الأربعاء 22 نوفمبر 2017 م - ٣ ربيع الثاني ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / أشرعة / الروائي السوري عبد الكريم ناصيف : لست مع الغموض والإبهام، فنحن مجتمع لا تزال نسبة الأمية فيه خمسين بالمائة

الروائي السوري عبد الكريم ناصيف : لست مع الغموض والإبهام، فنحن مجتمع لا تزال نسبة الأمية فيه خمسين بالمائة

يؤكد أن الفرق بين الواقع المعاش والواقع المكتوب هو الفرق بين الراهن والذاكرة

اجرى اللقاء : وحيد تاجا
أكد الروائي والمترجم السوري عبد الكريم ناصيف انه يكتب الرواية الواقعية ..وقال في حديث مع ” أشرعة” ” أنا أومن أن الواقع أغنى من الخيال، لهذا لا حاجة بالكاتب لأن يعمل خياله لكي يصطنع عالما يكتب عنه أو «يفبرك» أجواء وأحداث وشخصيا، حسبه أن ينظر إلى الواقع ويغرف منه”. وعن رؤيته للواقع المعاش والمتخيل يقول الفرق بين الواقع المعاش والواقع المكتوب هو الفرق بين الراهن والذاكرة، بين اليومي والدائم، الزائل والخالد. وحول اغراق بعض رواياته بالغموض والرموز قال: أنا لست مع الغموض والإبهام، فالروائي العربي يتعامل مع فن الممكن. ولو كان بإمكاننا أن نكتب بوضوح أكبر لكتبنا.
ويذكر ان الروائي عبد الكريم ناصيف من مواليد السلمية 1939. حاصل على إجازة في اللغة الانكليزية وآدابها من جامعة دمشق. عمل مدرسا وضابطا في الجيش. ورئيساً لتحرير مجلة المعرفة، عُني بالرواية والترجمة. إضافة إلى المسرح والدراما التلفزيونية.
عي في رصده للأحداث.

* كيف تفسر إنحيازك إلى الرواية؟
** انحيازي للرواية نابع من عوامل موضوعية وعوامل ذاتية، وأهم سبب هو ميلي إلى كل ما هو شمولي وقادر على الإحاطة. وهذا ما يتفق مع طبيعة الرواية كجنس أدبي وشروطه الداخلية والخارجية.

* هذا على الصعيد الشخصي ولكن ماذا عن العوامل الموضوعية…؟
** إن الرواية هي ملحمة العصر الحديث. وهي الجنس الأكثر رواجا ونشاطا وحضورا في العالم. والكل يحتاج إلى الرواية، ربما لسد حاجة نفسية أو يزجي فراغا ليطلع على عوالم غريبة عنه لا يعرفها. فالرواية، بعد الأجهزة المرئية، هي أقدر على وصف وتقديم العوالم الغريبة، تعرفك بالشعوب الأخرى، وعاداتها وتقاليدها وأفكارها ومشاعرها.

* تدور معظم روايتك حول الواقع السياسي، بمعنى أنها أقرب إلى الأدب السياسي، إن صح التعبير…؟
** الحقيقة أنا أكتب الرواية السياسية أولا وأخيرا ، فالسياسة همي وشاغلي الأساسي… سنين طويلة أمضيتها في ميدان السياسة، ممارسة وعملا، وحين يئست من تحقيق الحلم، لأن الحلم كان أكبر من الإمكانات المتاحة. هجرت السياسة، كميدان عمل، إلى الأدب والكتابة… والأمل هنا، أن تظل إمكانية تحقيق الحلم متاحة ولو في المستقبل. السياسة تدخل في كل شأن من شؤوننا، تتغلغل في كل مساماتنا.. بؤسنا.. سعادتنا… فرحنا… ترحنا، كله يتوقف على السياسة، فهل يمكن أن نغض النظر ونقول لا شأن لنا بالسياسة؟

* انطلاقا من هذه الرؤية كيف ترى علاقة الأديب بالسلطة؟
** الشعب في وطننا العربي والعالم الثالث المتخلف، يطمح نحو الأفضل. يسعى نحو التغيير، يريد أن يبدل شروطه الموضوعية التي لا أمل له معها بأن يتخلص من فقره وتخلفه، بينما تعمل السلطة في هذه البلدان على تكريس الوضع القائم وترسيخ جذورها فيه. ولا عدو لها سوى التغيير… إذن الصراع هنا بين إرادة التغير والحيلولة دون ذلك… الشعب والسلطة. والمبدع أو الأديب هو دائما طليعة من يسعى للتغير. وهو أكثر الناس ثورية، وحبا بالجديد. وكرها للمحافظة، لهذا لابد أن تكون العلاقة بين المبدع والسلطة علاقة تعارضية تصل أحيانا إلى درجة عالية من التناقض وذلك يتوقف على درجة قمع السلطة ونزعتها المحافظة من جهة وميله هو للتغير والتجديد جهة أخرى.

* في روايتك (الحلقة المفرغة) أطروحات لهموم القضية الفلسطينية من عام النكبة (1948) إلى عام النكسة (1967). فهل ما زالت تلك الآلام قابلة للطرح…؟
** الحقيقة الوحيدة التي نعرفها هي أن فلسطين لنا، وقضيتها هي قضية الحق، والحق دائم خالد لا يحول ولا يزول… صحيح أنه ربما يطمس لحين أو يعتم عليه أو يحجب لظروف أو وضع دولي طارئ لكن بالنهاية لا بد له من أن يظهر… هنا تبرز مهمة الأدب والأديب ألا وهي الوقوف مع الحق أيا كانت الظروف ومهما كانت العراقيل . وليس من حق في الدنيا كقضيتنا في فلسطين ولا من باطل كوجود «إسرائيل» فكيف لا نستمر في طرح هذه القضية ومتابعتها حتى النهاية؟

* من يقرأ أعمالك الروائية بشكل عام ، وبخاصة رواية «المد والجزر»، يشعر أنها تتحدث عن تجارب معاشة. فهي حافلة بتفاصيل مكانية ومحطات زمانية قريبة جدا من الواقع ، إلى أي مدى هذا الانطباع صحيح…؟
** هذا صحيح، فأغلب أعمالي حافلة بتفاصيل مكانية ومحطات زمانية شديدة الحساسية ذات صلة بالواقع… بل تبدو هي وكأنها الوقع ذاته… فأنا أكتب الرواية الواقعية، الواقع مصدري، والناس منهلي… كل ما أكتب منهم وإليهم… فأنا أومن أن الواقع أغنى من الخيال، لهذا لا حاجة بالكاتب لأن يعمل خياله لكي يصطنع عالما يكتب عنه أو «يفبرك» أجواء وأحداث وشخصيا، حسبه أن ينظر إلى الواقع ويغرف منه، يعيشه ويأخذ منه. وبصراحة فان لكل رواية عندي دافع، فرواية (الطريق الى الشمس) كانت شخصية (عزيز المر ) هي شخصية واقعية وهو رمز لكل أبناء الشعب في مقاومة الاستعمار وواجه الموت في سبيل حريته، وقد رصدت معاناة الشعب الفلسطيني في روايتي (الحلقة المفرغة) و(المخطوفين)، ونتيجة معايشتي الواقع اللبناني واطلاعي على أدق تفاصيل الحرب الأهلية اللبنانية كتبت رواية (البحث عن نجم القطب)، كما تناولت فترة مهمة من تاريخ المنطقة ( 1967 – 1986) في ثلاثية (المد والجزر). ومن هذا المنطلق وظفت السياسة في خدمة الأدب.

*وكيف ترى الفرق إذن بين الواقع المعاش والواقع المكتوب…؟
** الفرق بين الواقع المعاش والواقع المكتوب هو الفرق بين الراهن والذاكرة، بين اليومي والدائم، الزائل والخالد. فالمرء يعيش حياته يوما بيوم، عشرات الأحداث أو الأعمال أو الوقائع قد تحدث له يوميا… مئات الأفكار تخطر بباله، ما لا يعد من الأحاسيس والمشاعر، لكن ماذا يبقى في ذهنه يا ترى. يبقى الهام والمؤثر والخطير، كل الأشياء الأخرى تذهب جفاء أما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض. مهمة الذاكرة أن تسجل الوقائع الهامة والمؤثرة والخطيرة في حياة الإنسان… كذلك الأدب مهمته أن يسجل تلك الوقائع في حياة الإنسان، فردا ومجتمعا.

* التأكيد على الزمن والتأريخ في أعمالك يطرح سؤالاً حول العلاقة بين الروائي والمؤرخ والحد الفاصل بينهما…؟
** لا يمكن أن تكون الرواية تأريخاً لأن الرواية تختلف عن التاريخ اختلافاً جذرياً، والروائي يقدم في رواياته مجموعة من العلامات والصور يقوم القارئ بتأويلها وتفسيرها كما يشاء، وكلما كان قريباً من الموضوعية والواقعية كان الروائي متمكناً من فنه وقادراً على الدخول إلى عقل القارئ وقلبه وقد يغيره ويؤثر فيه وبقناعاته، وهذا هو الهدف لأن الكاتب عندما يكتب يسعى إلى تقديم آراء من خلال الرواية التي هي عمل أدبي يحتوي أفكاراً معينة يسعى الكاتب إلى إيصالها. فالرواية التاريخية هي التي تتناول بأسلوب أدبي مرحلة من الماضي التي لم يعد لنا بها علاقة ولا تأثير، في حين أن التأريخ هو عمل تقريري رصين لا يحتاج إلى الخيال الذي تحتاجه الرواية.

* لجأت في روايتك «المخطوفون» إلى الإيغال في استخدام الرمز مما تسبب في صعوبة فهم الرواية من قبل القارئ العادي… ما قولك…؟
** حلمي ككاتب أن أستطيع إيصال أفكاري إلى كل قارئ… هذا حلم، ولا ندري إلى أي مدى تتحقق الأحلام؟ .. نحن نتعامل مع فن الممكن. ولو كان بإمكاننا أن نكتب بوضوح أكبر لكتبنا. وبالتأكيد لو لم يكن هنالك ظروف وموانع وقوانين رقابة لتناولت الموضوع بشكل مختلف. لأني واثق أن الكاتب الناجح هو الذي يستطيع إيصال أفكاره إلى القارئ بكل يسر وسهولة. أنا لست مع الغموض والإبهام، فهذه الأمور قد تصلح لأوروبا، ولكن لا تصلح لنا أبدا، فنحن مجتمع لا تزال نسبة الأمية فيه خمسين بالمائة. نحن نتعامل مع شعب أمي يكافح من أجل أن يتعلم شيئا وأنا لا أستطيع أن أخاطبه بالأساليب الغامضة والمبهمة والملتبسة. من هنا أردت أن أخاطب القارئ العادي في «المخطوفون» ولهذا عمدت إلى أسلوب الإشارات الموجودة في بداية كل فصل لكي تكون مؤشرا للقارئ… مع أن هذا يتعارض مع استخدام الرمز… ويشكل عبئا على فنية الرواية ولكن مع هذا أصررت على وضع هذه الإشارات، كما لجأت إلى التراث من أجل توضيح ما أقوله.

* أشرت في إحدى حواراتك إلى معاناتك مع الرقابة …؟
** هذا صحيح فقد كان لي تاريخ حافل مع الرقابة، بالرغم من علاقاتي وكوني شغلت رئيس تحرير مجلة المعرفة ورئيس دائرة التأليف والترجمة في وزارة الثقافة وعضو مكتب تنفيذي في اتحاد الكتاب العرب، فقد بقيت رواية (الحلقة المفرغة) حبيسة الأدراج مدة 14 سنة في الأدراج، فقد كتبتها في عام 1970 ولم تنشر حتى عام 1984، أما رواية (البحث عن نجم القطب) فلم تنشر إلا بعد حذف أربعين صفحة. ولا بد من الاعتراف ان الرقابة في العالم العربي لعبت دورا في كبح وتأخر حركة الإبداع الحقيقي، لان الإبداع يحتاج الى جو من الحرية وأحد أسباب بقاء الأدب العربي محجماً هو الرقابة. وليس سرا القول ان معظم الكتاب العرب يعانون من الرقابة.

* عالجت في رواية “النمس والأفاعي” الصادرة عام 2013 موضوع الانتماء إلى الوطن، هل هو ” حدس” الروائي الذي جعلك تتنبأ وتتطرق إلى هذا الموضوع ..؟
** أشير بداية إلى أنني لم أتطرق بعد في أي عمل روائي إلى الأحداث التي تمر بسوريا منذ سبع سنوات تقريبا، رغم صدور عمليين خلال هذه الفترة ، وذلك لأن مخطط كل من الروايتين كان قد أُنجِز قبل النشر بفترة طويلة، فقد اعتدت أن انجز رواياتي مخططاتٍ في وقت من الأوقات وغالباً لا ابدأ بتنفيذها إلا في وقت آخر . ولكن ، كما أشرت، فان “النمس والأفاعي” كان فيها نوع من التنبؤ لما يحدث حالياً. حيث عالجت موضوع الانتماء إلى الوطن وماذا تفعل الغربة بالانسان، وهي تدور في معظم أجزائها في بلدان خارج سورية (مصر-لبنان-أوربا) من خلال شخصية البطل الذي ما إن غادر سورية حتى شعر بالحنين والشوق إليها وقد شعر أن لا وطن كالوطن ولا أهل كالأهل، وقد حاول أن يعود إليه رغم صعوبة ذلك، ولكنه لم يستطع العودة إليه، ومات قبل أن يعود.

* هل نتوقع قراءة رواية جديدة لك قريبا عن الأوضاع السورية..؟
** هذا أكيد. فالظروف الطارئة لا بد وأن تترك آثارها على الكاتب وما يكتبه بشكل أو بآخر . وانا بصدد كتابة رواية من وحي الأزمة السورية القاتلة بالنسبة للوطن والشعب السوري، فعلى الروائي أن يرصد الواقع ليكشف بعض خفاياه وتفاصيله وأحداثه الجارية وهو أمر ليس بالهين لأن أحداث الأزمة صعبة وهي حالة طارئة وغريبة جداً بالنسبة للجميع لأن الأزمة في سورية أخطر أزمة إنسانية مرت في القرن العشرين بعد الحرب العالمية الثانية.. من هنا فإن الكتابة عنها لا بد وأن تكون بمستوى حجم وفداحة هذه الأزمة.
وبطبيعة الحال اختلف جدا مع الروائيين والكتّاب الذين يرون أن تناول الأزمة عبر رواية من الروايات لا يصح إلا بعد مرور وقت طويل من الزمن فالرواية بالعموم تحكي عن الماضي ولكن هذا لا يعني تقاعسها عن تناول أحداث آنية وهي قادرة على فعل ذلك خير قيام على الرغم من صعوبة الأمر باعتبار أن الروائي لا يستطيع أن يكتب عن أحداث آنية إلا بعد أن يتحقق من صحة الكثير من التفاصيل والقصص، وهو إن نجح في ذلك ينشر رواية ذات مصداقية كبيرة ستكون شاهد عيان حيث الروائي يسمع بأذنه ويرصد أحداثاً بشكل مباشر من خلال معايشته لها، ومن هنا تأتي أهمية هذا النوع من الروايات قليلة الصدور أصلاً لأنها روايات بنت الساعة التي تعتمد على الشهادة المباشرة والمعاناة. وحتى تكون الكتابات الروائية الآنية صادقة وحقيقية يجب أن يتصف الروائي بالموضوعية كالمؤرخ تماماً بحيث لا يكتب على هواه، فالروائي الذي يكتب روايات مستوحاة من الماضي يرى المشهد من بعيد دون أن يتأثر به، في حين أن الكتابة عن أحداث تجري الآن لا يمكن لها إلا أن تؤثر على الروائي، وهنا تكمن صعوبة هذه الرواية لأن تأثر روائي بالأحداث يضرب مصداقية ما يكتبه، وبالتالي فإن الروائي واسع الأفق والمزود بالمعرفة الصحيحة والمنطق السليم هو الذي يكتب بشكل موضو

إلى الأعلى