الإثنين 29 مايو 2017 م - ٢ رمضان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / شراع : دول المنطقة وخرائط التقسيم

شراع : دول المنطقة وخرائط التقسيم

خميس التوبي

بعد الظهور اللافت للتنظيمات الإرهابية وتنفيذها المطلوب منها بالقلم والمسطرة، تمضي مؤامرة تقطيع أوصال المنطقة وفق المخطط لها ووسط إصرار واضح على السير قدمًا نحو تحقيق ذلك ويتبدى من خلال استمرار الدعم المالي والتسليحي للمنظومة الإرهابية التي شكلتها القوى الاستعمارية الامبريالية الغربية، والإعلان عن برامج التدريب على الإرهاب وأساليب القتل والتدمير وبث الرعب وبذر بذور الفتن الطائفية والمذهبية والسياسية.
وإزاء هذا المخطط العابث بأمن المنطقة واستقرارها لا تزال خطط ضرب الجيوش وتدميرها ضرورة تمليها أهمية فتح الأبواب على مصراعيها أمام المنظومة الإرهابية وتسهيل تحركها للسيطرة على مفاصل الدولة المستهدفة وإعلان استسلامها. ويبدو أن حل الجيش العراقي من قبل الحاكم الأميركي بول بريمر كان إحدى علامات خطط استهداف دول المنطقة، حيث ظهرت على الفور مسميات التنظيمات الإرهابية داخل العراق الذي دخل معترك حرب احتلال واستعمار جديدة مع الإرهاب بعدما نال منه الغزو الأنجلو ـ أميركي، ليشاهد العالم أجمع ولأول مرة أبشع صور الإرهاب من إنتاج المستعمر الأنجلو ـ أميركي والذي حرص على صبغتها بصبغة الطائفية والمذهبية.
ولهذا لم يكن العراق استثناء، وإنما ما شهدته ليبيا من إطاحة بجيشها ونظامها وإحلال منظومة إرهابية تتولى بعثرة الدولة وتقسيمها وضرب استقرارها وأمنها واقتصادها، وكذلك ما يجري من محاولات لضرب الجيش العربي السوري والجيش المصري والجيش اليمني والتونسي من قبل المنظومة الإرهابية المكونة والمعدة لهذا الغرض، إنما يأتي كل ذلك في لعبة الاستهداف ومخطط رسم خرائط المنطقة لصالح القوى الامبريالية الاستعمارية الغربية وحليفها كيان الاحتلال الصهيوني وبمعاونة واضحة وملموسة من قوى إقليمية عميلة وتابعة تؤكد كل يوم عمالتها وتبعيتها بمواقف رعناء تدل على حماقة مراهقيها من السياسيين.
المشكل أن من المراهقين السياسيين ممن يقبضون بصولجان العمالة والتبعية لا يريدون أن يتوقفوا عند حد استشعار الخطر، وأن تعاونهم مع القوى الامبريالية الاستعمارية الغربية في تكوين المنظومة الإرهابية ورعايتها وتنميتها حماقة لا تودي بصاحبها وحده في مهاوي الردى، بل تأخذ معها البشر والشجر والحجر والجغرافيا بأكملها، إذ غير وارد الاعتراف بالشكل الحالي للدولة، فهناك أشكال أُخر جديدة لدول المنطقة رسمت من قبل، وما يحدث الآن هو عملية إعطاء كل دولة شكلها الجديد، “العراق الجديد، سوريا الجديدة، ليبيا الجديدة، مصر الجديدة، السعودية الجديدة، الكويت الجديدة، اليمن الجديدة وهلم جرا”.
إن ما لا يريد أن يعترف به من الحمقى والمراهقين السياسيين أن دول المنطقة أمام مشهد يجري فكه وتركيبه وسط صراع تتخطى مساحاته الحدود التقليدية التي رسمتها اتفاقيات سايكس ـ بيكو، وتصل إلى الحدود الطبيعية التي راجت في أغلب المراحل التاريخية، صراع وجودي يستهدف مصير شعوب المنطقة وحضورهم الجغرافي والتاريخي والحضاري ويتم تغذيته بالفوضى “الحلاقة” كما أطلق عليها الرئيس اليمني السابق علي عبدالله صالح، وبإرهاب مؤدلج دينيًّا وطائفيًّا ومذهبيًّا وسياسيًّا.
إن واقع الأحداث يشير إلى أن المنطقة على موعد مع ” سونامي إرهابي” تمتد موجاته إلى الجوار السوري والعراقي، خاصة وأن لوازم دفع الموجات يجري إعدادها وتهيئتها، حيث أعلنت الولايات المتحدة صاحبة مشروع ما يسمى “الشرق الأوسط الكبير” عن سلة جديدة من الدعم للمنظومة الإرهابية التي كونتها وغذتها في سوريا، تتمثل في نصف مليار دولار وبرنامج تدريب مكثف للعناصر الإرهابية والمرتزقة المجلوبة من مختلف أصقاع العالم.
وما يثير السخرية والضحك ما تفتق عن عبقرية جون كيري وزير الخارجية الأميركي من أن العصابات الإرهابية “جبهة النصرة، الجبهة الإسلامية وغيرهما” التي تدعمها بلاده وتغذيها في سوريا والتي يصفها بـ”المعتدلة” بإمكانها لعب دور مهم في صد هجمات ما يسمى تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام” (داعش)، محاولًا التستر على تغطية دور بلاده في تكوين هذه المنظومة الإرهابية الشاملة لجميع تلك المسميات، والتغطية على دوره الدبلوماسي والسياسي في رعايتها والذود عنها وتلميعها. ومن الواضح أن كيري يرمي إلى ما هو أبعد من ذلك وهو محاولة تمكين جميع فصائل المنظومة الإرهابية في العراق وتحديدًا في محافظة الأنبار والبحث عن ثغرة تسمح بالالتفاف على أي موقف معارض من الحكومة العراقية، بحيث تتحقق فكرة قطع الجغرافيا عن اتصال محور المقاومة الممتد من إيران والعراق ثم سوريا ولبنان، إذ تمركز هذه المنظومة في غرب العراق سيمكنها من إيجاد مساحة جغرافية عراقية ـ سورية متصلة، ما سيعزز القدرات لدى العصابات الإرهابية في سوريا ويمنع أي دعم يأتي من طهران أو بغداد إلى سوريا ولبنان، فضلًا عن مواصلة ممارساتها الإرهابية ضد الشعب العراقي وجعل العراق في دوامة مستمرة من عدم الاستقرار يبقيه على الدوام إلى الحاجة إلى المساعدة الأميركية، خاصة وأن فكرة كيري جاءت متزامنة مع الإعلان الأميركي عن دعم الإرهاب بنصف مليار دولار وبرنامج تدريب، وكذلك مع مئات من المستشارين والضباط العسكريين الأميركيين في العراق. كما أن من شأن نجاح تمركز الإرهاب في العراق بهذه الصورة أن يحقق المشروع الصهيو ـ أميركي بمد أنبوب كركوك ـ حيفا في فلسطين المحتلة، وما يؤكد ذلك هو إعلان الأكراد أنهم قد حصلوا ما كانوا يسعون إليه من فوضى “داعش” وإرهابه؛ التنظيم المخلَّق والمدعوم أميركيا، وهو سيطرتهم على مدينة كركوك الغنية بالنفط، وأنهم لن يتنازلوا عنها مهما كلفهم الأمر، وسط أنباء تتحدث عن عشرات المستشارين والمخططين والخبراء الصهاينة يقيمون في إقليم كردستان.
إذًا، الصورة المرتسمة الآن أن يغنم الأكراد ما غنموه من كعكة العراق، وأن يغنم أهل الأنبار ونينوى ومن معهم ما غنموه في الغرب من كعكة العراق. إلا أن الأخطر من كل ذلك هو أن تمركز المنظومة الإرهابية في غرب العراق واتصالًا بدير الزور وإدلب بسوريا ووصولًا إلى الأردن يعني على جوار العراق الاستعداد لكرات الإرهاب الحارقة التي ستصلهم، ولعل الاستعدادات الأمنية وتكثيف المراقبة والتفتيش من قبل السلطات الكويتية بناء على معلومات استخبارية، وكذلك المخاوف الأردنية والإجراءات الأمنية من قبل أجهزة الأمن والدفاع بالأردن تؤكد ذلك بوضوح، وهو ما لا تزال تحذر منه سوريا من أن دعم الإرهاب ضد الشعب السوري لن يسلم منه أحد، ولكن لا حياة لمن تنادي.
إنها أميركا تؤكد الحقيقة الثابتة عنها أن “المتغطي بها عريان”، وهي العبارة الشهيرة التي قالها صراحة مصطفى الفقي رئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشعب المصري أثناء ثورة الخامس والعشرين من يناير ضد الرئيس المعزول محمد حسني مبارك.

إلى الأعلى