الثلاثاء 21 نوفمبر 2017 م - ٣ ربيع الثاني ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / المسؤولية المجتمعية في الإسلام (1)

المسؤولية المجتمعية في الإسلام (1)

د/ جمال عبد العزيز أحمد:
الإسلام دينٌ خاتمٌ، وهو آخر الأديان السماوية، ونزل رسوله إلى البشرية جمعاء، وقال الله تعالى عنه:(وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين)، ومعنى هذا أنه لا نبيَّ بعد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لأنه قال:(تركتُ فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبداُ: كتاب الله وسنتي)، والمجتمعات تحتاج من حين لآخر إلى تذكيرها بمطلوب السماء، ومقاصد الشرع؛ لأنها غالبا ما يحدث فيها تجاوز، ويحصل فيها خروج عن حدِّ الطاعة لله ولرسوله، فترى بعضَهم قد يرتكب جريمة الزنا، وآخر قد يرتكب جريمة السرقة، وهذا يلمز، وذاك يهمز، وهذا يطفف في الميزان، وذلك عن الصلاة أو الصيام أو ينسى ولا يحاول مرة تلاوة القرآن وهو عن الفرائض وسنان، وهذه عن الحجاب في ترك ونسيان، وللتبرج الصارخ رمز وداعية وعنوان، وهذا قاطع لرحمه، وآخر قد ترك لأولاده حبل المعصية على غاربه، ولا يقرِّبهم من الإسلام وتعاليمه ولا يدنيهم من مشاربه ولا يدخلهم في ساحته وقاربه.
وإزاء ذلك وتلك فهناك مسؤوليات مجتمعية، أقصد شخصية فردية، واجتماعية مجتمعية، حيث إن الفرد والمجتمع مسؤول أمام الله إذا لم يُنكر، ويأخذ ـ بالحكمة والموعظة الحسنة ـ بأيدي الناس إلى طريق الله وسبل الهدى وإلى جادة الصواب، بحيث يضحى المجتمع مسؤولاً عن ترك المعاصي التي تستشري فيه، وعندها تنزل نقمة السماء، ولا تترك الصالح الذي بقي صلاحه في نفسه، ولم يٌعَدِّ أثر صلاحه وخيره إلى غيره، وأغلق عليه ستار بيته، واكتفى بأن الله قادر على هدايتهم، إن هذا فهم خاطئ، وتربية مغلوطة، وسلوك معوج؛ فإن هؤلاء المخطئين أو العصاة لا يعرفون خطورة ما يفعلون، وفد يكونون واقعين تحت ظروف مادية قاهرة، شعروا معها باليأس من وجود حلٍّ، فراحوا يعربدون في دنيا الناس، ويدمرون في المجتمعات، لكن المسؤولية الاجتماعية واضحة مقرَّرة في الإسلام، إن هناك شواهدَ كثيرة : قرآنية وحديثية، أعرض في هذه الصفحات الشاهد منها عسى أن تكون سبيلَ رشد، ومصباحَ نجاة، وطريق فوز، ومنارةَ إصلاح، وسير نحو الفلاح والتوفيق والنجاح.
إن الملائكة عندما نزلت لتدمِّر قومَ لوط، وكان هذا الفعل الشائن قد فشا فيهم، وهو اللواط قد استشرى في مجتمعهم، دونما وقوف مجتمعي، ولا فردي من أحد، بحيث يقف أمامهم ويصدهم عن أفعالهم الشنيعة، ويعظهم ويدعوهم، أوسعي لتبصير المجتمع بخطورته، وجلبه لنقمة السماء، وراح الناس في غيهم وتركوا مجتمعهم، وسدروا في غيهم غير عابئين بقيم ، ولا مُرْعَوِينَ لتعاليم، على إثر ذلك جاءت الملائكة لتنفيذ أمر الله، فتحكي السيرة أنهم ـ أي الملائكة ـ فوجدوا عابدا كثير الطاعة، كثير التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير والتهليل، لكنه كان عابدا مغلقَ العقل، ضيق الفكر، عنده الأثرة ولا يعرف رسالته، ولا يدرك معنى وجوده، ولا يعلم حدود مسؤوليته الاجتماعية، وأنه كان يجب عليه أن يقوم بواجبه تجاه هؤلاء الممارسين لهذه العادة القبيحة أو السلوك الشائن، فقال الملائكة: يا ربنا فيهم عبدك فلان، جئناه، فوجدناه يذكر ويسبح، ويدعو، ويطيع، فماذا نفعل معه؟ فقال الله ردا عليهم:(به فابدأوا، إنه لم يكن يتمعَّر وجهه من أجلي) أي: لم يكن يغضب لي، أو يتغير وجهه إنكاراً لهذا الصنيع الشنيع، ولم يكن يقوم برسالته تجاه المفسدين ، وكان يكتفي بصلاح نفسه، مع أن القاعدة الدعوية الشرعية المنطقية تقول:(أصْلِحْ نفسكَ، وادعُ غيرَك)، ويقول الله تعالى:(واتقوا فتنة لا تُصِيبَن الذين ظلموا منكم خاصة)، ويقول عز وجل:(وقد نزل عليكم أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعاً)، والرسول الكريم (صلى الله عليه وسلم) يشير إلى هذا الأمر بقوله ـ عليه الصلاة والسلام:(من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان)، أو مع زيادة قوله:(وليس وراء ذلك مثقال خردل من إيمان).
.. ونواصل الحديث حول ذلك اللون من حمل الأمانة، وتحمل تبعاتها، وواجب الدعوة، والوفاء لهذا الدين في لقاء آخر، وصلى الله وسلم، وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

* جامعة القاهرة ـ كلية دار العلوم بجمهورية مصر العربية
Drgamal2020@hotmail.com

إلى الأعلى