وتأتي قيمة الذكر من يقين الإنسان ليس لحياته معنى بدونه إن الحي من حي قلبه بذكر الله، والميت من خلا قلبه من ذكر الله عزوجل، إن اساس الذكر هو كتاب عزوجل، الذي تهفو القلوب إلى السكون إليه، وتشنف الآذان لسماعه، وتتغذى العقول عند الاجتماع إلى مائدته، فما أعظمه من نذير، وما أحلاه من أنيس، من لزمه اطمأنت نفسه، وسكنت روحه، وانشرح صدره، وكثر خيره، وقرت عينه، وذهب سقمه، وانجلت أحزانه، وانفرجت كربه وقد وردت في القرآن آيات كثيرة تبين عظمته وقدسيته ومن هذه المواضع على سبيل الذكر لا الحصر: القرآن يعلم الإنسان التأمل فيه باعتباره كونا صامتا قال تعالى:(كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ) (ص ـ 29)، فالقرآن أعظم نعمة بين يدي الناس، لأن به يهتدي الناس والهداية أعظم النعم، وهل الدنيا كلها بكل نعمها ومتعتها تستحق المقارنة بالجنة التي يدخلها الناس برحمة الله عزوجل بسبب الاهتداء بالقرآن ـ يجد فيه التذكرة والعبرة (كَلاَّ إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ، فَمَن شَاء ذَكَرَهُ) (المدثر 54 ـ 55) التي تعينه على اتخاذ الطريق الصحيح الموصول إلى الجنة، فـ (كَلاَّ) ردع وزجر للذين هم معرضون عن التذكرة ـ يعين الإنسان على تعظيم ربه وتمجيده ـ القرآن مصدر عزة ورفعة للعاملين به ـ يمنح الإنسان الحكمة ـ يخرج الإنسان من ظلمة الجهل ـ يمنح الله عزوجل به السعادة لمن لزمه وعمل به ـ يمنح الإنسان القدرة في الحكم على نفسه ـ القرآن كتاب ذكر يعين الإنسان على الفهم الصحيح ويقوم النطق عنده ـ يروض القلب والجوارح على الخشية من الله عزوجل ـ القرآن يحيى القلب ويملؤه نوراً ـ القرآن للقلب كالماء للجسد ـ القرآن مصدر رحمة وشفاء للإنسان ـ القرآن بمثابة المرآة التي تعكس شخصية الإنسان وتبين له معالمها ـ بالقرآن يصرف الله كيد الشيطان عن الإنسان.
وتطرقت المؤلفة عبر هذا الإصدار عن القرآن منهج الحياة: القرآن هو منهج حياة الإنسان، دليل يحتوي على تفاصيل بها يتمكن من تحديد الإطار الذي يتحرك خلاله، ويقف على الحدود المرسومة له من قبل الله عزوجل، ويترجم هذا كله السلوك الذي يختاره لنفسه فإما أن يعكس شكره لخالقه وإما أن يكون كفوراً، لأن الواقع يحكي عن سلوك مناقض لأغلب من يحفظ آيات الله عزوجل ظنا منهم أن الحفظ هو الغاية التي بها يستقر القرآن في قلوبهم، فقد يحفظ الإنسان قوله عزوجل:(وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا) (الاسراء ـ53)، الإسراء وقد ينصح بها غيره، وعند الانفعال تغيب عنه الآية فلا يأتمر بأمرها، ويقع فيما كان ينهي عنه، بل قد يكون أسوأ ألفاظا من المنصوح وقد نجد شخصا آخر يعد قدوة ينصح بالآية:(إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا) (الإسراء ـ 7)، أن القرآن لابد من تنزله على القلب ولم يحدد الله عزوجل شيئا آخر يتنزل عليه القرآن غير القلب، وهذا الذي يرشدنا إلى أهم عضو أشار إليه الرسول في الحديث المروي عنه: ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب.
وتحدثت المؤلفة عبر هذا الكتاب عن بريدا القلب (السمع والبصر): إن طهارة القلب لا تتم إلا عن طريق قناتين هما: السمع والبصر (وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا) الإسراء وعاء القلب أو داخله أو غشاؤه والقلب حبته، فالذي يترجح من وجود حديث للرسول (صلى الله عليه وسلم):(أتاكم أهل اليمن هم أرق أفئدة وألين قلوباً) أن الفؤاد هو غشاء القلب لكن عندما يتحدث عن الفؤاد يعني الغشاء وما في داخله لأن أصل الفؤاد من التفؤد، ويعني التوفد والاشتعال والحرقة ، فكأن القلب هو موضع هذه الأشياء فلذلك استعمل هكذا في هذا المكان فالآية أعلاه ظاهرها يدل على أن هذه الحواس التي هي السمع والبصر والفؤاد هي التي تسأل يوم القيامة، فأولئك إشارة إلى السمع والبصر والفؤاد، وإنما عاملها الله معاملة العقلاء في الإشارة بأولئك لأنها حواس لها إدراك.
وأشارت عبر هذا الإصدار ما ذكره سماحة الشيخ أحمد الخليلي عن نتائج التسويف في التوبة: أي برهان يضمن لهم إن تقدموا في العمر يكونوا قادرين على التوبة، من الذي يضمن أنه سيعيش لحظة واحدة بعدها، فإن الموت وراء كل واحد وكم من إنسان تخطفه ريب المنون وهو في عنفوان شبابه وفي أوج غروره وفي منتهي نشاطه ومنتهى قوته يمارس ما يمارس بإيحاء من شيطانه، ومن رغبات نفسه وشهواتها، ولا يبالي وإذا بالمنون يختطفه، فيصبح في خبر كان، بعد أن كان مخبراً عنه، فعلى هؤلاء أن ينتبهوا أن الحياة ليست في أيديهم، وأنه ليس هناك ضمان أنه سيعمر ولو بضع دقائق بعد اللحظة التي هو فيها فعليه بالمبادرة للتوبة والله عزوجل دعا إلى التوبة وعدم التسويف.
وتناولت المؤلفة إلى الدعوة الربانية للتأمل في الكون: إن الكون كتاب مفتوح، يحمل بذاته دلائل الإيمان وآياته، ويشير من ورائه إلى يد تديره بحكمة، ويوحي بأن وراء هذه الحياة آخرة وحساباً وجزاء وإنما يدرك هذه الدلائل ويقرأ هذه الآيات، ويرى هذه الحكمة، ويسمع هذه الإيحاءات (أولو الألباب) من الناس الذي لا يمرون بهذا الكتاب المفتوح، وبهذه الآيات الباهرة مغمضي الأعين غير واعين، إن الله عزوجل جعل الكون بما فيه من حياة وأحياء مصدراً من مصادر التأمل والمعرفة للإنسان، لذا نجد في القرآن نصوصاً كثيرة توجه الإنسان إلى إطلاق عقله ونظره لتدبر آيات الله عزوجل في الكون والتأمل في كتاب الكون المفتوح، كما يتدبر في كتاب الله المقروء ومن ثم يكثر التوجيه إلى هذه المصادر الظاهرة في الكون والمكنونة في النفس، لتلقي المعرفة من كتاب الله المفتوح (الكون) كتلقي المعرفة من كتاب الله المقروء (القرآن) في تناسق وتوازن يجمع بين مصادر المعرفة كلها، في غير تصادم ولا تعارض قال تعالى:(إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الألباب، الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيامًا وَقُعُودًا وَعَلى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النَّار) (آل عمران 190 ـ 191) إن السياق القرآني هنا يصور خطوات الحركة النفسية التي ينشئها استقبال مشهد السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار في مشاعر أولي الألباب تصويراً دقيقاً، وهو في الوقت ذاته تصوير إيحائي، يلفت القلوب إلى المنهج الصحيح في التعامل مع الكون، وفي التخاطب معه بلغته، والتجاوب مع فطرته وحقيقته، والانطباع بإشاراته وايحاءاته، ويجعل من كتاب الكون المفتوح كتاب (معرفة) للإنسان المؤمن الموصول بالله، وبما تبدعه يد الله عزوجل.


تاريخ النشر: 3 نوفمبر,2017

المقالة مطبوعة من جريدة الوطن : http://alwatan.com

رابط المقالة الأصلية: http://alwatan.com/details/224731

جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الوطن © 2014