الخميس 23 نوفمبر 2017 م - ٤ ربيع الثاني ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / أشرعة / “بيت الأشباح” لفرجينيا وولف

“بيت الأشباح” لفرجينيا وولف

ترجمة ـ حمود العامري :
في أي ساعة من الساعات استيقظت من النوم، كان هناك باب يفتح ويغلق- زوجان من الأشباح ينتقلان معاً من غرفة إلى غرفة، يرفعان شيئاً هنا وينزلان شيئا هناك، ويتفقدان الأشياء.‏
قالت الزوجة “لقد تركناه هنا”, ” ولكنه هنا أيضاً” أشار الزوج. ” لابد أنه بالأعلى” همست الزوجة، “وربما يكون في الحديقة” أجاب الزوج، “بهدوء”، قالا معاً ” وإلا سوف نوقظهم”.‏
لكن تريث، لم تكونا أنتما من أيقظنا، “إنهما يبحثان عنه: يسدلان الستارة”، ويمكن للشخص أن يتحدث، أو يقرأ صفحة أو صفحتين بالأحرى. “ها قد وجداه الآن”، كما يمكن للمرء أن يستيقن من ذلك، فيضع القلم عند هامش الصفحة، ولكن قد يسئم الشخص ويمل من القراءة فيرتقي بنفسه، فالمنزل خاوي على عروشه، والأبواب مفتوحة، ولا يُسمع في الجوار سوى هديل حمامات الغابة تطير بحبور، وآلة الدرّاسة تدرس في المزرعة القريبة المجاورة. “لماذا أتيت هنا؟ عم كنت أبحث؟” كنت فارغ اليدين. “لابد أنها هناك في الأعلى؟”, لابد أن التفاح مخزن في الأعلى كذلك. وبالأسفل، كانَ كل شيء في الحديقة على حاله، باستثناء الكتاب الذي وقع على العشب.‏
‏لكن المدهش في الأمر أنهما قد وجداه مسبقا في غرفة الاستقبال، ولم يكن بوسع أحد أن يراهما. وانعكست صور التفاح والزهور على زجاج النوافذ؛ وكذلك خضرة أوراق الأشجار، وإذا ما تحركا في غرفة الاستقبال، قابلتهما واجهة التفاح الصفراء. إلا أنه ـ عند انفتاح الباب ـ يرخي ظله على الأرض أو يتعلق على الجدران أو يتدلى من السقف ـ ماذا؟ كانت يداي فارغتين. وعبَرَ السجادة خيال طائر يُغرد؛ ومن أعماق الصمت البعيدة كان يتناهى رفيف حمائم الغابة. وأخذ البيت ينبض بهدوء “آمن، آمن، آمن”. “الكنز المدفون؛ الغرفة..” توقف النبض فجأة، آه، أكان ذلك الكنز المدفون؟‏
واختفى النور لوهلة، وكذلك الأمر في الحديقة؟ لكن أخذت أغصان الأشجار تبث الظلام أمام أشعة الشمس المتناثرة. كان شعاع الشمس خافتاً، ونادراً، وهادئاً حينما ينفذ من خلالها، هذا الشعاع الذي كنت أبحث عن حرارته خلف الزجاج. الزجاج هو المنية نفسها؛ وكانت المنية بيننا لا محالة؛ فقد نشبت المنية أظفارها إلى المرأة أولاً، وذلك قبل مئات السنين: تاركاً المنزل، ومحكماً قفل النوافذ كلها؛ مخلفا وراءه الظلام الدامس. وبالنسبة له؛ فقد ترك المنزل، وتركها أيضاً، متجها نحو الشمال، ومن ثم نحو الشرق، ولفت انتباهه مشهد النجوم التي كانت تسبح في السماء الجنوبية؛ قام بالبحث عن المنزل، فوجده مستلقيا تحت المرتفعات المنحدرة. “آمن، آمن، آمن “وينبض المنزل بكل بهجة وسرور” الكنز لك”.‏
عصفت الرياح بالطريق المملوء بالأشجار، وانحنت الأشجار ومالت في هذا الاتجاه وذاك. وسقطت أشعة القمر وشقت طريقها بوحشية لتتناثر في مياه الأمطار. ونفذ ضوء الصباح المشرق مباشرة من النافذة. وتوقد ضوء الشمعة بقوة وثبات. ولازال الزوجان يتجولان في المنزل، يفتحان النوافذ، ويهمسان لبعضهما بهدوء لكيلا يوقظانا من النوم.‏
قالت “لقد نمنا هنا”, “قبلات لا تحصى” أشار الزوج. “الاستيقاظ في الصباح المبكر ـ” “الضوء الفضي بين الأشجار”. “في الأعلى ـ”في الحديقة ـ” “وعندما يقبل الصيف ـ” و”عند تساقط الثلج في فصل الشتاء ـ”. وتنغلق الأبواب فتسمع عن بعد، وتطرق بهدوء كما لو كانت مثل نبضات القلب.‏
اقتربا أكثر؛ ثم توقفا عند المدخل. تهب الرياح، وتنزلق حبات المطر مثل الفضة على زجاج النافذة. وتغشى أعيننا قطعا من الليل المظلم؛ ولا نسمع حسيس أي خطوات بالجوار، ولا يوجد هناك أثر لأي امرأة تبسط رداءها الشبحي. وبالنسبة له، فإنه يحجب ضوء الفانوس بكلتا يديه،”انظر” إنه يتنفس. “لابد أنه نائماً. والحب مرتسم على شفاههما”.‏
يمسكون بالمصباح الفضي أعلانا ويوجهون نظرات طويلة وعميقة، ثم يتوقفون فجأة والصمت يسود المكان مدة طويلة. وتهب الرياح على نحو متواصل؛ وينحني شعاع ضوء المصباح في وجهها قليلاً، وتخترق أشعة القمر المتوحشة كل من الأرض والجدار، وتظهر بذلك انحناءات الوجوه: منها الوجوه الغارقة في التفكير، ومنها الوجوه التي تبحث عن النائمين وعن سعادتهم المخبئة.‏
“آمن، آمن، آمن” ينبض قلب المنزل ب كل فخر واعتزاز، يتنهد “سنين طويلة ـ”. “لقد وجدتني مرة أخرى”, ” هنا” تمتمت هي الأخرى، ” نائمة: أقرأ شيئا ما في الحديقة، أضحك وأستمتع، وأدحرج التفاحات من الأعلى. هنا تركنا كنزنا-” ينحني، إن أضوائهم تجعلني أرفع جفون عيني “آمن، آمن، آمن!” ينبض المنزل بشكل ملحوظ، أستفيق وعيي، وأصيح قائلا “آه، هذا هو كنزك المدفون؟ النور في القلب.” ‏

إلى الأعلى