الجمعة 24 نوفمبر 2017 م - ٥ ربيع الثاني ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / شـذرات مـن هـدي القـرآن .. مفـاتيح النـصر (4)

شـذرات مـن هـدي القـرآن .. مفـاتيح النـصر (4)

عـلاقة الإنسان بالإنسان قائمة عـلى تحقـيـق غـرض لـكل منهـما لحاجاته الـذاتية
ناصر بن محمد الزيدي
الحـمد لله رب العـالـمين والصـلاة والسلام عـلى سـيـد الـمـرسـلين وخاتم الأنبياء والـمـرسـلـين وعـلى آلـه وصـحـبه أجـمعـين وعـلى التابعـين لهـم بإحـسان إلى يـوم الــدين وبـعـد:
فـلا زال الحـديث مـوصـولاً عـن مـفـاتيح النـصر: وهـذا هـو الـواقـع الاجـتماعي لا يـنافـيه ما هـو ثابت ومـقـرر، أيضاً مـن أن الإنسان ألــوف بـطـبعـه، وأن قـلـبه مـفـطـور عـلى المحـبة والــوداد، ذلك لأن الإلـف الـذي فـطـر عـليه الإنسان إنـما جـعـله الله خـادماً، وسـبيـلاً لـسريان الـمصالح، وتـبـادل الـناس لها فـيما بـينهـم، وآيـة ذلك أن سـير الـمصالح إن تـوقـف بـين اثـنين أو بـين أفـراد جـماعـة مـن الـناس لسـبب ما، فإن مـعـين الـمحـبة والـود والألـفة يجـف فـيما بيـنهـما.
ولا يـنافي هـذا الـواقــع الاجـتمـاعي، ما قـد تـراه أيـضا مـن مـظـاهـر الحـب الـذي يـسري، مـتـقـدما مـن قـلب شخـص ما، إلى آخـر ذكـرا كان أو أنثى، فـقـد يخيـل إليك أنه كـثـيراً ما يـكـون حـبا صافـياً، بـعـيـداً عـن أن يـكون ذلك مـتـعـلـقاً بالـمصالح، متسامياً عـن التـعـلـق بالـمصالح والـمنافـع، وهـو ذلك الـذي يسمـونه العـشق النظـيف أو الهـيام الـمشـغـل لصاحبه الـمـبتلى به.
فإن هـذا الـمحـب إنـما يحـب نفـسه مـن خـلال شـخص مـن يحـب، ولـيس صحيحاً أن في الـمحـبـين مـن لا يـبتـغي مـن وراء حـبه غـرضاً أو مـنفـعـة لشـخصه، أولـيـس الشـأن فـيه أن يحـرص دائمـاً عـلى الـقـرب مـن محـبـوبه، وعـلى التـمتع به بكل السـبـل الـمـمكـنة؟، فهـذا واحـد مـن الأغـراض الشـخـصية، إلى منـفـعـة الـمحـب ومصلحـتـه، وإن كانت هـذه الـمـنـفـعـة شـديـدة الـتعـلـق بـشخـص الـمحـبـوب والارتباط به، ويـشـعـر بالارتـياح عـنـدما يـكـون قـريبا مـنـه.
إن الـمحـب هـو الـذي يـشـعـر بـلـذة الـقـرب مـن محـبـوبه، ومـن ثـم فـهـو الـذي يـقـطـف ثـمـرة حـبه، ويحصل عـلى مـنافـع هــذا الحـب لـنفـسه، فـإن رأيت شـخـصين تسـري بـينهـما مـشاعـر الحـب عـلى نحـو متـبادل، ورأيت كلا منـهـما متعـلـقـا بصاحـبه، فأعـلـم أن كلاًّ منهـما يـنـال مـن الآخـر الـمتعـة التي ينـشـدها لـنـفـسه، فهـما في ذلك كـشـخـصين التقـيا عـلى منـفعـة مـا، مالية كانت أو غـير مالية مـتـبادلة بـينـهـما.
قال الشـاعـر:
ورمـت تـلـفـيـق صـبري كي أرى قـدمي
يـسعى مـعي فـسعى لـكـن أراق دمي
وخـلاصة الـقـول: أن عـلاقة الإنسان بالإنسان، قائمة عـلى تحقـيـق غـرض لـكل منهـما لحاجاته الـذاتية، ولـكـن الحـاجة قـد تكـون مـادية، وقـد تـكـون مـعـنـوية نفـسية أو روحـية أو غـريـزية، وما قـد يـكـون بـين الناس مـن نسـيج الألـفة والـود لـيس إلا أثـراً مـن آثار الـمنـافـع المـتـبادلة بـينهـم، فإن قال لك قـائـل: إن فــلاناً مـن الناس متعـلـق بصـديـق له دون فـائــدة مادية أو مـعـنـوية تصـل إلـيه مـنه، ولا يـزال متعـلـقـاً به مهـما بـدرت مـنه أخـطـاء، ومهـما تلبـس به مـن عـيـوب فـاعـلـم أنه يتخـيـل شـيئاً لا وجـود لـه، ويـرسـم صورة لا حـقـيقة لها.
ثـم إن الناس الـذين تـركـن إلـيهـم ويـركـنـون إلـيـك، لا تـمـتــد صـحـبتهـم لك إلى أكـثـر مـن عـيشـك مـعهـم فـوق هــذه الأرض، وهي وإن طالت فـمـصيرها إلى الـزوال، فإذا جـاءك الـمـوت وانتقـلت عـنـهـم إلى حـياتـك الـبرزخـية، انفـضـوا جـميـعـا عـنـك وأعـرض كلهـم عـنـك، وانحـاز كل واحـد منهـم إلى شـأنه ومصلحـته ودنـياه، وما هي إلا سـاعـات أو أيـام حـتى يـطـويـك النسيان عـن أذهـانهـم وتنمـحي ذكـراك عـن أخـيـلـتـهـم.
فاجـعـل عـلاقـتـك بالله الخـالـق الـرازق أوثـق، مـن عـلاقـتـك بالـمخـلـوق الضـعـيـف الــذي لا يمـلـك مـن أمـره شـيـئاً، ولأن عـلاقـة بالله لا يحـدها زمان ولا مـكان ، فالله باقٍ مـعـك لا يـفـارقـك، يـؤنسـك في تـلك الـوحـشـة، ويـجــدد آمـالك عـنـد تـلك الشـدة ويـبـدد عـنـك الكـرب بما ينـالـك مـن رحـمـته الـدائمة، وليـس مـن شـرط لـتسـعــد بـصحـبته المتمـيزة هــذه، إلا أن تـقـبـل إلـيه بأداء الـواجـبات التي طـلـبها منك، وتـبتعـد عـن المنـهـيات التي طـلـب مـنـك الابتـعـاد عـنها، تعـيـش مـطـمئـن الـبال مـرتاح النفـس راضـياً بمـا أكـرمـك به مـن الحـفـظ والـرعـايـة.
قـصة فـتـاة خـدعـت بالـصحـبة:
قـال الله تعالى في كـتابه العـزيـز:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَّا يَعْصُونَ اللَّـهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) (التحـريـم ـ 6)، إن الأقـران والـمحـبين والعـشـاق الـمـزيـفـين قـد كـثـروا في الـمجـتـمـعـات الإسـلامية، وذلك لـما اسـتجـد مـن تغـيـير في حـياة الناس والأخـطـر إذا كان هـذا الـنـوع ينتـشـر في الصـروح العـلـمية، في الـمـدارس والكلـيات والجـامعـات، فـبـدلاً مـن تـكـون تلك الـمـراكـز يـنابيـع عـلـم ومـعـرفة وإشـعـاع، يـضـيء الطـريـق أمام الجـيـل لـبـناء الـمسـتـقـبـل للشـباب، عـلـمياً وأدبـياً وأخـلاقـياً وسـلـوكـياً، إذا به مـعـاول هـدم للأخـلاق والـقـيـم.
وأنـا لا يحـمـل الـمسـؤولـية والـنتائـج التي أفـرزتها تلك العـلاقـات اللا أخـلاقـية بـين الجـنـسين، وإنـما أين دور الأسـرة في تـربية الـشباب، وأين الأمـانـة التي كلفـنا بهـا، حـيث قال:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَّا يَعْصُونَ اللَّـهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) (التحـريـم ـ 6)، وأولادنـا وديـعـة الله عـنـدنا.
قال الشاعـر:
ومـا الـمـال والأهـلـون إلا ودائـع
ولا بـد يـوما أن تـرد الـودائــع
فـهـنا تـظـهـر الـتربية الإيـمانية ، تظـهـر في أخـلاق الأولاد وفي سـلـوكيات الأولاد، وفي الـمستـوي التحـصـيلي العـلـمي والـمـعـرفي، ولـقـد كان دور الـمعـلـم الـمـربي في السـابـق دورا عـظـيـما رائـدا في وسـط الـمتعـلـميـن، ولـه مـنـزلة عـظـيمة لـدى الـمـجـتـمـع كله، لأن مهـنة الـتعـلـيـم ورسـالة الـمـعـلـم، رسـالة عـظـيمة لـو قـدرهـا الآباء والأمـهـات حـق قــدرها لتعــاونـوا مـع الـمعـلـم في تـربية أولادهـم، كان طـلبة العـلـم في السابـق يخـافـون الـمعـلـم، أن تـبـدر مـنهـم كلـمة خـارجـة عـن الأدب والأخـلاق التي يجـب أن يـتحـلى بها طالب العـلـم.
.. وللحـديث بقـية.

إلى الأعلى