الجمعة 24 نوفمبر 2017 م - ٥ ربيع الثاني ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / كلمات من دفتر الأحوال… (11 )

كلمات من دفتر الأحوال… (11 )

كاظم الموسوي

” كانت أماسي يوم الأربعاء من كل أسبوع في مقر اتحاد الأدباء قرب ساحة الأندلس، المبرمجة والمحدودة حسب موضوعات وعناوين منتظمة مع المتحدثين فيها، تجمع فضلا عنها أطيافا أخرى بعد انتهائها والانتقال من قاعتها أو مسرحها الى المطعم لتتحول إلى جلسات عائلية واجتماعية متعددة ومتنوعة، وبديهيا تتواصل العلاقات وتتعمق الاتصالات والتواصل على الصعد المختلفة فيها.”
ــــــــــــــــــــــــ

كلما أغادر بغداد إلى مدينة الحلة، والأغلب في مساء يوم خميس، انزل عند الكراج القديم، قبل عبور الجسر الرئيسي على نهر الحلة، وأذهب إلى مقهى الجندول، التي تطل على النهر من جانب الجسر الأيمن، باتجاه المدينة، ملتقيا هناك بما يشبه لقاء ثقافيا اسبوعيا، تعقده نخبة من مثقفي الفيحاء، نقادا وقصاصين وشعراء ومتابعين مهتمين بما تحمله الكتب والإصدارات الجديدة.
عبد الجبار عباس، ناجح المعموري، موفق محمد، قاسم محمد حمزة، عائد خصباك، صلاح السعيد، جعفر الزركاني، واحيانا قاسم عبد الأمير عجام، باقر جاسم محمد، رعد كريم وآخرون يمرون لمرة أو مرورا سريعا، أو ضيوف من محافظات أخرى. وكل مرة تجري سجالات وقراءات لأبرز وآخر النصوص الثقافية والأخبار المتداولة عن الفعاليات الثقافية والمشاركين فيها. وتنتهي اللقاءات عند نادي المعلمين القريب من المكان بتخطيط لاعداد لقاءات قادمة. ومرة وصلت المدينة مبكرا وجلست انتظر في المقهى واذا بسيارة مديرية الثقافة في المحافظة تذيع كعادتها عن فعاليتها الثقافية، التي تقوم بها نهاية كل أسبوع، وهي تجول وتذيع الخبر عن الفعالية، العنوان والمشاركين، والزمان والمكان. وقد سمعت اسمي مترددا في الاعلان، ركزت السمع وتأكدت، استغربت فعلا، الخبر عن المشهد الثقافي في العراق، يقدمها الاديب الناقد ويذكر اسمي والناقد قاسم عبد الأمير عجام. والمكان في مبنى المديرية القريب من المقهى، عبورا للجسر الى الضفة الأخرى. فتحركت إلى المكان واستغربت فعلا، اذ لم يخبرني احد مسبقا، ولم يتفق معي حول الفعالية. صحيح مع المدير، العميدي، معرفة قد تمون، كما يقال، وكذا الناقد عجام أيضا، ولكن الصدفة وحدها حصلت ذاك اليوم. واذا كراسي الحديقة ومدخل المبنى مملوءة والناس محتشدة تشرأب النظر الى المنصة، وكان المدير الى جانبه الصديق قاسم، يحيان الحضور ويعيدان خبر الفعالية بالأسماء، ولم يتأكدا من حضوري. فاضطررت وبعد الاشارات منهما والترحيب أن أخطو بين الناس وأصل إلى المنصة، وانتقد شاكرا معدي الأمسية الثقافية، وساهمت بمداخلة شفوية دون تحضير وأوراق، مقدما تحليلا نقديا للتطورات الثقافية المتقدمة والمتنامية في البلاد، ونشر بيانات شعرية وقصصية حداثية، ترسم صورة جديدة لمرحلة ثقافية ثرية، انتاجا وابداعا وبروز ظواهر وأسماء إبداعية لونت المشهد الثقافي في العراق. واسهم الصديق الناقد المختص بالسينما والتلفزيون بمداخلة مطولة مكتوبة عن السينما والمسرح في العراق، وكان متابعا جديرا، وأصبح الأبرز في وسائل الإعلام العراقية في الاختصاص هذا. وفي المداخلات والأسئلة التي أنهت القسم الثاني من وقت الأمسية كانت مركزة على المشهد الثقافي العام ودور المطبوعات وتوزيعها وفعاليات الاتحاد ودور النشر والمؤسسات التي تنشر الثقافة وترعى المثقفين وانتاجهم ودور الفن السابع في تعزيز المشهد ونقل الشارع العراقي الى النص والإنتاج الفني. وفي ختامها وزع المدير وشابة انيقة باقتي ورد للمحاضرين، ولم يعتذر احد عن المفاجأة الشخصية لي. ولكنها كانت أمسية ممتعة وسمعت اصدقاء كثر ذكروا أنهم استمتعوا بها وحضروا بعد ان سمعوا اسمي يتردد في انحاء المدينة عبر السيارة وطريقة الإعلان التي يتبعها المسؤولون عن النشاطات الثقافية خصوصا.
حضرت أمسية أخرى باتفاق وموعد، كانت في حديقة عامة، في الهواء الطلق، وسط المدينة، مخصصة لفن القصة عند القاص المبدع والمترجم غازي العبادي، وبحضوره قدمت قراءة نقدية لآخر مجموعة قصصية صدرت له حينها. بعنوان: ابتسامات للناس والريح، عن وزارة الثقافة. وكانت قصصه أو أسلوبه يتميزان بنكهة واقعية نقدية، كل قصة تسجل او تؤرخ لحياة أبطالها العراقيين في خضم الصراعات الوطنية والاجتماعية والسياسية. وتحدث هو عن تجربته القصصية وانتقالاته في العراق وموسكو ودراساته وتخصصه وأعماله الأدبية، الإبداعية والمترجمة.
كانت هذه التجربة جديدة، في ذلك الوقت، إخراجا وانتاجا، امتازت بالحوار المفتوح والمكشوف والمواجهة وجها لوجه، حتى دون طاولة عازلة بين المحاضرين والمستمعين الحاضرين، وكانت المشاركة متبادلة، والحضور واسعا، من الجنسين، ولاسيما من الشباب، ومن الطلاب ، ومن المثقفين الذين كانوا هم وراء اعداد تلك الأمسية. شعرت بصداقة إضافية مع المبدع العبادي بعد تلك الأمسية التي حضرناها سوية من بغداد، وكنا نلتقي باستمرار، خاصة صباحات أيام الجمعة في مقهى الزهاوي أو حسن عجمي في شارع الرشيد، أو اللقاءات الثقافية الديمقراطية في بيت احد الرفاق، وقضينا سهرة جميلة بعدها وحوارات مستمرة عن القصة والأدب والتطور الإبداعي في البلاد عموما والمحافظات خصوصا، حتى في طريق العودة إلى بغداد.
لتلك الأماسي الثقافية اهتمام واسع في المحافظات، وامثالها في مقرات الاتحاد العام للأدباء ونقابات الفنانين وحتى المعلمين والمحامين والأطباء والصيادلة، وغيرها، في العاصمة بغداد.. كانت لقاءات متنوعة بين الثقافة والمعرفة والتعارف والاتصالات الإنسانية والتواصل الابداعي، مع أنواع أخرى من الفنون، فثمة قراءات شعرية مع عزف موسيقي ومعارض فنون تشكيلية، إضافة إلى المشاهد المسرحية، وهي في الحصاد الأخير فعاليات ثقافية لها دلالتها الأخرى على التطور الثقافي والاجتماعي والسياسي في البلاد.
كانت أماسي يوم الاربعاء من كل اسبوع في مقر اتحاد الأدباء قرب ساحة الأندلس، المبرمجة والمحدودة حسب موضوعات وعناوين منتظمة مع المتحدثين فيها، تجمع فضلا عنها اطيافا أخرى بعد انتهائها والانتقال من قاعتها او مسرحها الى المطعم لتتحول إلى جلسات عائلية واجتماعية متعددة ومتنوعة، وبديهيا تتواصل العلاقات وتتعمق الاتصالات والتواصل على الصعد المختلفة فيها. وهذه لها دلالتها الأخرى، حيث تتوسع المعاني ولا تضيق العبارة فيها. وإضافة إلى هذه الأماسي والجلسات المتتالية لها هناك برامج احتفالية في المناسبات الوطنية أو الثقافية، تتحول الى نشاطات ترفيهية وتنويعات اجتماعية على عزف ورقص وتسلية مشتركة للاعضاء والأصدقاء والضيوف. وكانت نشاطات الاتحاد وفعالياته المتنوعة لها سمعتها وصداها كأبرز مثال يعكس العلاقات السياسية الجبهوية، ويسجل الاتحاد من خلالها حضوره المتميز ورصيده الثقافي والاجتماعي المنتظم والمسؤول، بل ويكون مع نقابتي الصحفيين والفنانين من أبرز الواجهات المشتركة للعلاقات الجبهوية والفعاليات السياسية التي تعبر عن الحال والآمال والآفاق.
لعبت مجلة ” الكلمة” الثقافية، التي أصدرها الأديبان موسى كريدي وحميد المطبعي شهريا، بطبعتها الشعبية، وبمبادرتهما من مدينة النجف الأشرف، دورا في تنشيط الوسط الثقافي ومتابعته، والاهتمام بالأدب الجديد والشباب، إضافة إلى مجلة الاتحاد الفصلية والمجلات التي تصدرها وزارة الثقافة، وبعض الجامعات والوزارات والنقابات. والملاحق والصفحات الثقافية في المجلات الأسبوعية والصحف اليومية، حيث كانت كلها تصب في نهر الثقافة العراقية، والعربية، اسما ومعنى ودلالة وأثرا.
لكن الحياة السياسية لم تستمر كما كانت، اذ بدأت إشارات كثيرة تنذر بأخطار وتحولات قادمة. وتغلبت غيوم سوداء على الفضاءات المختلفة، وانتشرت وسائل القمع والضغوط والترصد مصحوبة بتصريحات انقلابية من أصحاب القرار السياسي في البلاد. ابتدأت على شكل ردود على بيانات في الصحافة، وتواصلت في الاعتقالات والاغتيالات، وتوسعت الى الرقابة على المقرات ومنع توزيع الصحيفة في المحافظات خارج العاصمة، وحتى في العاصمة في محلات معينة. لتقدم كلها مؤشرات صارخة لطلاق قريب بين قوى الجبهة الوطنية، وانعكاسه على كل المجالات الاخرى، ومنها العلاقات الثقافية وصولا إلى الاجتماعية. وهل ينفع قول الاسف لدورات الدم التي سفكت وعبرت عن مستويات الوعي والصدق في الكفاح الوطني؟!. ومتى تصبح دروسا حقيقية لبناء حياة أفضل لأبناء الرافدين؟!.
في هكذا ظروف لم تعد الحياة الطبيعية ممكنة، لا ثقافيا ولا سياسيا، أخذت الهجرة والاختفاء والبحث عن وسائل حماية فردية تفعل فعلها كضرورة ضاغطة ووسيلة مركبة، لها ارتداداتها الذاتية وصعوباتها العملية، فلكل منها ظروفه وممكناته وتداعياته. وتصاعدت صور الاضطهاد حتى لأعضاء من الحزب الحاكم، وبالتأكيد تتناقض مع الشعارات المرفوعة والأقوال المسموعة حينها. فأصبح صاحبي يقول إن حال العراقي في الداخل أو الخارج، مثل ما قاله أبو الطيب:
بم التعلل لا أهل ولا وطن ***ولا نديم، ولا كأس، ولا سكن
أريد من زمني ذا أن يبلغني *** ما ليس يبلغه من نفسه الزمن
لا تلق دهرك إلا غير مكترث *** ما دام يصحب فيه روحك البدن
فما يدوم سرور ما سررت به *** ولا يرد عليك الفائت الحزن
مما أضر بأهل العشق أنهمو *** هووا، وما عرفوا الدنيا، وما فطنوا

إلى الأعلى