الثلاثاء 28 مارس 2017 م - ٢٩ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / الكتابة خارج أسوار الانقسام

الكتابة خارج أسوار الانقسام

محمد بن سعيد الفطيسي

” .. بالرغم من الجراح النازفة من كل مسامة من جسد هذه الأمة العظيمة الخالدة, وبالرغم من الفرقة والتشتت والانقسام والتباعد الذي ينهش خارطة العالم العربي, وبالرغم من تكالب الأمم وكثرة الخونة وعملاء الاستعمار, والمرتزقة من وراء لحوم الضعفاء والفقراء والبؤساء في أمة الإسلام وقلبها العربي النابض, وبالرغم من كل شيء, وأي شيء, ستظل هذه الأمة عظيمة كريمة مجيدة خالدة عبر الزمن, ” رغم أنوفهم”. ”
ــــــــــــ
من المؤسف أن يزداد كل يوم رصيد اليأس والإحباط والقنوط لدى النخبة الثقافية والأدبية في أمتنا الإسلامية وقلبها العربي النابض, ومن المؤسف أكثر أن تقوم تلك الشريحة التي تعول عليها أمتها استعادة مكانتها ومجدها, وتحفيز شعوبها إلى النهوض والتحرر وكسر أغلال الذل والتبعية, بتسويق ذلك الإحباط واليأس في كل صحيفة ومجلة ومنتدى ومحفل وملتقى أدبي وثقافي بين أجيالنا وأبنائنا وشبابنا, بل وتتحول كتاباتهم وكلماتهم إلى سموم تنفث في شرايينها, وكأن هذه الأمة العظيمة الخالدة قد كتب عليها أن لا تلتقي بذلك الرجل الذي يوجه خلافاتنا ونزاعاتنا وانقساماتنا الى أعداء الأمة الإسلامية وقلبها العربي.
حقيقة نحن لا ندعو إلى تحريف الكلم عن مواضعه, أو تزيين المصطلحات وتلميعها في أعين الآخرين, وبمعنى آخر قلب الحق إلى باطل, وقلب الباطل إلى حق, أو إضفاء صور جميلة على حقائق الأمر الواقع الأليم والمخزي الذي تمر به هذه الأمة العظيمة وقلبها العربي النابض, ولكن كل ما ندعو إليه كتابنا ومثقفينا وأدباءنا, ومن قيض الله لهم قيادة نهضتها من الشرفاء المخلصين في كل مجال, هو العمل على بذر روح الأمل في نفوس الأجيال القادمة لا إحباطهم, والسعي إلى تحريك الهمم ( حيث تبدأ الثورات في أعظم الأدمغة ثم تهبط للجماهير) , لتتحول تلك الثورات إلى عصيان وتمرد على الظلم والقهر والاستعمار والخنوع, لا أن توجه تلك الطاقات وتلك الجهود إلى نشر اليأس والإحباط , وصور الانحطاط والتردي الحضاري والأممي.
فبالرغم من الجراح النازفة من كل مسامة من جسد هذه الأمة العظيمة الخالدة, وبالرغم من الفرقة والتشتت والانقسام والتباعد الذي ينهش خارطة العالم العربي, وبالرغم من تكالب الأمم وكثرة الخونة وعملاء الاستعمار, والمرتزقة من وراء لحوم الضعفاء والفقراء والبؤساء في أمة الإسلام وقلبها العربي النابض, وبالرغم من كل شي, وأي شي, ستظل هذه الأمة عظيمة كريمة مجيدة خالدة عبر الزمن, ” رغم أنوفهم”.
نعم … أيها المستهزءون بجراحنا وانقساماتنا وتفرقنا, نحن ندرك بأننا نعيش أسوأ مراحل التاريخ وأشدها قسوة ومرارة وانحطاطا, ولكن ألم تعلموا وتتعلموا بأن أجمل أوقات الشروق هي تلك اللحظات القاسية التي يسبقها الظلام الحالك ؟!!, وان هذه الأمة العظيمة قد مرت من قبل بمثل هذه الأوضاع العصيبة, ولكنها استطاعت ” بفضل الله ” ومن ثم بمن تبقى من الشرفاء المخلصين لها من تدارك الوضع, واستعادة مجدها التلبد ومكانتها العالمية العظيمة بين أمم الأرض, وان كنتم لا تصدقون ذلك, فعودوا إلى سفر التاريخ, يقول الحق سبحانه وتعالى {إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ } صدق الله العظيم.
نحن نعترف بأننا خسرنا معارك كثيرة, وتخلينا عن فرص كثيرة كانت سانحة لاستعادة عزة هذه الأمة وشرفها وكيانها, ولكن ذلك لا يعني أننا خسرنا الحرب التاريخية والحضارية بأكملها, أو أن تلك هي النهاية التي أحكمتها قبضة الاستعمار وكتبتها علينا إلى أبد الآبدين, وانه قد آن لنا أن نستسلم للأمر الواقع , فنرفع رايات الخنوع والذلة والمسكنة, والدليل على ذلك هو كل تلك الدماء الطاهرة الزكية التي لا زالت تضخ في شرايينها كل لحظة وفي كل مكان وبكل ” وفاء وإخلاص ” , بقصد إعادة الحياة والأمل إلى جسدها الطاهر.
نعم … يا أيها العابرون على جثث الشهداء في فلسطين العربية الغالية , والعراق العظيم , وسوريا العزيزة, وكل شبر نازف في خير أمة أخرجت للناس, ستغرقون يوما في دماء اليتامى والأرامل والثكالى والأحرار, ويا أيها الشامتون الحاقدون على حالها وحال أبنائها وما آلت إليه, يا تجار الكلمة الفاسدة المنحلة, يا باعة قضايانا العربية وأحزاننا وجراح أمتنا الإسلامية ,, سيرتد رصاص تجارتكم الخاسرة عليكم يوما, وستحترقون بأوراق الخيانة والارتزاق والعمالة, ويا من أدخلتهم التخم وموائد الطعام غرف الإنعاش, سيثور عليكم الجياع يوما, حينها ستدركون ما كان يشتعل تحت رماد الجوع والفقر والبؤس وصرخات الأطفال ودموع اليتامى والثكالى ، فإن ( مواكب الحرية تسير , وفي الطريق تنضم إليها الألوف والملايين – كل ثانية من الزمن – وعبثا يحاول الجلادون أن يعطلوا هذه المواكب أو يشتتوها بإطلاق العبيد عليها, عبثا تفلح سياط العبيد ولو مزقت جلود الأحرار , عبثا ترتد مواكب الحرية بعدما حطمت السدود , ورفعت الصخور , ولم يبق في طريقها إلا الأشواك).
فإن أمة يساق إلى معبد مجدها وشرفها العظماء والمخلصون وهم يضحكون لا تموت, وان أمة يزف إلى خدرها كل يوم عشرات الشهداء لا تفنى, وان أمة يوقظها كل صباح صوت المؤذن ” حي على الصلاة ” لا تنام سوى لتنهض من جديد, ولهذا كان المستعمرون وأعوانهم عبر تاريخ هذه الأمة, يستغلون أوقات انحطاطها وتراجع مكانتها ويأس شبابها وضعف قياداتها, فيحاولون جاهدين إخماد ” الهمم”, وتكميم أفواه الأحرار والشرفاء لأممهم وأوطانهم وقضاياها, لأنهم يدركون تمام الإدراك أن في تلك الأفواه المقهورة مفاتيح الحرية, وفي هذا السياق يقول هانوتو وزير خارجية فرنسا سابقا بأنه(رغم انتصاراتنا على أمة الإسلام وقهرها, فإن الخطر لا يزال موجودا من انتفاض المقهورين الذين أتعبتهم النكبات التي أنزلناها بهم , لأن همتهم لم تخمد بعد).
لذا فإن إيقاظ الهمم في هذه اللحظات العصيبة التي تمر بها هذه الأمة العظيمة وقلبها العربي النابض, وإعادة الوعي المفقود في الشعوب الإسلامية والبلاد العربية بأهمية التمسك بالعقيدة الإسلامية والثقافة الإسلامية, وتشجيع التقارب ولم الشمل والوحدة وبذر الأمل في الغد برغم الجراح النازفة, وتشجيع الكتاب والدعاة المخلصين الشرفاء وأصحاب الأقلام والكلمة الصادقة على بث روح التراحم ونبذ الخلافات والفرقة والانقسام بين المسلمين, خصوصا ونحن نعيش ونعايش قداسة أجواء شهر الوحدة والتوحد – أي شهر رمضان الكريم ـ سيكون انطلاقة رائعة لحل عظيم ومفتاح الفرج لهذا الوباء الذي بدأ ينهش جسد الأمة وقلبها العربي النابض, وهو ما نوجه للدفع إليه والسعي لتحقيقه من قبل كل من يملك ذرة من حب وإخلاص ووفاء وتضحية لهذه الأمة الكريمة ولقلبها العربي العزيز.
إن ( أخوف ما يخاف على الأمة ويعرضها لكل خطر, ويجعلها فريسة للمنافقين, ولعبة للعابثين, هو فقدان الوعي في هذه الأمة, وافتتانها بكل دعوة, واندفاعها إلى كل موجة, وخضوعها لكل متسلط, وسكوتها على كل فظيعة, وتحملها لكل ضيم, وان لا تعقل الأمور, ولا تضعها في مواضعها, ولا تميز بين الصديق والعدو, وبين الناصح والغاش, وأن تلدغ بجحر مرة بعد مرة).

إلى الأعلى