الخميس 14 ديسمبر 2017 م - ٢٥ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / العين .. الثالثة : الرأي العام المحلي .. قوة الوطن الجديدة

العين .. الثالثة : الرأي العام المحلي .. قوة الوطن الجديدة

د. عبدالله عبدالرزاق باحجاج

يمكننا القول بكل اطمئنان وبكل ثقة أنه أصبح لدينا الان قوة جديدة يمكنها أن تخلق التوازن الطبيعي في حالة بروز اي خلل أو اختلال مستجد ناجم عن الاستفراد بصناعة القرار الوطني، سواء كان من قبل سلطة أو فاعل داخل سلطة، وهذه القوة قد خرجت من رحم احداث عام 2011، وللأسف لم يعتد بها الاعتداد السياسي المستحق، فكان أول اختبار حقيقي لها قرار مجلس الوزراء المثير الجدل بشأن تحرير معظم الاسعار وكل الخدمات تقريبا لغل يد الهيئة العامة لحماية المستهلك، فرأينا هذا الرأي العام ينتفض فجأة ضد القرار، ويدافع بقوة عن الكعبي وجنوده البواسل، ويشغل البلاد عبر وسائل الاتصال المختلفة ، الوهمية والواقعية، مما حمل معه مؤسسات دستورية مهمة كمجلس الشورى لتسجيل موقف تصاعدي غير مسبوق يؤشر لرؤية مستقبلية في غاية الاهمية ينبغي أن لا تغيب عن الاهتمامات السياسية إذا ما اردنا ادارة المجتمع كما يجب، وهى أن التناغم بين الرأي العام ومجلس الشورى قد أصبح يشكل أهم الضمانات الاساسية لا نقول لتأمين حقوق المجتمع فقط وإنما لخلق التوازن الطبيعي بين صلاحيات السلط الدستورية رغم اختلالها، لكن هذا ات لا محالة، والعبرة دائما بالأداء من حيث ماهيته وحجمه، فقد رأينا تجاهل الرأي من خلال القرار لو تم التأمل فيه قليلا لرأي صانعوه بأنه يحمل مسبقا تداعيات اجتماعية كبيرة، ومنه نستشرف حتمية الصراع بين المؤسسات الدستورية، وماذا يعني هذا؟
ليس هناك من تفسير سوى أن اصحاب فكرة القرار ومتخذيه لم يستوعبوا أحداث عام 2011، ونتائجها، وربما كانوا – ولا يزالون – يعتقدون أنها كانت مرحلة عابرة، انتهت بتأمين حقوق اقتصادية وسياسية غير كاملة ، وهذه المشكلة يعبر عنها القرار سالف الذكر بصورة واضحة، لكن، كيف قدم هذا القرار لقيادتنا السياسية؟ وكيف سارعت القيادة الى تصويبه؟ وهل ينبغي من يصدر قرار دون دراسة معمقة، ويثير تداعيات واشكالية اجتماعية كبيرة أن يترك دون مساءلة أو محاسبة ؟ وهل ينبغي أن يظل الفاعلون المتسببون في اثارة المجتمع في مواقعهم الوظيفية؟ لا مجال هنا لحسن نية بعد أن تدخل المقام السامي ـ حفظه الله ـ لتصويب قرار مجلس الوزراء، فجاء التدخل السامي ليصحح النهج لكي يكون المسير صحيحا من حيث المعقول واللامعقول، ومن هذه النظرية الاخيرة، يكمن أهمية مطالبتنا بإصلاح السلطة التنفيذية وتأهيلها لكي تكون قراراتها في إطار المعقول دائما، والا، فإنه ليس هناك ضمانة مؤكدة في عدم عودة الاحتقانات الاجتماعية كرد فعل على قرارات أو سياسات للامعقولة، فهل ننتظر الاصلاح قريبا؟ هذه الخطوة ينبغي التفكير فيها بعد أن سحب المقام السامي فتيل أزمة سببها قرار مجلس الوزراء دون دراسة موضوعية، فكل القرارات والسياسات الحكومية خاصة تلك التي تمس شأننا الاجتماعي ينبغي أن تخضع لدراسات معمقة وذكية حتى لا تثير حفيظة المجتمع وتعود الاحتقانات من جديد، وقرار مجلس الوزراء بشأن اطلاق يد التجار في معظم وكل الخدمات تقريبا قبل استصدار التشريعات الضامنة لمجموع المصالح، وتدخل المقام السامي السريع لتصويب القرار، يطرح فعلا إشكالية الاهلية للفريق الحكومي لإدارة العهد الجديد، فهل هناك خلل أو مشكلة (ما) ؟ وهل هي فردية أم جماعية أم في آليات وميكانزمات وعمل المؤسسة التنفيذية؟ علينا الانفتاح بإيجابية كبيرة لما يطرحه هذا التساؤل الذي تكمن مشروعية طرحه من تدخل المقام السامي لتصويب القرار، وتكمن المشروعية كذلك من حالة الغضب والاستياء الاجتماعي العامة من القرار من حيث توقيتاته ومن تجاهله للأولوية التشريعات اولا قبل اطلاق يد التجار خاصة وأنه كانت هناك فترة زمنية طويلة نسبيا (ثلاث سنوات) لإصدار التشريعات، فلماذا لم تصدر اولا ؟ وتكمن مشروعيته كذلك، من حالة التصعيد لموقف مجلس الشورى من القرار، وهذا يفتح صراعا بين السلط الدستورية على خلفية الصراعات الاجتماعية مع السلطة التنفيذية ، فتجاهل مجلس الشورى كسلطة دستورية في شأن اجتماعي من صلب اهتماماتها واختصاصاتها كفى به مبررا لطرح اشكالية الاهلية للسلطة التنفيذية، وحتى الآن يغرق الكثير من القانونيين في الصفة القانونية للتدخل السامي، فهل بصفة كون عاهل البلاد ـ حفظه الله ـ رئيسا لمجلس الوزراء أم له تكييف قانوني أخر؟ لن نفهم دلالات التدخل السامي ومن ثم حل اشكالية الصفة التدخلية ،، في كلتا الحالتين، الا أذا اعدنا للأذهان الكيفية التي صدر بها القرار، وكذلك المحتوى الذي عبر عنه المقام السامي امره بالتأجيل، فالقرار قد صدر عن مجلس الوزراء، بينما التأجيل قد جاء عبر بيان صادر عن ديوان البلاط السلطاني، وهذا يعني لنا كقانونيين دستوريين أن المؤسسة السلطانية تقدم نفسها عنا كسلطة ليست كالسلطات، وإنما هى فوق السلطات، وحاكمة لها في حالة التنازع مثلما حدث فعلا حول القرار الذي نحن بصدد مناقشته ومتابعة تطوراته في مقالنا الرابع على التوالي، ففور صدوره من قبل مجلس الوزراء قابله رفض من قبل مجلس الشورى امتدادا للرفض الاجتماعي العام، إذن، هناك نزاع كبير بين أهم سلطتين دستوريتين في البلاد، وله تداعيات اجتماعية كبيرة، ويمكن ان تتعقد الامور كثيرا خلال شهر رمضان المبارك، وما كان من المؤسسة السلطانية الا ان مارست صلاحيتها ،، كسلطة فوق السلط وحاكمة لكل السلط ،، فتدخلت لحل هذه الاشكالية الكبرى، وتدخلها لم يكن انحيازا عاطفيا لاحتواء حالة الغضب، وإنما كان حكما موضوعيا وعادلا للفصل في النزاع، وموضوعية حكمها يدعم المطالب الاجتماعية، وهذا ليس بجديد في تاريخنا الحديث، وهو يذكرنا باحداث عام 2011عندما انكشف واقعنا الاجتماعي على سلبيات تراكمية كبيرة وخطيرة ، فما كان من قيادتنا السياسية الا أن ضحت برموز كبيرة في السلطة من أجل كسب المجتمع، فكيف يعتقد بعض الرموز الحالية أنها يمكن تمرير القرار سالف الذكر رغم معارضة المجتمع ؟ وكيف يعتقدون أن قيادتنا السياسية لن تنحاز لقاعدتها الشعبية التي تشكل احدى اهم اركان الدولة؟ كيف نسوا او تناسوا التضحية بتلك الرموز التاريخية من اجل الحفاظ على وحدة الشعب بولاءاته وانتماءاته ؟ هذا درس لن ينسى، فكيف نسوه؟ ربما تناسوه وربما يكون وراءه قصور في التخطيط أو في الرؤية والاستشراف ، مهما يكن، فهذا كله يدعو الى الاصلاح العاجل حتى لا تتكرر مشاهد اثارة المجتمع وعودة الاحتقانات، وهذا كله يؤكد صحة بل وصدقية ومصداقية الهيئة العامة لحماية المستهلك بقيادة الكعبي وجنوده البواسل الذين يسجل لهم تاريخ جديد في نضالاتهم من أجل المواطن لكي يحافظوا عليه من أجل الوطن، ومن أجل أن يكون الوطن قويا بشعبه ،، لا بمنظمة التجارة العالمية ،، لمواجهة مجموعة إكراهات داخلية وخارجية، فلابد إذن من فتح باب المساءلة السياسية لكل من كان وراء تفجير الاحتقان الجديد، لأنه رجعنا الى الوراء كثيرا ولو (مؤقتا) ولأنه سلبنا متعة الترقب للمكارم السلطانية في يوليو المجيد ولو(مؤقتا) ولأنه صادر حقنا العاطفي في استعادة ذاكراتنا بنفحات يوم (23) من يوليو عام 1970ولو (مؤقتا) ولأنه وسع الفجوة الكبيرة بين الشعب والحكومة، بدليل هذا القرار غير المدروس ؟ وبدليل، تركيزها على البعد الخارجي إرضاء لمنظمة التجارة العالمية على حساب مصلحة المواطنين، وبدليل التدخل السامي بتصحيح خطأ السلطة التنفيذية.

إلى الأعلى