الإثنين 20 نوفمبر 2017 م - ٢ ربيع الثاني ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / ثقافة وفنون / نقاد يشيدون بفيلم الكنز كتعبير عن أحداث التاريخ ككنز حقيقي
نقاد يشيدون بفيلم الكنز كتعبير عن أحداث التاريخ ككنز حقيقي

نقاد يشيدون بفيلم الكنز كتعبير عن أحداث التاريخ ككنز حقيقي

القاهرة – من حسام محمود:
تحفل السينما المصرية بالعديد من الأفلام السينمائية الجديدة في مقدمتها حاليا فيلم “الكنز” كعمل مهم وغير تقليدي على مستوى التفكير والتنفيذ حيث اجتهد صناعه كفريق واحد متجانس في تجربة ذات رؤية تنتهي إليها مجموعة من الحكايات وعشرات الشخصيات والوقائع وتباين الأزمنة التي تدور فيها أحداث الفيلم. وحرص المنتج علي وضع أفيشات ومقدمات حول عمل جدير بالمشاهدة دون إسفاف وفبركة وعنف وأيضا من غير استسهال وضحك على تشوهات الأفعال المصطنعة رغم وجود محمد رمضان ومحمد سعد على رأس قائمة طاقم الممثلين وما قد يثيره اجتماع النجمين ترقب الجمهور .

قالب جديد
فيلم الكنز يروض الأسطورة والتاريخ لكي يناسب الرؤية التي يريد إيصالها للمتفرج دون صخب لكي نتأمل بعض ما تنطوي عليه التجارب الإنسانية من معان مازلنا نجد فيها انعكاساً لما نحن فيه من وقائع وصراعات بين السلطة والحب . وشريف عرفة كما عودناً مخرج صاحب موقف يدقق في اختياراته وبقدر إيمانه بدور الفيلم كعمل ترفيهي جماهيري إلا أنه لا يستخف بالعقول ولا يسيء إلى الأذواق ويحسب له الجمع بين أكثر من نجوم الترفيه الشعبي نجاحاً ولفت أنظارهم إلى مستويات أداء لم تكن في الحسبان. ولعل تاريخ مخرج الفيلم شريف عرفة كمخرج متميز أضاف للسينما العربية مجموعة أفلام متميزة كطيور الظلام لعادل إمام و”الناظر” لعلاء ولي الدين و”الجزيرة” لأحمد السقا مما يوفر الطمأنينة للمتفرجين والنقاد ويؤكد أن زمن المشاهدة لن يضيع . هناك أيضا اسم المؤلف عبد الرحيم كمال بتاريخه الذي حلق في الدراما التليفزيونية بمسلسل “الخواجة عبد القادر” و”شيخ العرب همام” و”ونوس” ليحيى الفخراني فهو كاتب مثقف عاشق للصعلكة الفكرية ومشبع بالخيال وبإمكانيات التأويل والإسقاطات. والفيلم يطرح أفكارا جديلة لثلاث حكايات في ثلاثة أزمنة متباعدة عاشتها مصر قلب العروبة وتشير الأحداث بالفيلم إلى عدة قناعات.

فن تاريخي
يقول المخرج الكبير نبيل مصطفى إن فيلم الكنز عمل غير تقليدي يتناسب مع روح التجديد في السينما المصرية كقلب صناعة الفنون العربية ويتمحور بقصص ثلاث تدور وقائعها في العصر الفرعوني أبان حكم الملكة “حتشبسوت” وفي زمن الاحتلال العثماني، حيث شاعت أسطورة على الزيبق البطل الشعبي الذي يحمي بقوته ومهاراته الجسمانية وحسه الشعبي المنحاز للعامة قيم العدل ويتصدى للظلم ضد السلطة الباطشة للمماليك والبصاصين. ثم عصر ما قبل ثورة 1952م آخر سنوات حكم الملك فاروق حين كان رئيس القلم السياسي بجبروته يبسط سلطانه بقوة حتى في الأمور العاطفية. ولو كان ذلك هو ما يقدمه فيلم “الكنز” فقط لجاء جافا فالحكايات لا تكون مصدرا للإثارة والترفيه إلا بأسلوب فني يثير الفضول والتفاعل بين الشاشة وصالة العرض وشحذ عناصر الدراما بصراعات من خلال حبكة فنية تجمع خيوط الأحداث داخل نسيج تقدمه المواقف والأفكار.

الكنز الحقيقي
أما الإعلامي طاهر أبو زيد فيقول إن العمل يقوم على فكرة الكنز الذي هو في الحقيقة التاريخ ونكهة الماضي بعبق الحاضر والذي يصنع المستقبل بأخذ التراث والبناء عليه دون تحطيمه أو بيعه . ففكرة البيع لآخر ما تبقى من تراث الأسرة العتيدة في إحدى قصص الفيلم تعني بتر الجذور وإقصاء مضمون الانتماء مع التمسك بأهداب أوروبا حيث كان حسن يتلقى العلم من تاريخ بلاده ولكن هذه الفكرة تتوقف بفعل شريط الفيديو كوصية تركها الأب “بشر الكتاتني” قبل وفاته إلى جانب مخطوطات ومذكرات شخصية وبرديات عن تاريخ “حتشبسوت” “الملكة الفرعونية وهذه الوصية ظل يحرسها الخادم النوبي العجوز الذي يصر على إثناء حسن عن فكرة البيع والرحيل وهنا تتوالى الحكايات وتبدأ الحيرة وحتمية معرفة الوصية حتى آخرها.

يقول الكاتب المنشاوي الورداني إن عناصر تفوق الإبداع تفوح من السيناريو والحوار حيث هناك قواسم مشتركة فكرياً وموضوعياً ألهمت صناع الفيلم لطرح تساؤلات عن طريق قصص وأحداث تم ربطها للبحث عن كنوز التاريخ من عبق حكايات قيمة ومثيرة . وكان بالضرورة هناك حاجة لإيجاد معادل بصري موضوعي من خلال صورة بديعة لمدير التصوير أيمن أبو المكارم وموسيقي هشام نزيه المعبرة عن زمن الأحداث وبيئة الكباريه واختيار صوت نسمة محجوب بأداء أمينة خليل ثم المنشد الديني إيهاب يونس في الموالد الشعبية زمن العثمانيين.

وفي الحكايات الثلاث يتزعم الحب مملكة القلوب لدى الرجال والنساء. قلب الباشا رئيس البوليسي السياسي “بشر الكتاتني” وقلب البطل الشعبي علي الزيبق الذي ذاب عشقاً في “زينب الكلبي” وهي الممثلة الشابة روبي ابنة المقدم “صلاح الكلبي” كلب السلطة وقاتل حسن رأس الغول والد علي الزيبق وهو الممثل محمد رمضان الذي يلعب الدورين بإقناع واقتدار. وكذلك الملكة الفرعونية حتشبسوت رغم قوتها وعلمها لن تفلت من سطوة الحب عندما التقت والمهندس العبقري “سمنوت” وهو “هاني صالح” الذي بني لها أجمل معابد الدير البحري ولكنه كان من العامة وغرامه بالفنون والمعرفة كان شفيعاً لاقترابها منه.
وتمثل السلطة في هذه الحكايات الثلاثة ونزعة الاستبداد السياسي إبان السنوات الأخيرة من حكم فاروق وأيضا إبان حقبة الاستعمار العثماني وإبان حكم الأسرة الثامنة عشرة في مصر القديمة عاملاً مشتركاً ناهيك عن الفساد وقسوة الحكم التي لم ينجو منها حتى عمه مصطفي شقيق رئيس القلم السياسي الذي تعرض للحبس والتعذيب برغم شفاعة مساعده عبد العزيز النشار وهو الفنان “أحمد رزق”.

وتساق الحكايات الثلاثة بأكثر من وسيلة موضوعية وفنية فإلي جانب الأفكار المشتركة والمواضيع التي تنطوي على محتوى قريب الشبه وان اختلفت العصور هناك الفواصل الفنية التي تعكس رغم اختلافها المعاني فهناك الأغنية العاطفية والنمر الفكاهية على مسرح المنوعات التي يقدمها “أحمد أمين” في عصر فاروق والاستعراضات الشعبية في أسطورة علي الزيبق في العصر العثماني تلك التي تجسد التآلف الشعبي للبطل وأعوانه في مواجهة الفساد والظلم الذي يمثله نموذج صلاح الكلبي ويؤدي دوره عباس أبو الحسن. وهناك مظاهر السوق وتكتل الكهنة مع الكاهن الأعظم الممثل محيي إسماعيل وتحول الملكة كوسيلة للتآلف بين العرش والناس ثم هناك الشخصية التي تظهر في طبعات مختلفة في الحكايات الثلاث ويؤديها ممثل واحد قدير هو عبد العزيز مخيون الذي يلعب دور الحكيم الفرعوني “إني” والشيخ “علي الله” والسجين في زنزانة مع جماعة من المحبوسين .

إلى الأعلى